الدرس في كتاب الزكاة 2، ألقاها
تجب الزكاة في خمسة أجناس من الأموال وهي: بهيمة الأنعام، النقدان (الذهب والفضة) وما يقوم مقامهما من العملات الورقية. تشمل الأموال التي تجب فيها الزكاة أيضًا عروض التجارة والحبوب والثمار والمعادن والركاز.
استدل العلماء على وجوب الزكاة في الأموال بأحاديث نبوية وآيات قرآنية، مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في بهيمة الأنعام وقوله تعالى في النقدان. كما استدلوا بأدلة من القرآن والسنة النبوية على وجوب الزكاة في عروض التجارة والحبوب والثمار والمعادن والركاز.
تطرق المقطع إلى شروط وجوب الزكاة، مثل الإسلام والحرية وملك النصاب وكون المال فاضلًا عن الحاجات الضرورية ودوران الحول على المال. لا يشترط الحول لإخراج زكاة الزروع والثمار والمعادن والركاز، حيث يجب إخراج حق الله يوم الحصاد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا مباركًا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض المسائل المتعلقة بكتاب الزكاة من حيث التعريف، وحكم الزكاة، وحكم من أنكرها، وحكم كذلك من منعها. المسألة الخامسة من المسائل المتعلقة بكتاب الزكاة، من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، قالوا: في الأموال التي تجب فيها الزكاة، أي ما هي الأموال التي أوجب الله جل وعلا فيها الزكاة؟ هل الزكاة تكون في جميع الأموال؟ أم أنها في أموال مخصوصة؟ والجواب أنها في أموال مخصوصة، سيأتي بيانها بإذن الله جل وعلا. قالوا: تجب الزكاة في خمسة أجناس من الأموال، وهي: واحد، بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطأه بأضلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس». والحديث كما تقدم رواه مسلم، والشاهد منه: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها»، فهي من أصناف الأموال التي يجب فيها الزكاة. قالوا: الثاني، أي من أصناف ومن أجناس الأموال التي تجب فيها الزكاة، النقدان، وهما الذهب والفضة. قالوا: كذلك ما يقوم مقامهما من العملات الورقية المتداولة اليوم، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وهذه الآية كما ترون نص واضح في الذهب والفضة. وألحق العلماء رحمهم الله تعالى بالذهب والفضة العملات الورقية، وهي التي يتعامل بها الناس اليوم عوضًا عن الذهب والفضة، فكذلك يشملها الحكم لهذا المعنى؛ لأنها في معنى الذهب والفضة باعتبار تعامل الناس بها. قالوا: الثالث، عروض التجارة، وهي كل ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال أو قالوا: فقد ذكر عامة أهل العلم أن المراد بهذه الآية زكاة عروض التجارة، وسيأتي بإذن الله جل وعلا الكلام على هذه المسائل في أبوابها المختصة بها. قالوا: الرابع، الحبوب والثمار، الحبوب هي كل حب مدخر مقتات من شعير وقمح وغيرهما. قالوا: الثمار هي التمر والزبيب، لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، كما في البخاري وغيره من حديث ابن عمر. قالوا: الخامس، المعادن والركاز، المعادن هي كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غير وضع واضع، مما له قيمة كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك، يعني كذلك البترول في هذه الأيام والغاز ونحو ذلك، هذه كلها من المعادن. قالوا: والركاز هو ما يوجد في الأرض من دفائن الجاهلية، ومعنى هذا أنه ما يوجد من الآثار كنز يكون مدفونًا، لكن من دفائن الجاهلية، فخرج ما كان مدفونًا من دفائن أهل الإسلام. قالوا: ودليل وجوب الزكاة في المعادن والركاز عموم قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال الإمام القرطبي في تفسيره: يعني النبات والمعادن والركاز. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «وفي الركاز الخمس»، والحديث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. المسألة السادسة في الحكمة من إيجاب الزكاة وعلى من تجب. قالوا: شروط وجوبها على من تجب. أي شروط وجوبها. أولًا: الحكمة في إيجاب الزكاة، قالوا: شرعة الزكاة لحكم سامية وأهداف نبيلة لا تحصى كثرة، منها: واحد، تطهير المال وتنميته وإحلال البركة فيه، وذهاب شره ووبائه، ووقايته من الآفات والفساد. قالوا: الثاني، تطهير المزكي من الشح والبخل وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدريبه على البذل والإنفاق في سبيل الله. قالوا: الثالث، مواساة الفقير وسد حاجة المعوزين والبائسين والمحرومين. قالوا: الرابع، تحقيق التكافل والتعاون والمحبة بين أفراد المجتمع. قالوا: الخامس، أن في أدائها شكرًا لله تعالى على ما أسبغ على المسلم من نعمة المال، وطاعة لله سبحانه في تنفيذ أمره. قالوا: السادس، أنها تدل على صدق إيمان مزكي؛ لأن المال المحبوب لا يخرج إلا لمحبوب أكثر محبة، ولهذا سميت صدقة لصدق طلب صاحبها لمحبة الله ورضاه. قالوا: السابع، أنها سبب لرضى الرب ونزول الخيرات وتكفير الخطايا وغيرها. قالوا: على من تجب الزكاة؟ أي شروط وجوبها. قالوا: تجب الزكاة على من توافرت فيه الشروط الآتية: واحد، الإسلام، فلا تجب الزكاة على الكافر؛ لأنها عبادة مالية يتقرب بها المسلم إلى الله، والكافر لا تقبل منه العبادة حتى يدخل في الإسلام. قالوا: الثاني، الحرية، فلا تجب الزكاة على العبد والمكاتب؛ لأن العبد لا يملك شيئًا، والمكاتب ملكه ضعيف. قالوا: الثالث، ملك النصاب ملكًا تامًا مستقرًا. قالوا: ومعنى كونه مستقرًا أي أنه ليس بعرضة للتلف. قالوا: الرابع، أن يكون فاضلًا عن الحاجات الضرورية التي لا غنى لمرء عنها كالمطعم والملبس والمسكن. قالوا: الخامس، دوران الحول على المال، وذلك بأن يمر على النصاب في حوزة مالكه اثنا عشر شهرًا قمريًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول». قالوا: وهذا الشرط خاص ببهيمة الأنعام والنقدين وعروض التجارة. أما الزروع والثمار والمعادن والركاز فلا يشترط لها الحول، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.