كتاب الزكاة 1

الدرس في كتاب الزكاة 1، ألقاها

تعريف الزكاة وأهميتها

الزكاة تعني النماء والزيادة والطهر لغة، وهي حق يجب في المال لطائفة مخصوصة شرعًا. فرض الله الزكاة لزيادة المال وبركته وطهارته.

حكم الزكاة وأثر إنكارها

الزكاة ركن من أركان الإسلام، ومن أنكر وجوبها بعد العلم بها يعتبر كافرًا. من أنكرها جهلًا قد يعذر، بينما من أنكرها وهو مسلم ناشئ بين أهل العلم يعتبر مرتدًا.

عقوبة مانع الزكاة

من منع الزكاة بخلًا يعتبر آثمًا، ويؤخذ منه الزكاة بالقوة وقد يعزر. إذا امتنع بقوة قد يقاتل حتى يؤدي الزكاة، وتطبيق هذه العقوبة يعود إلى السلطة الحاكمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فكما ذكرنا في الدرس الماضي بأننا بإذن الله جل وعلا نقرأ في هذا الوقت، بعد أن فرغنا من كتاب الصيام، نقرأ في كتاب الزكاة. وذلك لكثرة سؤال السائلين في هذه الأيام، أي في أيام رمضان، عن أحكام الزكاة وما يجب عليهم في أموالهم. مع أننا ننبه، وقد نبّهنا كذلك من قبل، على أن وقت إخراج الزكاة ليس هو محصورًا ولا مقصورًا على شهر رمضان، ولكن العبرة في إخراج الزكاة بأن يكون ذلك المال المزكى أو الذي يجب فيه الزكاة من الأموال التي يجب فيها الزكاة شرعًا. والأمر الثالث أن يكون ذلك المال قد بلغ النصاب، والأمر الثالث أن يحول عليه الحول، أي في الأموال الزكوية التي يشترط فيها دوران الحول. والحول الذي هو العام قد يدوره على مال الإنسان في شهر رجب أو في شهر شعبان أو في شهر رمضان أو في شهر شوال أو في أي شهر من الشهور. فمتى دار الحول فإنه يجب على المسلم أن يخرج الزكاة، ولا يؤخرها إلى شهر رمضان. هذا تنبيه، وسيأتي بإذن الله جل وعلا الكلام على ما تيسر من أحكام الزكاة في هذا الكتاب بإذن الله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. قالوا: ثالثًا كتاب الزكاة، ويشتمل على ستة أبواب. أي كتاب الزكاة في كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة يشتمل على ستة أبواب: الباب الأول في مقدمات الزكاة، الباب الثاني زكاة الذهب والفضة، الباب الثالث زكاة الخارج من الأرض، الباب الرابع زكاة بهيمة الأنعام، الباب الخامس زكاة الفطر، الباب السادس أهل الزكاة. وسيأتي الكلام بإذن الله جل وعلا على هذه الأبواب، ونعلق بما يسر الله جل وعلا من التعليقات المختصرة الملائمة لهذا المقام عند كل باب من هذه الأبواب بإذن الله جل وعلا. قالوا: الباب الأول في مقدمات الزكاة، وفيه مسائل. المسألة الأولى في تعريف الزكاة. وقبل هذا الباب، كما مر معنا مرارًا، يطلق على المدخل، والمدخل قد يكون حسيًا وقد يكون معنويًا. والمدخل هاهنا معنويًا، فمعناه مدخل للشروع في مقدمات الزكاة. والمقدمة مقدمة الشيء، ويقال: مقدمة الشيء هو ما يكون أمامها، ما يكون أمامها ومنوها بها وعليها. قالوا: وفيه مسائل، المسألة الأولى في تعريف الزكاة. الزكاة في اللغة النماء والزيادة. وبعض أهل العلم كذلك يزيد معنا ثالثًا فيقول: والطهارة. أي نماء وزيادة والنماء بمعنى زيادة وطهارة، لقول الله جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فهي فيه في الآية معنى من معاني النماء والتطهير. تطهرهم وتزكيهم بها، أي تزكو أنفس المتصدقين من أموالهم بتلك الزكوات. فإذا الزكاة في اللغة يدور على النماء والزيادة وعلى الطهر. وإذا علم هذا، إذا علم هذا المعنى اللغوي، وله علاقة كذلك بالمعنى الشرعي، كان في هذا المعنى إشارة ولفته لنا جميعًا إلى معنى عظيم من معاني حكمة الله جل وعلا في فرض الزكاة. إذ أن الله جل وعلا لما فرض الزكاة على عباده لم يفرضها عليهم لأجل أن يقل مال أولئك العباد، ولا أن يحصل فيه النقص لا. وإنما أمر الله جل وعلا بالزكاة لأجل أن ينمي ذلك المال ويحصل لذلك المال الزيادة والبركة من الله رب العالمين جل وعلا. وأيضًا يحصل لذلك المال ولصاحب المال يحصل له ولماله طهر. وهذا معنى عظيم، وهذا كذلك معنى من المعاني العظيمة. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «ما نقص مال من صدقة أبدًا». الصدقة لا تنقص المال بل تنميه وتطهره. فمن أسباب كثرة المال وبركة المال وزيادة المال الصدقة. ويدل على هذا المعنى أدلة كثيرة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الله جل وعلا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، يربي الصدقات يكثرها وينميها سبحانه وتعالى. وأيضًا جاءت السنة المطهرة بالحث على الصدقات، سواء كانت الواجبة أو المستحبة. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أنه ما من يوم إلا وينزل ملكان، فيقول أحدهما: «اللهم آتي منفقًا خلفًا»، «اللهم آتي منفقًا خلفًا»، و«آتي ممسكًا تلفًا». إذن من أسباب النماء والكثرة في المال الصدقة، ومن أسباب تلف المال واضمحلاله أو قلته الإمساك وعدم النفقة. فإذا كما سمعتم في هذا الفات، في هذا لفته وإشارة إلى إحدى الحكم العظيمة الجليلة التي لأجلها فرض الله جل وعلا الزكاة، التي لأجلها فرض الله جل وعلا الزكاة. قال: وشرعًا عبارة عن حق يجب في المال. عبارة عن حق يجب في المال الذي بلغ نصابًا معينًا بشروط مخصوصة لطائفة مخصوصة، وهي طهرة للعبد وتزكية لنفسه. قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. قالوا: وهي سبب من أسباب إشاعة الألفة والمحبة والتكافل بين أفراد المجتمع المسلم. إذن المعنى الشرعي كما هو في الأغلب الأكثر له علاقة بالمعنى اللغوي، إلا أنه يقيد ما أطلق ما أطلقه أو ما أطلق في اللغة، أو يخصص ما جاء عمومه في اللغة. وهذا من هذا الباب، فالزكاة شرعًا عبارة عن حق يجب في المال بلغ نصابًا. حق يجب في المال، وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا ما هي الأموال التي يجب فيها الزكاة، وما هو مقدارها، وما هو نصابها، وما هو مقدار المخرج منها، وبأي شرط يكون، وما هي الشروط التي تجب بها إخراج الزكاة، وما شابه ذلك بإذن الله جل وعلا. فإذا هو عبارة عن حق، أي حق جعله الله جل وعلا على العبد يجب في ماله يجب في مال العبد، ولكن ليس في أي مال، بل في مال مخصوص على صفة مخصوصة لجهة مخصوصة في زمن مخصوص. كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا تفصيل ذلك وبيانه باختصار بإذن الله جل وعلا عند الكلام على شروط الزكاة، فيكون الكلام عند ذلك المكان بإذن الله جل وعلا. وكما ترون أنهم قالوا: وهي الطهرة للعبد. إذن الزكاة من حيث المعنى الشرعي لها علاقة بالمعنى اللغوي باعتبار أنها الطهرة للعبد، وكذلك هي نماء هي نماء للعبد، أي ينمي به ماله بإذن الله جل وعلا، لأن البركة من الله جل وعلا، ومن أسباب البركة النفقة. ومن أسباب البركة النفقة والصدقة وإخراج المال في أوجه الخير. قالوا: وهي سبب من أسباب إشاعة الألفة، أي بين المجتمع المسلم، والمحبة والتكافل بين أفراد المجتمع المسلم. التكافل الأغنياء يكفلون الفقراء ويعينون الفقراء، فيكون فيه معنى من معاني التكافل. وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حينما بعث معاذًا رضي الله عنه وأرضاه إلى اليمن، قال: «وأخبرهم بأن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فيكون فيه هذا المعنى من معاني التكافل الاجتماعي بالزكاة التي فرضها الله جل وعلا على عباده. إذن هذه كذلك من الحكم التي لأجلها فرض الله جل وعلا الزكاة. قالوا: المسألة الثانية حكم الزكاة ودليل ذلك. قالوا: الزكاة فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركانه الخمسة، وهي أهم أركانه بعد الصلاة. لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. وشاهد من الآية الأولى قال الله جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، آتوا فعل أمر، والأصل في الأمر أنه يقضي الوجوب. وكذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، خذ من أموالهم صدقة لماذا؟ ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ صدقة تطهرهم، فيسبب من أسباب الطهرة، وكذلك ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ تزكيهم بها. قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وشاهد منه أن الزكاة أحد أركان الإسلام العظام. قالوا: وقوله صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: «أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». كان في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال: وقد أجمع المسلمون في جميع الأمصار على وجوبها، واتفق الصحابة على قتال مانعيها. فثبت بذلك فريضة الزكاة بالكتاب والسنة والإجماع. وهو كما هو ظاهر، أي وجوب الزكاة من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة. فكل مسلم يعلم وجوب الزكاة، إلا أن يكون إنسانًا حديث عهد بإسلام، أو كان في بادية بعيدة. فهذا يعلم كما سيأتي معنا بإذن الله. قالوا: المسألة الثالثة حكم من أنكرها، أي من أنكر وجوب الزكاة. قالوا: من أنكر وجوب الزكاة جهلًا بها، أنكره لكن عن جهل. قالوا: وكان ممن يجهل مثله ذلك، إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لكونه نشأ ببادية بعيدة عن الأمصار. عرف وجوبها، ولم يحكم بكفره؛ لأنه معذور. وهذا قد يتصور، بل قد يكون موجودًا واقعًا. أن بعض الناس قد يجهل فرض الزكاة عليه، وأن في ماله زكاة. وذلك كما ذكر: إما لأنه حديث عهد بإسلام، وإما لأنه ببادية بعيدة عن أهل الإسلام، أو قل عن العلم والتعليم. فيكون بسبب جهله ينكر أشياء هي معلومة في دين الله جل وعلا بالضرورة. وقد وجد من الناس من نعرفهم في بلدنا هذا، في بعض المحافظات، بعض الناس لم يعلم فريضة الله جل وعلا عليه بصيام شهر رمضان، يعني: شهر رمضان، وهم مفطرون. فلما جاء إليهم بعض الدعاة يدعونهم إلى الله جل وعلا، تعجبوا. يعني: نزلوا عندهم في الظهر، دعوة، فالجماعة بدوا أهلًا وسهلًا، وقربوا إليهم الشاي والماء وما شابه ذلك في رمضان. قال لهم الجماعة: «يا جماعة رمضان كيف تقربون هذا؟» قالوا: «إيش رمضان هذا؟» جماعة موجود، هذا موجود. والمنطقة ذهبنا إليها ونعرفها، وأخبرني بذلك لإخوان، اتفق. يعني: ذهبنا إليها قبل نحو السابعة عشر سنة أو ثمانية عشر سنة. قالوا: «السنة هذه صاموا الجماعة هذه القرية أو هذه القبيلة في هذه السنة صاموا». بدوا يصومون. فالشاهد أن مثل هذه الأمور، يعني: قد يقول إنسان: كيف إنسان مسلم في بلاد الإسلام، فضلًا عن غيرها من بلاد كفر، ولا يعلم مثل هذه الأحكام الواضحة الشهيرة؟ لا يعلم الصوم، لا يعلم وجوب الصوم في رمضان، أو لا يعلم وجوب الزكاة؟ نقول: نعم، قد وجد هذا. لا نقول: أنه قد يوجد لا، قد وجد هذا الأمر، وجد هذا الأمر. فإذا من كان هذا حاله يعلم، من كان هذا حاله يعلم. فإن أصر على الإنكار بعد العلم كفر، أما قبل العلم فلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال الله جل وعلا: كما سمعتم، من بعد ما تبين. ففيه أن الإنسان قبل ما يتبين له الهدى، فهذا يعلم يكون جاهلًا يكون جاهلًا معذورًا بجهله. قالوا: وإن كان منكرها مسلمًا ناشئًا ببلاد الإسلام، وبين أهل العلم. بين أهل العلم ببلاد الإسلام، ليس فقط في بلاد الإسلام لا، هناك قيد آخر وشرط آخر، وهو بين أهل العلم. قالوا: فهو مرتد، تجري عليه أحكام الردة، ويستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على من هذا حاله. فإن جحدها لا يكون إلا لتكذيبه، لا يكون إلا لتكذيبه الكتاب والسنة، وكفره بهما. وكفره بهما. وهذا كذلك من المسائل المشهورة، أي التي يذكرها العلماء في مسائل العذر بالجهل. إذا كان في بلدة الإسلام فيها ظاهر والعلم فيها ظاهر، والعلماء متوافرون، والخير متوافر، فهل في مثل هذه البلدة أو في مثل هذا المكان يتصور وجود إنسان يجهل وجوب الزكاة، أو وجوب الصوم، أو وجوب الصلاة؟ الصلاة قد يكون أمر فيها واضح، والصوم كذلك قد يكون أمر فيها واضح؛ لأنه في شهر، يظهر، يسأل، سيجد الناس على حال غير الحال. لكن الزكاة قد تخفى، قد تخفى. فالحاصل إنهم الحاصل يقال بأنه: لو وجد من لم يخطر على قلبه قط أنها واجبة، ولم يعلم قط أنها واجبة، لا من قريب ولا من بعيد. فمثل هؤلاء، والله أعلى وأعلم، قد يكونون كذلك داخلين في أحكام أهل العذر من الجهلة. وإن كانوا في بلدة علم؛ لأن الناس يتفاوتون في طلب العلم وطلب الخير. والله أعلى وأعلم. قالوا: فلا تكاد تخفى على من هذا حاله. فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه. نقول: نعم، إن جحدها لتكذيبه، فيكون كافرًا. أما إذا جحدها أو أنكرها، الصواب نقول: إن أنكرها لجهله، لجهله، ما خطر على قلبه قط أنها واجبة. وإن كان في بلد علم، نقول: فرط في العلم، في طلب العلم. ولكنه هل يكون بذلك كافرًا؟ هذا يحتاج إلى نظر. والله أعلى وأعلم. المسألة الرابعة حكم مانعها بخلًا. المسألة الرابعة حكم مانعها بخلًا، أي من منع الزكاة بخلًا لا عن إنكار، بل يقر بوجوبها، لكنه يبخل بإخراجها. رجل عنده أموال، يقول: عندي، أعلم بأنها واجبة، بأن الزكاة واجبة، لكن يبخل إما بإخراجها أو بإخراجها كلها. عليه مئة ألف، يخرج عشرة آلاف، أو لا يخرج شيئًا من ذلك، مع أنه يقر بأنها واجبة عليه. فما حكم هذا؟ قالوا: من منع أداء الزكاة بخلًا بها، مع اعتقاده بوجوبها، فهو آثم بامتناعه، ولا يخرج ذلك عن الإسلام. فهو آثم ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه لم يقم بهذا الفرض الذي هو من أركان الإسلام العظام، الزكاة. فيكون مرتكبًا لكبيرة يجب عليه التوبة إلى الله جل وعلا منها. وأيضًا هناك أحكام سيأتي الإشارة إليها. قالوا: فهو آثم من امتناعه، ولا يخرجه ذلك عن الإسلام؛ لأن الزكاة فرع من فروع الدين، فلم يكفر تاركه بمجرد تركه. لقوله صلى الله عليه وسلم عن مانع الزكاة: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». إما إلى الجنة وإما إلى النار. وهذا في حديث أبي هريرة الطويل في صحيح مسلم في أصحاب الأموال، أصحاب الذهب والفضة، وأصحاب الأنعام ممن يجب عليهم الزكاة. والحديث بطوله، وفي آخره أنه قال: يعني في آخره قال: «ثم يرى سبيله»، «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». هو مانع الزكاة، ومع هذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». استدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذا الحديث على أنه لا يكون كافرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إما إلى الجنة وإما إلى النار»، أي أنه تحت مشيئة الله جل وعلا. والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا تحت مشيئة الله، إن شاء الله أدخله الجنة برحمته وفضله، وإن شاء الله أدخله النار بعدله وبسبب ذنوبه وبسبب ذنوبه. وهذا القول هو الصحيح، وهذا القول هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء رحمهم الله. وذهب بعض أهل العلم إلى كفر تارك الزكاة بخلًا. ذهب بعض أهل العلم إلى كفر تارك الزكاة بخلًا، ولكن الصحيح أنه لا يكفر، الصحيح أنه لا يكفر. قالوا: ولو كان كافرًا لما كان له سبيل إلى الجنة. قالوا: وهذا تأخذ منه الزكاة طهرًا مع التعزير، أي من منع الزكاة تأخذ منه الزكاة بالقوة. السلطان يأخذ منه الزكاة بالقوة، ويعزر، يؤدب، إما بسجن، وإما بأخذ شيء من ماله من باب التعزير والتأديب، أو ما شابه ذلك. قالوا: فإن قاتل دونها قوتل حتى يخضع لأمر الله تعالى. أي: إن كان هذا المانع للزكاة ممتنعًا، رجل شيخ قبيلة، وقبيلته معه، منع الزكاة، وقبيلته ها هنا، الإمام يأخذها منهم طهرًا وقوة. فإن امتنع عنده قوة وقبيلة، فمثل هؤلاء يقاتلون يقاتلون حتى يعطوا الزكاة الواجبة عليهم. والدليل على هذا قالوا: لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. وقالوا: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». إذن هذه الأمور الثلاثة من أتى بها لم يقاتل، ومن أتى ببعضها دون بعض قوتل حتى يأتي بها جميعًا. ثم إن أظهر خيرًا وأخفى شرًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وحسابهم على الله». حسابهم على الله، وعلينا الظاهر، والله يتولى السرائر. قالوا: ولقول أبي بكر الصديق: «لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها». والعناق الأنثى من ولد المعز ما لم تستكمل سنة. ومعنى هذا أن من منع الزكاة أن مانع الزكاة في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، قام أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بذلك المقام العظيم الذي شكره عليه أهل الإسلام، بأن قاتل أهل الردة. وممن كان مشاركًا لهم في الصورة، ما في الحقيقة، بعدم التزامه ببعض شرائع الإسلام، مانع الزكاة، مانع الزكاة. ومانع الزكاة منهم من منعها جحودًا وإنكارًا، ومنهم من منعها بخلًا، وبعضهم منعها متأولًا، وبعضهم منعها متأولًا. وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه قاتل هذه الطوائف حتى رجعوا، كما قيل: حتى ردهم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه من الباب الذي خرجوا منه. حتى ردهم من الباب الذي خرجوا خرجوا منه، فقاتلهم أبو بكر حتى أدوا الزكاة الواجبة عليهم. قالوا: وكان معه في رأيه، أي على قتال مانعي زكاة الخلفاء الثلاثة، وسائر الصحابة. فكان ذلك إجماعًا منهم على قتال مانعي زكاة ومانعها بخلًا. يدخل تحت هذه النصوص، أي تحت هذه النصوص المذكورة، باعتبار أنه لا يكون كافرًا، وإنما يكون فاسقًا مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب. ثم هم على كما يقال لهم درجات في هذا الأمر، أو هم على طبقات في هذا الأمر. منهم المانع بخلًا دون قتال، ومنهم المانع بخلًا مع قتال. فالثاني أشد؛ لأن الثاني يقاتل لأجل أن لا يدفع الزكاة، ولا يؤدي الزكاة بخلًا. في الأول بخيل، قيل له: ادفع وإلا سنفعل، قال: خذوا، خذوا هذه الزكاة. فالكل آثم، لكن بعضهم أشد في الإثم من بعض. والحاصل من هذا أن من منع الزكاة وكان ذا منعه ذا منعه، فإنهم تؤخذ منه الزكاة بالقهر والقوة، ولو أدى ذلك إلى قتاله من قبل السلطان، من قبل السلطان. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اشتركوا في القناة.

شاركنا على