الدرس في كتاب الزكاة 4، ألقاها
نصاب العملة الورقية هو الأحظ للفقراء وهو نصاب الفضة حاليا، ويجب إخراج الزكاة إذا بلغ المال النصاب ومر عليه الحول. عروض التجارة تشمل ما أعده المسلم للتجارة من أي صنف.
استدل الموجبون بأدلة عامة من الآيات والأحاديث والإجماع، وبأدلة خاصة من الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين. هذه الأدلة تدعم وجوب الزكاة في عروض التجارة.
يشترط لزكاة عروض التجارة أن يكون المال مملوكا بنية التجارة، وأن تبلغ قيمته نصابا، وأن يحول عليه الحول، وتقوم السلع بقيمتها يوم الزكاة. آراء الفقهاء في هذه الشروط متنوعة.
يجب التحري بدقة في حساب الأموال والاحتياط لدين الله لتبرئة الذمة. هذا يشمل التدقيق في المعاملات المالية وتقدير قيمة عروض التجارة يوم الزكاة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، ومضى معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض مسائل الزكاة، ودخلنا بحمد الله جل وعلا في الباب الثاني من أبواب الزكاة، وقرأنا ما يسر الله جل وعلا أن نقرأه من المسائل المتعلقة بهذا الباب. وقبل الدخول في المسألة السادسة ننبه على أمر وهو مر معنا فيما مضى، أن الأصناف التي فيها الزكاة الذهب والفضة، أي مما مر معنا في زكاة الذهب والفضة. وقد تقدم الكلام على نصاب الذهب وعلى نصاب الفضة، وكذلك ما هي الشروط التي إذا توفرت ووجدت وجب على المسلم في ماله الزكاة. وتتمة لهذه المسألة ننبه على مسألة، وقد تقدمت الإشارة إليها وهي مسألة العملة النقدية والعملة الورقية، العملة الورقية التي يتعامل بها الناس اليوم في معاملاتهم من البيع والشراء ونحوها، كذلك عليها أو فيها الزكاة على قول عامة الفقهاء المعاصرين رحمهم الله. وكما يذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أيضا من المعاصرين، أن زكاة العملة الورقية يكون كذلك بشروط، والشروط المعتبرة فيها هي الشروط المعتبرة كذلك في نصاب الذهب والفضة، لأنها كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى تلحق بحكم الذهب والفضة باعتبار الثمنية، وباعتبار كونها قيمة للأشياء. وإذا كان أمر كذلك، فنصاب العملة الورقية التي إذا بلغت عند المسلم فيجب فيها عليه الزكاة بالشروط السابقة المذكورة، نصابها على أصح قولي العلماء أنها إذا بلغت أدنى النصابين، وهو ما كان الأحظ فيه للفقراء. وذلك لما تقدم ذكره من أن العملة الورقية تعامل معاملة الذهب والفضة، وإذا كان أمر كذلك فيكون معتبر فيها ما كان فيها الأحظ للفقراء. وفي أيامنا هذه لا شك ولا ريب أن الأحظ للفقراء هو الفضة نصاب الفضة. ونصاب الفضة كما مر معنا مئتا درهم، وهو ما يعدل ويساوي خمسمائة وخمسة وتسعين جراما، وهو بالعملة اليمنية بهذه أو في هذه الأيام ما يقدر بستين ألفا، فما كان عنده هذا المبلغ ومر عليه الحول، فإنه يجب عليه فيه الزكاة، فيخرج من هذا المبلغ ربع العشر. وعلى هذا فتوى أكثر أهل العلم من أن النصاب المعتبر في النقدين وفي العملة الورقية هو الأحظ للفقراء، وعلى هذا فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، وكذلك فتوى اللجنة الدائمة، وكذلك آخر فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز، وكذلك فتاوى العلامة العثيمين وفتاوى غيرهم من العلماء المعتبرين من أهل العلم والدين. فإذا كان أمر كذلك، فكما سمعتم أن المسلم إذا بلغ عنده المال النصاب، ومر عليه الحول، فإن عليه فيه الزكاة، ومقداره كما مر معكم ربع العشر. قد يقول قائل: بعض الناس ما عنده مثلا في بيته إلا مثلا مئة ألف، يجعلها مثلا للحاجة، حصل مرض، حصل شيء، يقول أجعلها للزمن أو ما شابه ذلك، فدار عليها الحول، فهل يخرج مثل هذا الزكاة؟ الجواب نعم، لأنه مال دار عليه الحول، حاله كحال رجل عنده خمسمائة وخمسة وتسعين جرام من الفضة، قيمته كم؟ قيمته ستون ألفا تقريبا، ودار عليه الحول، هل عليه فيها الزكاة؟ الجواب نعم، عليه الزكاة. قد يقول قائل: الرجل في نفسه فقير، الرجل في نفسه فقير، ما عنده شيء إلا هذه، جعلها للزمن، ويمشي ويمشي على حاله، لا يعلمها إلا الله، فماذا يصنع؟ كما نبه على هذا بعض أهل العلم، قالوا: يخرج ما يكون دون النصاب، يخرج شيء بحيث أنه يكون عنده دون النصاب. ويأتي أيضا لهذا أمر آخر، يعني قد يقول قائل: كيف أنا أتصدق وأنا بنفسي من أصناف الزكاة، من أصناف المستحقين للزكاة؟، أنا فقير، وأنا مسكين، ما عندي إلا قوت يوم، وما عندي إلا هذه ستين ألفا، أجعلها لنوائب الزمن. فيقال: لا مانع أن يكون الإنسان يخرج ما أوجب الله جل وعلا عليه من الزكاة، ويكون في الوقت نفسه فقيرا، يستحق أن يعطى من زكاة غيره، فيخرج ما أوجب الله جل وعلا عليه، ولا مانع إن كان فقيرا على الوصف الذي يذكره الفقهاء، وسيأتي معنى بإذن الله جل وعلا من أن يأخذ من الزكاة، لا مانع من هذا. أن يكون حاله كذلك، ويأخذ يخرج الزكاة للغير، للمستحقين، وإذا جاءهم من الزكاة له أن يأخذها، إن كان فقيرا أو مسكينا أو من أصناف المستحقين من الأصناف الذين يستحقون الزكاة، لا مانع من هذا. هذه المسألة كما سمعتم نبهنا عليها؛ لأنه يحصل فيها الكثير من السؤال والقيل والقال، والجواب هو ما سمعتموه، وكما سمعتم عليه فتوى أكثر علماء العصر رحمهم الله تعالى وغفر لهم. المسألة السادسة: قال في زكاة عروض التجارة، قال: العروض جمع عرض، وعرض وهو ما أعده المسلم لتجارة من أي صنف كان، وهو أعم أموال الزكاة وأشملها، وسمي بذلك لأنه لا يستقر، بل يعرض ثم يزول. فإن التاجر لا يريد هذه السلعة بعينها، وإنما يريد ربحها من النقدين. كما ذكرها هنا أن العروض في اللغة كما ذكر من عرض، وعرض يقال: عرض بفتح الراء وبإسكانها، وهو ما أعده المسلم للتجارة، مال أعده لأجل الاتجار به. قالوا: من أي صنف كان، وهو أعم أموال الزكاة وأشملها، لماذا؟ لأنه يدخل فيها الاتجار بالنقدين، كأن يكون تاجرا بالذهب أو تاجرا بالفضة، أو يكون بالماشية أو بالزرع أو بالعقارات أو بغيرها من الأشياء، من الملابس ونحوها. فهي كما ذكر أعم الأموال التي تدخل فيها الزكاة؛ لأنها عام في كل مال يتجر به. قالوا: وسمي بذلك، أي سمي عروض التجارة؛ لأنه لا يستقر، لماذا لا يستقر؟ قالوا: بل يعرض ثم يزول، بمعنى أن الإنسان يأخذ سلعة يشتريها في أول النهار، ما يأتي آخر النهار إلا وقد باعها، بل قد يبيعها في الوقت نفسه. قالوا: فإن التاجر لا يريد هذه السلعة بعينها، وإنما يريد ربحها من النقدين، أي أن المعتبر هو النقد، ليس عين التجارة، فالتاجر يشتري مثلا صاحب الدكان يشتري الأرز الدقيق، لا لأجل الأرز والدقيق، ولكن لأجل ما يدخل عليه من النقد عند بيعها. قالوا: والزكاة واجبة فيه لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنهما: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة من أموالهم، تأخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم» كما في الصحيحين، حديث ابن عباس. قالوا: ولا شك أن عروض التجارة مال؛ لأن المقصد من تلك التجارة هو المال، وهو النقد، لا عين تلك التجارة. وأيضا مما استدل به الموجبون لزكاة عروض التجارة، استدلوا كذلك إلى جانب هذه الأدلة العامة، بأدلة عامة أخرى. ومنها حديث عمر رضي الله عنه من الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات»، قال: وذلك لأن التاجر إذا اشترى هذه العروض وابتاعها، يعني اشتراها وباعها، فالبيع والشراء من المتضادات، يقال: البيع للبيع والشراء، وكذلك يقال: الشراء للبيع والشراء، إلا أن البيع في الإخراج، أي ما يكون في مقابل الثمن، والشراء ما يكون في مقابل السلعة. استدلوا على هذا بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، قد يقول قائل: ما هو وجه الشاهد من هذا؟ قال: وجه الشاهد من هذا أن التاجر يشتري العروض أو يشتري العروض التجارية لا لأجلها، لا لأجل عينها، عين العروض، وإنما يشتريها لقيمتها ولثمنها، إذن العبرة بثمنها ونقدها، لا بكونها عرضا وكونها عروضا، لا بكونها عروضا، تبتاع وتشترى؛ لأن التاجر لا ينظر إلى عين تلك العروض، ولكن ينظر إلى ما تجلب عليه من الأرباح النقدية. قالوا: هذا فيه دلالة على أن التاجر إنما نظره إلى النقدين، لا إلى حقيقة هذه العروض. وأيضا مما استدلوا به من الأدلة الخاصة على عروض التجارة، ما جاء في سنن أبي داود وغيره من حديث سمرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكان يأمرنا أن نخرج الزكاة مما أعتدناه للتجارة»، ولكن الحديث ضعيف، هذا الحديث ضعيف، فيه مجاهيل. وأيضا مما استدل به على هذه المسألة ما جاء، ما رواه الإمام مالك في الموطأ، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وغيرهم رحمهم الله تعالى، عن أبي عمر بن حماس أنه قال: مررت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فقال: يا حماس أتؤدي زكاة هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين ما عندي إلا هذه الجعبة، يعني ما عندي إلا هذه الأدمة، وهذه الجعبة التي فيها القرض. فقال عمر: دعني أنظر إليها، فنظر إليها عمر، فقومها، فإذا بها قد وجب فيها الزكاة، فقال له عمر: قد وجبت عليك فيها الزكاة. وكذلك أولا هذا الأثر من أهل العلم من حسنه، ومن أهل العلم من ضعفه. والذين ضعفوه قالوا: بأنه لأنه من طريق أبي عمر بن حماس، فهو مجهول، لم يوثقه متقدم. وبعض أهل العلم، شأن اعتبارا بأن الأئمة كالإمام أحمد وغيره احتج به، قالوا: فهذا يدل على أن مثل هذا الأثر يمشى. وكذلك يستدل بما روى أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، أنه أخرج كتابا فيه مكتوب لعمر، أخرج كتابا لعمر رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أنه يأمر بأخذ ربع العشر من هؤلاء. قالوا: فيه دلالة على أن صنيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على هذا. وأيضا ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: في المال الذي يعد للتجارة أن فيه الزكاة، أن المال الذي يعد للتجارة بأن فيه الزكاة. وكذلك مما استدل به القائلون بوجوب الزكاة في عروض التجارة، استدلوا بالإجماع، أن بعض أهل العلم كالإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى نقل الإجماع، إجماع العلماء رحمهم الله تعالى على وجوب الزكاة في عروض التجارة. ونقل هذا القول عن جماعة من الصحابة، عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وآخرين، وكذلك نقله عن الفقهاء السبعة، فقهاء المدينة السبعة، وعن أئمة التابعين، وعن كذلك أئمة الأمصار، الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وكذلك نقله عن طائفة من العلماء والأئمة. وكذلك بما ذكره الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب الأموال، من أن هذا القول عليه عامة أهل العلم، وما خالف في هذا إلا نفر لا يعتد بخلافهم، أو كما قال. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضا قال في هذه المسألة بعد أن ذكر المسألة، قال: وعلى هذا القول فتوى عامة أهل العلم، ولم يخالف في هذا إلا شواذ، ولم يخالف في هذا إلا شواذ من أهل العلم. والمسألة كما ذكر أشهر من خالف فيها الإمام داود بن علي الظاهري رحمه الله، داود بن علي الظاهري خالف، والعلماء الذين خالفوه في هذه المسألة شنعوا عليه في هذه المسألة، إلا أن طائفة من العلماء انتصروا لقوله، وفصلوا القول في هذه المسألة. والله أعلى وأعلم أن يقال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام»، الحديث. فالأبرأ للذمة، والله أعلى وأعلم، والأحوط لدين المرء، وحفاظا على إيمانه من النقصان، أن يؤدي الذي عليه من الزكاة، وليعلم علم يقين أنه متى أخرجها، أخرج ذلك طيبة بها نفسه، بأن الله جل وعلا سيخلف عليه بخير هو خير مما أخرج. وليعلم أيضا أن المال الذي يخرج في الصدقة لا يكون سببا لنقص الصدقة أو لنقص المال، بل يكون سببا لنمائه، قال الله جل وعلا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة»، والأدلة في هذا كثيرة، في الحث على إخراج المال، ولا سيما إذا كان الإنسان طيبة به نفسه. فالحاصل كما سمعتم أن هذا هو الأحوط، ولا سيما كما سمعتم أن العلماء أئمة الإسلام على هذا القول، وعلى هذه الفتوى. وكما ذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى وغيره، قال: والحجة مع هؤلاء الذين هم أساطين الإسلام، وحفظة هذه الملة، أي أنهم على هذه الفتوى. أهل الفتوى من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهير، وبعدهم من التابعين المشاهير، وبعدهم وبعدهم كلهم على هذا القول، فهو كما سمعتم الأحوط والأبرأ للذمة، والله أعلى وأعلم. قالوا: ولا شك أن عروض التجارة مال، وشروط وجوب الزكاة فيه واحد، أن يملكها بفعله، كالشراء، وقبول الهدية، فلا يدخل في ذلك الإرث ونحوه، مما يدخله قهرا، وهذا الشرط كما ذكر، إلا أن الفقهاء رحمهم الله، أو بعض الفقهاء مما ينبه على هذه المسألة. وهذه المسألة مما وقع فيها الخلاف أيضا، وهي يعني هل العبرة بالمال الذي هو معد للتجارة، أن يكون من ابتدائه معد للتجارة، بمعنى أنه لو دخل عليه من غير تجارة، ثم اتجر به، لا يكون من عروض التجارة، أم لا؟ منهم من قال هذا، ومنهم من قال هذا. والصحيح كما نبى على ذلك بعض المحققين من أهل العلم، أن المال الموروث الأصل فيه أنه ليس في زكاة، الأصل أنه ليس في زكاة، لكن إذا تملكه، فنوى بعد التملك أن يخرج أو أن يعمل، وأن يتاجر به، يعني رجل الورثة مثلا مليون يمني، الأصل أنه ليس عليه زكاة قبل دوران الحول. إذا دار عليه الحول، سيكون عليه الزكاة باعتبار ماذا؟ باعتبار أنه مال قد بلغ النصاب، لا باعتبار أنه عروض تجارة، لكن هذا الرجل مثلا بعد أن دخل عليه هذا المليون في الشهر الأول، في الشهر الثاني، قال: سأفتح تجارة، وعملي تجارة، نوى به أن يتجر به، صار يشتري ويبيع به. فبمجرد هذه النية، بمجرد هذه النية يصير هذا المال من عروض التجارة، وتحسب من هذه المدة مدة الحول من وقت النية، وعلى هذا القول الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإسحاق من الأئمة رحمهم الله تعالى، أنه متى نوى بالمال أن يكون مالا يتجر به، فباعتبار تلك النية. ومن الفقهاء قالوا: بل يكون باعتبار أول بيع وشراء، باعتبار أول بيع وشراء، لكن القول الأول هو الأقرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات»، وقد حصلت النية من ذلك الإنسان بالاتجار أو للاتجار بذلك المال. الثاني: قالوا: أن يكون مالكا لها بنية التجارة، أي من شرط عروض التجارة أن يكون مالكا لها بهذه النية، أي منه، لا بد من عروض التجارة حتى يكون فيها الزكاة، أن ينوي الإنسان فيها أن تكون للتجارة. ما معنى أن ينوي؟ هل معنى أن يقول: نويت أن أجعلها للتجارة؟ الجواب: لا، بل بمجرد أن ينوي بقلبه أن هذا المال مرصود للتجارة، لأجل أن أبيع وأشتري مثلا، يشتري، يقول: سأكون تاجر في السيارات، سأشتري السيارة اليوم بمليون، غدا بمليون ومئة، أخذها، اشترى سيارة أخرى بمليون ومئة، جاءه آخر، فاشترى منهم بمليون ومئة وخمسين، وهكذا يشتري ويبيع. أو في العقارات، يشتري أراضي أو بيوت، يشتريها اليوم، ويبيعها بعد يوم، بعد يومين، بعد شهر، بعد سنة، فمتى نوى هذا الإنسان هذه النية، وعزمها على المال بأن يكون للتجارة، وبدأ بالعمل، يكون كذلك هذا المال مالا تجاريا، ويكون من عروض التجارة، ويكون فيه الزكاة، باعتبار النية، باعتبار دخوله في ذلك العمل، باعتبار النية التي بها نوى أن يتجر بذلك المال. الثالث: قالوا: أن تبلغ قيمتها نصابا، بالإضافة إلى الشروط الخمسة السابقة في أول الزكاة، أيضا من الشروط الذي ذكرها بعض الفقهاء، أنه يشترط في عروض التجارة حتى تخرج منها الزكاة، أن تبلغ النصاب. قد يقول قائل: وما هو نصابها؟ الجواب: نصابها نصاب النقدين، نصابها نصاب النقدين، الذهب والفضة. قد يقول قائل أيضا: فالذهب والفضة متفاوتان باعتبار القيمة، فبأيهما يخرج ويعطى؟ فالجواب: أن الزكاة فيها يكون باعتبار الأحظ للفقراء، الأحظ للفقراء. والأحظ للفقراء في أيامنا أن تقوم بماذا؟ أن تقوم بالفضة، ومعنى هذا أن إنسان إذا كان عنده مال للتجارة يبلغ ستين ألفا فما فوق، ودار عليه الحول، فإن فيه الزكاة. مثلا إنسان عنده محل صغير، يقول: ما عندي محل إلا صغير، قيمته كامل مئة ألف ريال، هل عليها زكاة؟ نقول: نعم، إذا دار عليها الحول، فإن عليها الزكاة؛ لأنها عروض تجارة، ودار عليها الحول، وقد بلغت النصاب؛ لأن المعتبر بالنصاب هو الأحظ للفقراء، وهو كما سمعتم يقدر بنصاب الفضة في هذه الأيام، وهو خمسمائة وخمسة وتسعون جراما. والجرام تقريبا في هذه الأيام بمئة ريال يمني، يعني خمسمائة وخمسة وتسعون جرام تقريبا ستون ألفا، تقريبا ستون ألفا يمني، فمن كان عنده كذلك، فعليه في ذلك الزكاة على قول جمهور الفقهاء. قالوا: أن تبلغ قيمتها النصابا، بالإضافة إلى الشروط الخمسة السابقة في أول الزكاة، أي أن يكون مسلما، عاقلا، مالكا، ملكا تاما، إلى غير ذلك من الشروط التي تقدمت معنا. قالوا: فإذا حال عليها الحول، قومت بأحد النقدين، الذهب أو الفضة، فإذا بلغت القيمة نصابا، وجب فيها ربع العشر. قالوا: والاعتبار في التقويم لما اشتريت به العروض؛ لأن قيمتها تختلف ارتفاعا ونزولا، وإنما العبرة بقيمتها وقت تمام الحول. وهذا كذلك مسألة أخرى، وهي قد يقول قائل: أنا أشتري السلعة قبل عام بألف ريال، واليوم قيمتها إذا اشتريتها ألف ومئة، فما هو المعتبر؟ قيمتها يوم البيع، أو يوم الشراء، أو يوم الزكاة، يوم إخراج الزكاة؟ الجواب: أن العبرة بإخراجها بقيمتها يوم الزكاة، يوم إخراج الزكاة. في يوم الزكاة مثلا جاء اليوم في خمسة عشر رمضان، كم العلبة الحليب؟ العلبة الحليب تباع اليوم مثلا بثلاثة آلاف ريال، يقول: أنا اشتريتها في مثلا شعبان ب2800، نقول: لكن اليوم قيمتها كذا إذا اشتريتها، يقول: في ثلاثة آلاف، نقول: إذن العبرة بماذا؟ بقيمتها وقت إخراج الزكاة. والعكس: اشتراها بثلاثة آلاف، جاء في وقت الزكاة، وهي تباع ب2800، عكس، هل يخرج من القيمة الأولى الغالية، أم يخرج من القيمة الأخرى الناقصة؟ نقول: العبرة بالقيمة وقت إخراج الزكاة. ولنتبه لأمرها هنا، وهو أن العبرة بالقيمة لا بالثمن، والفرق بين القيمة والثمن، أن الثمن هو ثمن الشيء، وقد يكون مماثلا لقيمته، وقد يكون أعلى، وقد يكون أدنى. يعني إنسان مثلا قيمة العلبة الحليب مثلا قيمتها، والمراد بالقيمة هي قيمتها في السوق، المراد بالقيمة قيمتها في السوق، الإنسان إذا باعها مثلا قيمتها ثلاثة آلاف، باعها بثلاثة آلاف ومئة، فيقال: قيمتها ثلاثة آلاف، وثمنها ثلاثة آلاف ومئة. فالزكاة في القيمة أو في الثمن؟ هيا الزكاة تكون من القيمة، ما مع القيمة؟ أي قيمتها في السوق، قيمتها في ماذا؟ في السوق، إذن ننتبه لهذا الأمر، فالعبرة بإخراج زكاة العروض كما سمعتم الشروط المذكورة، إلى جانب أن يكون التقويم لتلك السلع بقيمتها يوم الزكاة، بقيمتها يوم الزكاة. يعني إنسان كما يقول: يحسب ما عنده مثلا، إنسان عنده دكان، يحسب السلع، يخرج السلع، هذه بألف، هذه بألف، خمسمائة، وهذه، يسجل كل شيء. وكما قال علماء: قالوا: ويجب عليه التحري غاية التحري، ويحتاط لدينه، ويحتاط لدينه ما استطاع، إذا الشك يعني في سلعه، هل بذلك أو كذا، يحتاط لدينه؛ لأنه أبرأ للذمة، أبرأ للذمة، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.