كتاب الزكاة 5

الدرس في كتاب الزكاة 5، ألقاها

زكاة الخارج من الأرض وشروطها

يتناول هذا الفصل زكاة الحبوب والثمار ويشرح شروط وجوبها مثل بلوغ النصاب وخمسة أوسق. يبين الأصناف التي تجب فيها الزكاة.

تفاصيل وجوب ومقدار زكاة الحبوب والثمار

يفصل هذا الفصل شروط وجوب زكاة الحبوب والثمار ومقدارها، حيث يجب إخراج الزكاة إذا بلغ النصاب. يوضح أن مقدار الزكاة العشر إذا سقيت بلا كلفة ونصف العشر إذا سقيت بكلفة.

أحكام زكاة الركاز والمعدن

يشرح هذا الفصل أحكام زكاة الركاز والمعدن، حيث يجب الخمس في الركاز دون اشتراط الحول أو النصاب. ويبين وجوب الزكاة في المعدن لعموم النصوص الواردة في الخارج من الأرض.

ختام وتأكيد على أحكام الزكاة والدعاء

يؤكد هذا الفصل على أحكام الزكاة المذكورة ويختم بالتسبيح والاستغفار والدعاء. يشير إلى علو الله تعالى وعلمه بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الباب الثالث من أبواب كتاب الصلاة من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة في زكاة الخارج من الأرض، وفيه مسائل. هذا الباب هو مدخل في زكاة الخارج من الأرض من الحبوب والزرع والثمار. قالوا: المسألة الأولى، متى تجب الزكاة في الخارج من الأرض؟ وما الدليل على ذلك؟ قالوا: الأصل في وجوبها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾، أي: هذه الآية وغيرها من الآيات، وكذلك ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». وكذلك ما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيما سقت السماء والأنهار والعيون العشر، وفيما سقيا بالسواني أو النضح نصف العشر». وكذلك دل على وجوبها، إلى جانب الكتاب والسنة، الإجماع من حيث الجملة، أي: نقل الإجماع على وجوب إخراج الزكاة في الخارج من الأرض جملة. ثم وقع الخلاف في تعيين الأصناف التي يجب فيها إخراج الزكاة، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. فإذن ثبت عندنا وجوب الزكاة في الخارج من الأرض بدليل الكتاب والسنة والإجماع. قالوا: وتجب الزكاة في الحبوب إذا اشتد الحب وصار فريكا، ومعنى فريكا: أي منقى، أي: بحيث يخرج من قشرته. وتجب في الثمار عند بدو صلاحها، بحيث تصبح ثمرا طيبا يؤكل، أي: صالحا للأكل. وكل بحسبه، أي: من الثمار ما يحمار، ومنها ما يصفار، ومنها ما يطيب بمذاقه، وذلك يختلف باختلاف الثمار. قالوا: ما يشترط له الحول، أي: لا يشترط الخارج من الأرض لإخراج الزكاة منه أن يدور عليه الحول كالذهب والفضة ونحوهما، ولكن يكون بعد خروجها، أي: خروج تلك الحبوب أو الثمار على الوصف المذكور: الحبوب بعد أن تداس وأن تنقى وتفرز، والثمار بعد كذلك أن تطيب وتنقى، تطيب وتكون جاهزة للأكل. وكذلك التمر بعد أن يجف وهكذا، وكل بحسبه. قالوا: لقول الله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، وآتوا حقه يوم حصاده. وكما سمعتم، ليس المقصود يوم حصاده أنك يوم أن تحصد مثلا البر، لكن المقصود يوم حصاده أي: بعد التنقية والتجهيز، بعد التنقية والتصفية له، بعد ذلك يخرج الزكاة من ذلك الحب، وكذلك الثمار، التمر بعد أن يجف ويجهز، بعد ذلك يخرج منه ما يكون للزكاة. فإذن قول الله جل وعلا: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، دال على أن الخارج من الأرض لا يشترط فيه دوران الحول، وإنما يجب عند تجهيزه وقطفه وتنقيته وتهيئته. إذا كان كذلك يخرج بعد ذلك ما أوجب الله جل وعلا عليه إخراجه من تلك الأشياء التي أوجب الله جل وعلا فيها الزكاة، على ما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. من هذه الأصناف لا تجب الزكاة في كل مكيل مدخر من الحبوب والثمار، كالحنطة والشعير والذرة والأرز والتمر والزبيب. ولا تجب في الفواكه والخضروات. قالوا: في المكين لكون النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر التوسيق فيه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». قالوا: وهو التحميل. قالوا: المدخر لوجود المعنى المناسب لإيجاد الزكاة فيه، لأنها مثل هذه الأشياء تدخر. قالوا: وعلى هذا فما لم يكن مكيلا ولا مدخرا من الحبوب والثمار فلا زكاة فيه. طيب، هذه مسألة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء، وعين ما هو الواجب من أنواع زروع وثمار التي يجب فيها الزكاة. بعد اتفاقهم على أن أربعة أصناف فيها الزكاة: البر والشعير والتمر والزبيب، نقل هذا الاتفاق الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى. واختلفوا فيما عداها. فمن أهل العلم من نظر إلى معنى الكيل والإدخار، ومنهم من نظر إلى معنى الكيل والاقتيات، ومنهم من نظر إلى علة واحدة ولم يضف إليها علة أخرى. وأصح ما في هذه المسألة -والله أعلى وأعلم- هو ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما عند الطبراني والدارقطني والحاكم وغيرهم، عن معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، حينما بعثهما إلى اليمن قال لهما، وهو يعلمهما أحكام الزكاة، قال: «ولا تأخذوا إلا حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا». والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في كتاب الإرواء، وله طرق. والحديث كما ترون فيه معنى من معاني الحصر والقصر عند البلاغيين، لأنه جاء بمعنى من معاني الحصر والقصر، إذ أنه جاء بأسلوب النفي والإثبات. وهذا كما يقول علماء المعاني بأنه أقوى أسلوب في الحصر والقصر. إذن النبي صلى الله عليه وسلم حصر الأصناف وقصرها على هذه الأصناف الأربعة. وما عداها مما ذكر من الأصناف، بإلحاقها بهذه الأصناف الأربعة تارة بعلة الاقتيات، وتارة بعلة الكيل، وتارة بعلة الإدخار، وتارة بجعل العلة مكونة من علتين، كلها أقيسة يدل النص على عدم صحتها. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولا تأخذ الصدقة إلا من الحنطة أو الشعير أو التمر أو الزبيب». فكيف بعد هذا يحل لمسلم أن يأخذ من مسلم غير هذا الذي ذكره وحدده لنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟ وهذا القول ذكر عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه أنه قال به، وكذلك قال به ابن عمر، وكذلك ابن سيرين، وطاوس، والحسن، وابن المبارك، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وطائفة من العلماء، رحمه الله تعالى. وهو الذي عليه كذلك طائفة من العلماء المحققين في هذا العصر، وعليه فتوى العلامة الألباني رحمه الله من المعاصرين، وفتوى شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي، رحم الله الجميع. وعلى أن الأصناف محصورة ومقصورة في هذه الأصناف الأربعة فحسب، وما عداها فلا دليل عليه. والأصل بقاء الأموال على حرمتها حتى يدل الدليل على وجوب الزكاة فيها. والله أعلى وأعلم. قالوا: المسألة الثانية، شروط وجوب الزكاة في. يشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان: بلوغ النصاب، واحد: بلوغ النصاب، وهو خمسة أوسق، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». وهذا الحديث يدل على أنه له منطوق ومفهوم. فمنطوق هذا الحديث: أن الإنسان إذا كان عنده من هذه الأشياء الخارجة من الأرض: من الحنطة أو الشعير أو التمر أو الزبيب، عنده خمسة أوسق فما فوق، فإنه يجب عليه فيها الزكاة. هذا منطوق هذا الحديث. ومفهومه: أنه إذا كان عنده أدنى وأقل من ذلك، فإنه لا يجب عليه الزكاة. يعني: رجل مثلا عنده أربعة أوسق ونصف، فهل تجب عليه الزكاة؟ الجواب: لا تجب عليه الزكاة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». قالوا: والوسق: حمل البعير، وهو ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم. وخمسة الأوسق: ثلاثمائة صاع. يعني: فيكون الإنسان إذا كان عنده ثلاثمائة صاع من البر أو من الشعير أو من التمر أو من الزبيب، فإنه يجب عليه الزكاة. وإذا كان عنده أقل من ذلك فلا زكاة عليه واجبة، فلا زكاة عليه واجبة. لكن إن أحب أن يتصدق، فإنما يتصدق لنفسه. أما الواجب فلا. قالوا: فيكون زنة النصاب بالبر الجيد ما يقارب ستمائة واثني عشر كيلو جراما، على اعتبار أن وزن الصاع: اثنان فاصل أربعون كيلو جرام. هذا على اعتبار أن الصاع مقداره كذا، لأن العلماء رحمهم الله تعالى في تقدير الصاع، منهم من يقول بهذا المقدار، وهو الذي عليه فتوى العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. وأما الذي عليه فتوى اللجنة الدائمة، برئاسة العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، رحم الله الجميع، فإنه يقول: بثلاثة كيلو، يقول: وهذا الأحوط والأبرأ للذمة. والشيخ العثيمين رحمه الله تعالى يقول: قسمناه وضبطناه، فوجدناه اثنين كيلو فاصل أربعين. فالإنسان إن استطاع أن يصل إلى الصاع المعتبر الصحيح، فالعبرة بالصاع، أي: يزن بالصاع، لا بالوزن. أو قل: يقيس بالصاع، لا بالوزن، لأن هذا هو المعتبر. المعتبر أن يكون بالصاع، أي: بالكيل، لا يكون بالوزن. لكن إن عجز، ما عندهم كيل يكيل به، فها هنا إن أخذ بقول العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، فهو من أهل التحرى والصدق والأمانة، رحمه الله تعالى. وإن أخذ بقول اللجنة الدائمة، فهم كذلك من أهل الصدق والتحرى والأمانة. والإنسان يحتاط لدينه ما استطاع. والله تعالى أعلى وأعلم. الثاني: أن يكون النصاب مملوكا له وقت وجوب الزكاة، أي: أن يكون النصاب ملكا له، لا يكون ملكا لغيره، لا يكون ملكا لغيرك، أن يكون عاملا أو ما شابه ذلك، أو باعه. فإذا باعه لا يكون ملكا له، يعني: قبل حصول وخروج ذلك التمر على وجهه، أو البر على وجهه. فالحاصل: أن يكون النصاب مملوكا له وقت الزكاة، أن يكون مستقرا ملكه على ذلك النصاب، يكون مستقرا، لا مخوفا. المسألة الثالثة: في مقدار الواجب. قالوا: الواجب في الحبوب والثمار العشر فيما سقي بلا كلفة، بأن كانت عثرية أو تسقى بماء العيون، أو نصف العشر فيما سقي بمؤنة، بأن كانت تسقى بالدلاء والسواني ونحوهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والأنهار والعيون العشر، وفيما سقي بسواني أو النضح نصف العشر». يعني: ومعنى هذا أن مقدار الزكاة الواجبة إذا بلغ عند الإنسان النصاب، إذا بلغ عند الإنسان النصاب من الحنطة أو الشعير أو التمر أو الزبيب، بلغ عنده ثلاثمائة صاع، فكم الواجب عليه من الزكاة؟ الجواب: أنه ينظر في هذا الزرع أو في هذا التمر أو الثمر، هل خرج بكلفة أم لم يخرج بكلفة؟ بمعنى: إن كان خرج هذا الزرع أو ذاك التمر بغير كلفة، سقطته السماء، أو كانت هناك أنهار جارية فسقي بالأنهار، أو عيون فسقي بالعيون، أو ما شابه ذلك، أي: من غير كلفة. وليس معه الكلفة أن يهيئ ويحفر ويعمل طرقات الماء، هذه كلفة غير معتبرة. لكن المقصود أنه إذا لم يكن بكلفة معتبرة، فإن عليه في ذلك العشر. إذا كان كذلك عليه فيه العشر. وفيما كان بكلفة؟ معنى بكلفة: كأن تكون عنده بئر، حفر بئرا واحتاجت هذه البئر إلى ماكنة ترفع الماء، وتحتاج هذه الماكنة إلى وقود وما شابه ذلك، يعني: يكون سقي ذلك الزرع بكلفة. أو مثلا ما عنده هذا، يكون في بادية، يكون يحمل الماء من مكان إلى مكان على إبل أو على بقر أو ما شابه ذلك. سقوه بكلفة، لم تسق بالأمطار، ولا بالعيون، ولا بأسيول، ولا بغير ذلك، وإنما سقي بجهد منهم. فمثل هذا عليه من الزكاة نصف العشر، عليه من الزكاة نصف العشر. تأتي عندنا هنا مسائل يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى. من هذه المسائل: يقول: إذا سقيت نصف السنة هذه الزراعة نصف السنة بكلفة، ونصف السنة بغير كلفة، يعني: جاءت الأمطار موسمية مثلا، فسقيت نصف السنة بكلفة، ونصف السنة بغير كلفة. جاءت السماء بالأمطار، أو مرت سيول، أو دية، فسقي الأرض لمدة نصف السنة. ونصف السنة يحتاج إلى جهد عندهم بئر ومكينة، ويخرج الماء ويسقي أرضهم. فكم عليه؟ قال العلماء: يكون عليها هنا باعتبار ما سقي بغير كلفة العشر، وباعتبار ما سقي بغير كلفة يكون عليه نصف العشر. يعني: يكون يقسم العشر للنصف، ونصف العشر على النصف الثاني. ويخرج الزكاة بهذا الاعتبار. طيب، تأتي عندنا مسألة أخرى أيضا ذكرها الفقهاء. قالوا: إن كان أكثر السنة لشيء، يعني: مثلا أكثر السنة بغير كلفة، وبعض السنة بكلفة. أو العكس: أكثر السنة بكلفة، عنده مثلا ماكنة ماء يشتغل السنة، أكثر السنة مثلا سبعة أشهر من السنة، ثمانية أشهر من السنة، بالماكنة تخرج الماء، يحتاج إلى الديزل وما شابه ذلك. وأربعة أشهر أو خمسة أشهر أو ثلاثة أشهر لا تحتاج إلى كلفة، يأتي أمطار موسمية، فتسقى تسقى الأرض بتلك الأمطار. فكم عليه؟ هذه كذلك مسألة من المسائل التي وقع فيها الخلاف. الجمهور يقول: العبرة بالأغلب. وذهب بعض أهل العلم إلى أن العبرة بالتحاص، أن يجعلها حصصا. فالمدة التي فيها سقيا بغير كلفة، حصتها العشر، يخرج من العشر. والذي سقيت بكلفة، ففيها نصف العشر. وهذا الذي ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أظهر، وهو الأظهر: أنه يعمل بالحصة، يعمل بالتحاص. فيخرج ما سقي بغير كلفة يخرج منه العشر، وما سقي بكلفة يخرج منه نصف العشر. والله تعالى أعلى وأعلم. المسألة الرابعة: في زكاة العسل. قالوا: حكى ابن عبدالبر رحمه الله عن الجمهور أنه لا زكاة فيه، وهو الأظهر، لأنه ليس في الكتاب ولا في السنة دليل صحيح صريح على وجوبها. والأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب. قال الإمام الشافعي رحمه الله: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف. وفيه أنه يؤخذ منه ضعيف، إلا أن يؤخذ من عمر بن عبدالعزيز. واختيار أنه لا يؤخذ منه، لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست فيه ثابتة. فكأنه عفو. وهذا هو الأظهر: أن العسل ليس فيه الزكاة لعدم الدليل الدال على وجوبه. جاء في ذلك حديث، لكنه لا يصح. ضعفه إمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذلك الشافعي، وطائفة من الأئمة، ضعفوا هذا الحديث. قال ابن المنذر: ليس فيه وجوب صدقة في العسل خبر يثبت. أي: فيه خبر، لكنه لا يثبت. فإذا كان الأمر كذلك، فليس في العسل زكاة، لأن الأصل براءة الذمة. المسألة الخامسة: في الركاز. قالوا: الركاز هو ما وجد من دفائن الجاهلية، ذهبا أو فضة أو غيرهما. ما وجد من دفائن جاهلية، ذهبا أو فضة أو غيرهما، مما عليه علامة الكفر، ولم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه نفقة وكبير عمل. وأما ما طلب بمال وتطلب، أو تطلب كبير عمل، فليس بركاز. ويجب فيه الخمس في قليله وكثيره، ولا يشترط له الحول ولا النصاب، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وفي الركاز الخمس». وهو فيء، أي: يصرف في مصالح المسلمين العامة. ولا يشترط أن يكون من مال معين، فسواء كان من الذهب أو الفضة أو غيرهما. طيب، وهذه مسائل كثيرة ذكرت في هذه الجملة. أولى هذه المسائل: الركاز. وقد تقدم معنى الركاز. والركاز كما يعرف العلماء رحمهم الله تعالى: هو دفين الجاهلية، ما كان من دفين الجاهلية، فهو ركاز، سواء كان من ذهب أو فضة، أو كان من حديد أو نحاس أو غير ذلك، مما كان من دفين الجاهلية. وعرف أنه من دفين الجاهلية، أي: من الأمم السابقة قبل أمة الإسلام. هذا يسمى دفين الجاهلية، يسمى الركاز في الشرع، لأنه مركوز في الأرض. قالوا: ما وجد من دفين الجاهلية، ذهبا أو فضة أو غيرهما، مما عليه علامة الكفر. قالوا: ولم يطلب بمال. هذه مسألة ثانية: هل يشترط في الركاز ألا يكون قد بحث عنه وتطلب الوقوف أو تحصيله مشقة؟ أم أنه ركاز وإن حصل في طلبه مشقة؟ قولا لأهل العلم: الأظهر -والله أعلى وأعلم- أنه ما دام من دفين الجاهلية، ووجد، سواء كان بكلفة أو بغير كلفة، فهو ركاز، لأنه من دفين الجاهلية، وباق على هذا الوصف. طيب، هذه مسألة أخرى، ومسألة ثالثة: أنه لا يشترط له الحول ولا النصاب. الركاز لا يشترط له الحول ولا النصاب. مثلا رجل وجد قطعة ذهب تبلغ مثلا ثمانين جراما من دفين الجاهلية، قطعة ذهب عليها علامات أنها من دفين الجاهلية. لكن كم وزنها؟ وزنها ثمانين جراما. هل يقول: ليس علي فيها زكاة لأنها لم تبلغ النصاب؟ الجواب: لا، لأن الركاز تعامل معاملة أخرى، تعامل معاملة أخرى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفي الركاز الخمس». أي: إذا وجد الإنسان الركاز، فمنه الخمس. ولا يجب عليه ولا يشترط له أن يدور عليه الحول، بل بمجرد أن يلقاه وأن يستخرجه يجب على ذلك. قالوا: وهو فيء يصرف في مصالح المسلمين العامة. هذه أيضا مسألة رابعة، وهي: هل الركاز مصرفه مصرف الفيء أو مصرفه مصرف الزكاة؟ كذلك لأهل العلم في هذه المسألة ثلاثة أقوال. من أهل العلم من قال: بأن مصرفه مصرف الزكاة، فيخرج إلى مصرف الزكاة. ومن أهل العلم من قال: بأن مصرفه مصرف الفيء، فيخرج إلى مصرف الفيء. ومن أهل العلم من قال: بأن هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم، يرجع إلى اجتهاد الحاكم. بمعنى: أن الإنسان يخرج الخمس ويسلمه للسلطان، والسلطان يضعه حيث رأى المصلحة في أمور المسلمين، يضعه في أمور المسلمين في المكان الأصلح والأنفع. وهذا القول هو الذي قاله ورجحه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، صاحب كتاب الأموال. وكذلك رجحه واختاره من المعاصرين العلامة الألباني رحمه الله تعالى. إذن هل مصرفه مصرف الفيء أو الزكاة؟ قلنا: يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم، يعطى الحاكم. والحاكم إما أن يضعه في جهة الزكاة إن رأى المصلحة في ذلك، أو يضعه في مصرف الفيء إن رأى المصلحة في ذلك. وذلك لأنه لا دليل يدل على أن مصرفه من الزكاة، حتى يقال: بأن مرجعه إلى الزكاة. ولا بأن مرجعه إلى الفيء، حتى يرجع إلى الفيء، إلا ما جاء في الخمس. وليس كل خمس يجب أن يكون من مال، أو يكون من الفيء. فهذا هو الأظهر. والله أعلى وأعلم. قالوا: ولا يشترط أن يكون من مال معين. وهذه أيضا مسألة خامسة. ولا يشترط أن يكون من مال معين. قالوا: فسواء كان من الذهب أو الفضة أو من غيرهما. وهذا والصحيح خلافا لبعض أهل العلم ممن ذهب إلى أنه يشترط أن يكون من الذهب والفضة. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: الركاز لا بد أن يكون من ذهب أو فضة، فإن لم يكن من الذهب أو الفضة فلا يكون ركازا. وجمهور أهل العلم يعممون الحكم في الذهب والفضة أو في غيرها من دفائن الجاهلية. وهذا هو الأظهر، لإطلاق الحديث في هذا الباب. فالحديث جاء مطلقا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الركاز الخمس». فتقييده بشيء مخصوص: بذهب أو فضة أو نحو ذلك، يحتاج إلى دليل جليل. والأصل بقاء العموم على عمومه، والأصل بقاء المطلق على إطلاقه. والله أعلى وأعلم. قالوا: ويعرف كونه من دفائن الجاهلية بوجود علامات الكفر عليه، ككتابة أسمائهم ونقش صورهم ونحو ذلك من العلامات. طيب، عندنا هنا مسألة أيضا، وهي: إن وجد دفينا، ولكن عند البحث والنظر علم أنه من دفين أهل الإسلام، من دفين أهل الإسلام. كيف من دفين أهل الإسلام؟ وجد مثلا أسماء إسلامية، أسماء إسلامية. يعني: مثلا على سبيل المثال وجد دنانير عليها ختومات إسلامية. فهل يكون هذا ركازا ويكون له حكم الركاز أم لا؟ الجواب: نقل ابن عبدالبر رحمه الله تعالى الاتفاق على أنه ليس بركاز، ولكن يعامل معاملة اللقطة، يعامل معاملة اللقطة. واللقطة كيف تعامل؟ تعرف عاما ثم يمتلكها. فإن جاء صاحبها يوما من الدهر وذكر أنه لها وأتى ببيان ذلك بيانا واضحا شافيا، فيجب عليه إرجاعها. واضح هذا. فالحاصل: أنه يكون حكم اللقطة، ولا يكون حكم الركاز. فالركاز إنما يكون في دفين الجاهلية، أما ما كان من دفين أهل الإسلام فلا، إنما هو يكون حكم اللقطة. قالوا: وأما المعدن، فهو كل ما تولد من الأرض من غير جنسها، ليس نباتا، سواء كان جاريا كالنفط والقار، أم جامدا كالحديد والنحاس والذهب والفضة والزئبق. فتجب فيه الزكاة بالإجماع كما سبق، لعموم النصوص الواردة في وجوب الزكاة في الخارج من الأرض، كقول الله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾. فهذه الأشياء كما هو واضح فيها الزكاة على الوصف المذكور. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على