الدرس في كتاب الطلاق 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع تعريف اللعان وأدلة مشروعيته من القرآن والسنة والإجماع، ثم يفصل شروط صحته كتكليف الزوجين وقذف الزنا وتكذيب الزوجة وكونه أمام حاكم وبالصيغة الشرعية. ويختتم بآثاره المترتبة كسقوط حد القذف والرجم، ووقوع الفرقة فسخاً مؤبداً، وانتفاء نسب الولد عن الزوج.
يشرح المقطع حديث الرجل الفزاري الذي أنكر ولده لاختلاف لونه، فاستخدم النبي صلى الله عليه وسلم القياس بالإبل لبيان أن الشبه قد يرجع إلى أصول النسب، مؤكداً أن التعريض بنفي الولد ليس قذفاً. ثم ينتقل لحديث سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة مقرراً قاعدة "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
يشرح المقطع قصة سودة بنت زمعة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لها بالاحتجاب من الغلام لشبهه بعتبة بن أبي وقاص، مستدلاً بقاعدة "الولد للفراش" حتى مع وجود شبهة الزنا. ويناقش أقوال العلماء في القيافة وإلحاق النسب بالأشبه، والفرق بين الفراش والقيافة في القوة، وحكم الوطء المحرم في حرمة المصاهرة.
يوضح المقطع سبب فرح النبي صلى الله عليه وسلم عندما شهد القائف مجزر المدلجي بالتشابه بين زيد بن حارثة وابنه أسامة، مما أزاح الريبة عن نسب أسامة. ويستعرض الدرس حكم العمل بالقيافة في إثبات النسب عند عدم وجود الفراش، وشروط قبول قول القائف، ورأي الأئمة الثلاثة بجوازه مقابل قول أبي حنيفة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فمر معنا في الدرس الماضي ضمن أحاديث كتاب الطلاق من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى باب اللعان. ومر معنا أن اللعان هو عبارة عن شهادات مؤكدات بأيمان من الزوجين، وأنها تكون مقرونة باللعن من قبل الزوج وبالغضب من قبل الزوجة. ومر معنا كذلك أيضاً أن الأصل في مشروعية اللعان هو آيات القرآن وأحاديث السنة، وهكذا إجماع العلماء. فأما آيات القرآن فهي ما ورد في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ أي الذي يمنعها من أن يقام عليها حد الزنا هو أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ومن السنة أحاديث الباب وهي أحاديث كثيرة، وهكذا بالنسبة للإجماع نقل إجماع العلماء في الجملة على مشروعية اللعان. وسبق معنا أن العلماء ذكروا شروطاً لصحة اللعان، فمن هذه الشروط قالوا: أن يكون بين زوجين مكلفين. أما إذا قذف الرجل امرأة ليست له زوجة بغير بيّنة وبغير شهود، وهكذا من غير إقرار منها، فإنه يقام عليه الحد، ألا وهو حد القذف. فما هو حد القذف يا أبا فواز؟ تسعين جلدة؟ طيب، زودت على الرجال أخا. نعم يا أبا عبد ربه، أبا عبد ربه، آه ثمانين، والعشر لا، إذن هي ثمانون جلدة. ثمانون جلدة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، إلا الذين تابوا الآيات. أيضاً من هذه الشروط كما سبق معنا: أن يقذف الرجل امرأته بالزنا، كأن يقول: أنت زانية، أو يا زانية، أو زنيتِ، أو تزنين، أو ينتفي من حملها، أو يتبرأ من ولدها، فكل ذلك يعتبر من الأمور التي تكون سبباً للاعان. وأما إذا قذف زوجته بغير الزنا فلا يقام بينهما لعان. أيضاً من هذه الشروط قالوا: أن تكذب المرأة الرجل، تقول: أبداً ما زنيت، أبداً ما زنيت، ويستمر تكذيبها إلى انقضاء اللعان. أما إذا أقرت واعترفت فإنه لا يكون بينهما لعان، وإنما يقام عليها حد الزنا. وما هو حد الزنا ها هنا يا أبا بلال؟ ما هو حد الزنا ها هنا؟ أنت معنا. طيب، ما هو السؤال؟ السؤال عن ماذا؟ المرأة إذا أقرت واعترفت بالزنا يقام عليها حد الزنا، فما هو الحد ها هنا؟ العقاب ما هو العقاب؟ كيف؟ طيب، أحسنت. عندك يا أبا عبد الله: الرجم حتى الموت، ترجم حتى تموت لأنها ثيب. هذا هو نعم العقاب. لكن العقاب على نوعين: قد يكون رجماً، وقد يكون جلداً. فالبكر يجلد مائة جلدة ويغرب عاماً، والثيب فإنه يرجم إلى أن يموت. أيضاً من هذه الشروط قلنا: أن يكون اللعان أمام حاكم، يعني السلطان أو نائبه، وعلى هذا نقل إجماع الفقهاء. واشترط المالكية حضور جمع من الناس، قالوا أقله أربعة. واستحبه الشافعية، استحبه الشافعية والحنابلة. وهكذا ذكروا من هذه الشروط الإسلام، هذا اشترطه الحنفية والمالكية. أما الشافعية والحنابلة فقالوا: يصح لعان غير المسلم لعموم الآية، وهكذا لأنه يمين، والأيمان تكون من غير المسلمين كما سيأتي معنا في باب القسامة إن شاء الله تعالى. وهكذا من هذه الشروط قالوا: أن يكون بالصيغة التي ورد بها الشرع، وهي أن يبدأ الرجل ثم تقوم وتقول المرأة، هكذا ورد الشرع. وهكذا اشترط بعضهم أن يكون اللعان في المسجد الجامع، قالوا: لأن الفقهاء لم يختلفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين الزوجين في المسجد. وهكذا أيضاً كما سبق معنا: اشترط المالكية في اللعان إذا كان لنفي الحمل أو الولد أن يعجل بذلك، يعني بأن لا يؤخره بعد العلم بالوضع أو العلم بالحمل، وأن لا يطأ المرأة بعد الرؤية أو العلم بالوضع أو الحمل. هكذا اشترط المالكية في ذلك، فقالوا: إذا كان يتبرأ من هذا الجنين فيجب عليه أن يلاعن عند علمه بوجود الجنين في بطن زوجته ولا يؤخر حتى تضع. وهكذا إذا كان سيتبرأ من المولود، قال: هذا الذي وضعته، قالوا: بلى، قال: إذن هذا ما يشبهني، هذا لا يشبهني، أنا أبيض هو أسود. طيب، إذن ماذا قال؟ هذا ليس ولدي، هذا ولد شخص آخر غيري. يقال: اتق الله يا فلان، هذه كلمة كبيرة، هذا قذف بالزنا. قال: قال: قال: نعم قذف بالزنا، يقال: البينة عليك. قال: ما عندي بينة. قالوا: إذن إما أن تلاعن، وإما ماذا يا أبا جعفر؟ إما أن تلاعن، وإما ماذا بعد؟ إما... إما أن تلاعن، الزوجة تقوم تشهد وتحلف أربع شهادات بالله أنك من الصادقين فيما تدعي وتقول، وأن الخامسة... وأن الخامسة والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين. قال: لا ما سأحلف وما سأشهد. نقول ماذا؟ حكمك: الحكم للزوج الذي تبرأ من هذا المولود أو هذا الجنين وليس عنده بينة ولا يريد أن يلاعن. ماذا نفعل به أو السلطان ماذا يفعل به؟ نعم: جلد. لماذا يجلده؟ نعم، ولماذا يجلده؟ هذا الجلد ماذا يعتبر؟ نعم، أحسنت: هو حد القذف. هو حد القذف. وإلا يلاعن، فإذا لم يلاعن أقيم عليه حد القذف. طيب، مر معنا كيفية اللعان وهكذا أيضاً صفته، وهكذا مر معنا بعض الأحكام المترتبة على اللعان، ومنها قالوا: سقوط حد القذف عن الزوج إذا لاعن سقط عنه حد القذف. وهكذا أيضاً إذا لعنت المرأة يسقط عنها حد الرجم لأجل جريمة الزنا. وهكذا أيضاً من هذه الأحكام المترتبة على ذلك: ثبوت الفرقة بين الزوجين، وتحريم المرأة على الرجل تحريماً مؤبداً على الصحيح من أقوال أهل العلم. وإذا لم يفرق بينهما الحاكم فهل تحصل الفرقة؟ قال الجمهور من أهل العلم: نعم تقع الفرقة بينهما ولو لم يفرق الحاكم بينهما، وهذا هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة. ومر معنا كذلك أن التفريق فسخ لعقد النكاح أم طلاق يا أبا طاهر؟ فسخ أم طلاق؟ التفريق بين الزوجين بعد الملاعنة هل هذا التفريق فسخ أم طلاق؟ فسخ. أحسنت. وعلى هذا الجمهور من أهل العلم، وعليه فتوى اللجنة الدائمة وغيرهم. أيضاً من هذه الأحكام: أنه ينتفي عنه نسب الولد، هذا الولد فلا يلحقه نسبه، وإنما يلحق بالزوجة، يلحق بالزوجة. وإذا كان اللعان لنفي الولد فيذكر هذا عند الملاعنة، كأن يقول مثلاً: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، وما هذا بولدي، هذا ليس بولدي، كما مر معنا في حديث عمر المتفق عليه. طيب، قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر. قال: فهل يكون فيها أورق؟ فهل يكون فيها أورق؟ والأورق هو الذي لونه أسود لكن ليس أسود صاف، وإنما يميل إلى الغبرة، يميل إلى الغبرة. والأورق عند العرب ليس بمحمود، ليس بمحمود، ليس من المال الذي تفتخر به وتحرص عليه، فليس بمحمود عند العرب في عمله وسيره إلى غير ذلك. قال: فهل يكون فيها أورق؟ قال: إن فيها لورق. قال: فأنّى أتاها ذلك؟ كلها حمراء، من أين أتى هذا الأورق؟ قال: فأنّى أتاها ذلك؟ قال: أي الرجل من بني فزارة: عسى أن يكون نزعه عرق. نزعه عرق، والعرق ها هنا بكسر العين وسكون الراء، والمقصود به الأصل من النسب، الأصل من النسب، قد يكون أب أو أم أو جد أو جدة، وهكذا. وشبه ها هنا بعرق الشجرة، بعرق الشجرة. وقوله: نزعه عرق، النزع أي الجذب، يعني جذبه عرق، والمراد ها هنا: أي لعله جذبه أصل من النسب فأشبه المجذوب الجاذب، قد يكون هذا المولود شبه جدته، جده، إلى غير ذلك في اللون، وهكذا أيضاً في الخلق. ولهذا ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم صدق في ذلك، لأنهم قالوا: قدم عجائز من بني عجل، فأخبرنا أنه كان للمرأة، أي التي ولدت، جد جدة سوداء، لها جد سوداء، فهذا المولود قد يكون ماذا؟ قد يكون ماذا؟ أشبه هذه الجدة. قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وهذا أي المولود عسى أن يكون نزعه عرق. وهذا الحديث يتعلق بالتعريض وليس التصريح. يا إخوان، هنا الرجل لم يصرح بالانتفاء من هذا الولد وإنما يعرض، فالتعريض بنفي الولد. ويخبر أبو هريرة أن هذا الرجل من بني فزارة، وفزارة هم قبيلة من قبائل غطفان، وهي من القبائل العدنانية وليست القحطانية. وجاء في بعض روايات الحديث أن الرجل من بني فزارة اسمه ضمضم بن قتادة رضي الله تعالى عنه، أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن امرأته ولدت غلاماً لكنه أسود، والرجل لونه أبيض، يعني كأنه يقول: من أين أتى هذا؟ من أين أتى هذا؟ فبيّن له النبي صلى الله عليه وسلم بضرب المثال، وهكذا بالقياس الصحيح، بيّن له عليه الصلاة والسلام أنه قد يدخل على من كان أبيض من يأتي منه وله لون يخالف لون أبيه، لون أبيه، كما سيأتي معنا في قصة أسامة بن زيد وأبوه زيد بن حارثة، زيد بن حارثة. وهذا يا إخوان فيه أن المسلم ينبغي أن يتأنى في الأمور الحساسة والأمور الخطيرة، ولا يستعجل فيها، ولا سيما فيما يتعلق بالأعراض، فيما يتعلق بالأعراض. وهكذا في أمور الأنساب يجب الاحتياط فيها وعدم التساهل في هذا الأمر. أيضاً هذا الحديث فيه إثبات للقياس، إثبات للقياس واستعماله في مواطن تناسب المقام، تناسب المقام. السؤال عن امرأة ماذا؟ أتت بولد أسود، والمرأة وزوجها كلاهما بيض، كلاهما بيض، فمن أين أتى هذا الغلام الأسود؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، وبيّن له ما يكون في الإبل: عندك إبل؟ قال: نعم. ما لونها؟ قال: حمر. قال: هل فيها أورق؟ يعني أسود يميل إلى الغبرة. قال: نعم فيها أورق. قال: طيب، من أين أتى بينما الإبل كلها حمراء؟ قال: لعل هذا نزعه عرق. قال: وهذا أيضاً ماذا؟ لعله نزعه عرق. فرضي الرجل بذلك. وهذا الحديث يا إخوان يعتبر أصلاً لقاعدة فقهية مشهورة، ألا وهي: أن اليقين لا يزول بالشك، أن اليقين لا يزول بالشك. وهذه القاعدة مرت معنا في مواضع عدة، سواء كان في الطهارة أو الصلاة أو الصيام أو غيرها، أو غيرها. وهكذا أيضاً هذا الحديث يا إخوان فيه: أن التعريض بنفي الولد ليس نفياً، ليس نفياً. وهكذا التعريض بالقذف، يأتي إلى زوجته مثلاً ويقول: ما له أسود هذا المولود؟ ما له أسود؟ منين جاء؟ يعني يعرض، يعرض بالقذف، يعرض بالقذف. فالتعريض ليس قذفاً، قال العلماء: لأنه جاء على سبيل الاستفتاء، وليس على سبيل العيان والضرورة. يا إخوان، داعٍ إلى ذكري مثل هذا والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد: يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: وهذا أخي يا رسول الله، هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته. قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه، قال: فرأى شبهاً بيناً بعتبة. فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم: قال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة. قال: فلم تر سودة قط. وهذا الحديث يتعلق بمسألة مهمة لها تعلق بباب اللعان، ألا وهي ماذا؟ لحاق النسب، النسب يلحق بمن؟ وذكرها هنا حديث أمنا أم المؤمنين أمي عبد الله عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما في قصة اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، في غلام. سعد بن أبي وقاص يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص. طيب، ما هو الدليل يا سعد على أنه ابن أخيك؟ قال: عهد إلي أنه ابنه، عهد إلي يعني أوصى إلي أنه ابنه وألحقه بنسبه، وهكذا أيضاً ماذا؟ أنه ولده. فقال أيضاً قال: انظر إلى شبهه، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنظر، أليس يشبه أخي عتبة بن أبي وقاص؟ فقال عبد بن زمعة: قال: هذا أخي، هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته. والوليدة هي الجارية الأمة المملوكة التي يطأها سيدها بملك اليمين فتأتي له بولد، يقال لها وليدة، يقال لها وليدة. قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه، قال: فرأى شبهاً بيناً، يعني واضحاً، بمن؟ بعتبة. لكن هذا الشبه لا يكفي. قال عليه الصلاة والسلام: قال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش. ومعنى الولد للفراش: أي الولد لصاحب الفراش، وصاحب الفراش هو الزوج أو السيد، الزوج بالنسبة لزوجته، أو السيد بالنسبة لإمائه التي يطأهن بملك اليمين. قال: الولد للفراش، أي تابع لصاحب الفراش ومنسوب إليه. الولد للفراش، وللعاهر الحجر. والعاهر من هو؟ العاهر: الزاني. وللعاهر، أي الزاني، الحجر، أي الخيبة، الخيبة له. وهذه عاد عند العرب أن تقول له: الحجر، ويريدون بذلك أي أنه لا حق له في الولد، لا حق له في الولد. قال: واحتجبي منه يا سودة. قال: فلم تر سودة قط. لماذا أمرها أن تحتجب منه؟ اشتخل سودة، ومن هي سودها هنا؟ بنت زمعة، ماذا تكون للنبي صلى الله عليه وسلم؟ سودة بنت زمعة ماذا تكون للنبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل لها دخل في الموضوع؟ لها دخل في الموضوع يا أبا خالد. سودة بنت زمعة ماذا تكون للنبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم يا أبا حذيفة، أدرك إخوانك أنت معهم، الله المستعان. يا أبا أسامة، سمعت السؤال؟ سمعت السؤال؟ لم تسمع. طيب، سودة بنت زمعة ماذا تكون للنبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا السؤال الأول، فما الجواب؟ أبو أسامة معكم؟ نعم يا أبا... يا أبا موسى، سودة بنت زمعة يا أبا سعيد، سودة بنت زمعة ماذا تكون للنبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم يا أبا مريم: زوجة. من متأكد؟ انظر فيما تقول. زوجة، يعني أنت متأكد من هذا؟ طيب، أحسنت. هي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وأزواجه ماذا؟ وأزواجه أمهاتهم، يعني هؤلاء أمهات لنا، و... يعني ماذا؟ لا يليق بشخص أنه لا يعرف اسم أمه. والنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة وهو في مكة، بعد وفاة خديجة تزوج بسودة بنت... بسودة بنت زمعة، وعقد على عائشة. قالوا: تزوج بكراً وثيباً، البكر عائشة، عقد ولم يدخل إلا بالمدينة، والثيب هي سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها. ولماذا قال يا أبا جعفر؟ لماذا قال: واحتجبي منه يا سودة؟ احتجبي منه، ليس بمحرم. وإذا كان محرم سيكون ماذا بالنسبة لها؟ لو قلنا محرم هو محرم، لكن أمرها بالاحتجاب لوجود الشبهة، وهو شبه هذا بعتبة بن أبي وقاص. وإلا محرم لها، كيف سيكون محرم؟ ماذا يقرب لها الشبه من جهة عتبة بن أبي وقاص؟ لكن بالنسبة لسودة، ما علاقتها بهذا الذي يختصمان لأجله؟ طيب، نعم يا بفواز: ابن أخي، ابن... لأنه ماذا؟ عبد بن زمعة أخ سودة بنت زمعة، وعبد بن زمعة يقول: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي، ولد على فراش أبي. فالمطالبة لم تأتي من الأب، أتت من الأخ، واستدل به العلماء على أن الاستحقاق لا يختص بالأب، بل يجوز أن يكون من الأخ، وهكذا من غيره من الأقارب، من غيره من الأقارب. إذن ماذا؟ هو سيكون أخ سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها. وهكذا أيضاً استدل العلماء إلى أن الولد يلحق بصاحب الفراش، لكن بشرط ماذا؟ إمكان ذلك، إمكان ذلك، كأن يكون الولد من الزوجة، من الزوجة، ومضت مدة يكون منها الولد. قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ما اسم شرحه يا أبا طاهر؟ ابن دقيق العيد، ما اسم شرحه؟ إحكام... عاد ما زال الإحكام هنا، ما زال مشتبه، لابد يميز بشيء، نسيت. طيب، أحسنت. نعم يا أبا عبد الرحمن: إحكام الأحكام، لمن؟ لابن دقيق العيد، وابن الملق؟ نعم، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام. فابن دقيق العيد يقول: والحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش، وإن طرأ عليه وطء محرم، يعني حتى لو زنى بتلك المرأة، الزوجة أو الأمة، ولو زنى بها، لكن ما دام أن لها زوج أو أن لها سيد يعتبر فراشاً، فالولد يلحق بصاحب الفراش. وأما الزاني فليس له إلا الحجر، أي إلا الخيبة، إلا الخيبة. وهكذا أيضاً هذا الحديث فيه: أن العمل بالشبه والقافة، وسيأتي معنا الكلام على القافة إن شاء الله عز وجل. إنما يعتمد عليه إذا لم يكن هناك أقوى منها، مثل ماذا؟ أقوى منها قالوا: كالفراش. الفراش أقوى من الشبه، وأقوى من القافة، وأقوى من القافة. وهكذا أيضاً ماذا قال العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة؟ قالوا: أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجته سودة بنت زمعة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع، لما رأى الشبه قوياً بينه وبين عتبة بن أبي وقاص، عتبة بن أبي وقاص. وهكذا في هذا الحديث: أن حكم الوطء المحرم كالحلال في حرمة المصاهرة، يعني على سبيل المثال: بنت الزنا تحرم على أبيها الزاني، ولو كان الوطء حراماً، ولو كان الوطء حراماً. ولهذا مما أخذ على الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، مما أخذ عليه: أنه كان يقول أن الزنا أو الوطء المحرم كالزنا، أنه لا أثر له في المحرمية، في المحرمية. ونسب إلى الإمام الشافعي أنه يقول: يجوز أن يتزوج الرجل بابنته من الزنا، بابنته من الزنا. وهذا... وهذا من الأمور التي أثيرت على الإمام الشافعي، وأخذوها من لازم قوله. فالشافعي... وهكذا أيضاً المالكية، يعني بعضهم يقولون بماذا؟ أنه لا أثر لوطء الزنا لعدم احترامه، أن هذا الوطء غير محترم، غير محترم. والصواب يا إخوان: إذا علم أن هذا الرجل هو أبو هذه البنت التي ولدت من الزنا، فلا يجوز له أن يتزوج بها، لا يجوز أن يتزوج بها، فإنها تحرم عليه. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسروراً، تبرق أسارير وجهه. فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: ألم تري أن مجزراً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض. قال: وفي لفظ: كان مجزراً قائفا. وهذا الحديث يا إخوان يتعلق بإلحاق النسب بالقيافة، إلحاق النسب بالقيافة. والقيافة... والقيافة، القيافة ماذا؟ كان العرب يتعاملون بها، يتعاملون بها، وهي اتباع الآثار والأشباه لإلحاق الأنساب. هي عبارة عن ماذا؟ اتباع الآثار والأشباه لإلحاق الأنساب. ينظر إلى الولد وينظر إلى الوالد فيقول: هذا ابن هذا، أو هذا أبو هذا، أو هذا من آل فلان، قد يكون بمجرد ماذا؟ بمجرد النظر إليهما. أيضاً القيافة استعمل في الآثار، يقول: هذه قدم فلان. طيب، كيف عرفت؟ رأيته؟ قال: لا، هذه موهبة. وهذا من الأمور التي كانت مشتهرة في العرب، حتى أنهم قالوا: علوم العرب ثلاثة، علوم العرب ثلاثة: القيافة، والعيافة، والسياقة. أما القيافة فهي ما مضى، هي عبارة عن اتباع الآثار، وهكذا الأشباه لإلحاق الأنساب. وأما العيافة، قالوا: فهي زجر الطير، هي زجر الطير والتفاؤل بها، وهذا كما سبق معنا من الأمور المنهي عنها، القيافة أو ماذا؟ العيافة. وأما السياقة، قالوا: فهي شم التراب، شم التراب، فيعلم بذلك الاستقامة على الطريق أو الخروج منه، يشم التراب، فمن خلال هذا يعرف هل هو يمشي في طريق صحيح أم أنه قد انحرف عن الجادة وعن الطريق الصحيح. تعرفون العرب كانوا يمشون في صحاري ورمال وفيافي وقفار، فكانوا يستخدمون السياقة. طيب، هنا عائشة رضي الله تعالى عنها تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها مسروراً، يعني فرحاً. قالت: مبينة علامة الفرح البادية والظاهرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: تبرق، ومعنى تبرق: أي تلمع وتضيء وتنير ماذا؟ من الفرح والسرور، أسارير وجهه. وقولها: أسارير، جمع سرر، والأسرار جمع سرر، سرر. وبعضهم يقول: سرر، بيئة ضم، وأصله: الخط الذي يكون على الكف، على باطن الكف، لكن المراد به ها هنا: هي هذه الخطوط التي تكون في الجبهة وفي الوجه. هنا في الحديث تريد بأسارير وجهه: يعني هذه الخطوط التي تكون على الجبهة وفي الوجه، فماذا؟ تبرق وتلمع وتضيء أسارير وجهه، أي من شدة الفرح. طيب، لماذا فرح النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فقال: ألم تري أن مجزراً... ومجزراً هذا هو ابن الأعور بن جعدة المدلجي الكناني، وكانوا يعني ذكروا عنه أنه كان يجيز نواصي أسار الحرب، وهو من بني مدلج، وبني مدلج هم قبيلة من قبائل العرب عرفت بالقيافة، عرفت وشهرت بالقيافة. فقال لها: ألم تري أن مجزراً نظر آنفاً، نظر آنفاً، وآنفاً هذه يؤتى بها للزمن القريب من القول، يقول مثلاً: أكلت الطعام آنفاً، يعني قبل زمن قريب من الذي فعل ذلك، أنا فعلت ذلك آنفاً، يعني مستقبل أو في الماضي يا أبا فواز؟ آنفاً: أي في الماضي القريب من زمن التحدث. قال: ألم تري أن مجزراً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد. زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل أن خديجة لما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم أعطته زيدا، ثم النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيدا، وتبنى زيدا، أي جعله ابناً له، وكان يقال له: زيد بن محمد، حتى نزل تحريم التبني: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وهكذا: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، أو ماذا؟ قوله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾. فأصبح بعد ذلك، بعد تحريم التبني، ينسب إلى أبيه حارثة، وهو كلبي، أي من بني كلب: زيد بن حارثة الكلبي. حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي كان يحبه حباً جماً. وهكذا كان يحب أسامة بن زيد ابنه، ولهذا يقال لأسامة: حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن حبه. مر معنا قريباً يا إخوان أن أسامة بن زيد من أمه، من أمه، نعم: أم أيمن، بركة الحبشية، بركة الحبشية كانت متزوجة برجل من الأحباش يقال له عبيد، فولدت له أيمن، ثم بعد عبيد، بعدما أم مات، تزوجت بمن؟ بزيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد. أين المشكلة يا إخوان؟ المشكلة: أسامة بن زيد كان أبيض اللون، عفواً: زيد بن حارثة كان أبيض اللون، بينما ولده أسامة كان أسوداً، كان أسوداً. ولأجل هذا الاختلاف في اللون كان بعض الناس يرتابون فيهما، ويتكلمون في صحة نسب أسامة من زيد بن حارثة. وهذا يا إخوان كان يؤذي نبينا صلى الله عليه وسلم، كان يعذي نبينا صلى الله عليه وسلم. طيب، فمر مجزراً هذا المدلجي بأسامة بن زيد وبوالده زيد بن حارثة، وقد غطي رأسيهما في قطيفة، غطي رأسيهما، وبدت أرجلهما، فمر على أقدامهم، فقال كلمة، هذه الكلمة كانت سبباً لفرح وسرور نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذه الأقدام لمن بعض، أي لما رأى الشبه الكبير بينهما، وكان هذا على مسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فسر بذلك سروراً عظيماً. ذكر الحافظ ابن الملق رحمه الله تعالى فائدة، ألا وهي: أن المصنف، ويعني به ماذا؟ أبا محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى، ترك من الحديث هذه الجملة، وهي: تغطية رأسيهما وبدو أقدامهما، قال: وهي زيادة مفيدة لما فيها من الدلالة على صدق القيافة، على صدق القيافة.كذا ذكر رحمه الله تعالى. وهذا الحديث الذي بين أيدينا فيه يا إخوان: الفرح بظهور الحق، وهكذا الفرح بالأخبار السارة وإشاعتها، أي نشرها، ولا سيما إذا كان فيها إزالة ريبة أو إزالة شبهة، كما في قصة أسامة وأبيه زيد. أيضاً في هذا الحديث: العمل بالقيافة في إلحاق النسب، في إلحاق النسب. لكن انتبهوا يا إخوان: متى يعمل بالقيافة في إلحاق النسب؟ إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منها، مثل ماذا؟ أقوى منها، كما في قصة سعد و... وعبد بن زمعة، أقوى من القيافة وأقوى من الشبه: الفراش. فإذا كان هناك فراش فالولد للفراش. إذا لم يكن هناك فراش، يعني هذه المرأة ليست متزوجة، أو ليست أمه يطأها زوجها، أو يطأها سيدها بملك اليمين، فماذا؟ هنا نعمل بالشبه، ويعمل كذلك أيضاً بالقيافة. وهذا يا إخوان هو قول الأئمة الثلاثة، خلافاً لأبي حنيفة، يعني: مالك، والشافعي، وأحمد. مالك، والشافعي، وأحمد. طيب، ما هو وجه صحة العمل بالقيافة؟ سرور النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا يسر عليه الصلاة والسلام إلا بحق. أبو حنيفة خالف، فلم يعمل بها، فلم يعمل بها، واعتذر عن الحديث بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه، ليس هناك تنازع بين طرفين، وإلا فلن يعمل به النبي صلى الله عليه وسلم. وبالنسبة لي القيافة، فما ذهب إليه الأئمة الثلاثة هو الصواب: أنه يعمل بها إذا لم يكن هناك أقوى منها كالفراش، ويكتفى بقائف واحد، لا يشترط أن نأتي بمجموعة من القافة، وإنما يكتفى بواحد، لكن بشرطين اثنين: الشرط الأول: قالوا أن يكون عدلاً، أن يكون عدلاً. الشرط الثاني: أن يكون مجرباً في إصابة ذلك، ما هو يخم من هكذا من رأسه، لا، مجرب أنه يصيب في مثل هذه الوقائع، وفي مثل هذه الأحداث، وفي مثل هذه الأحداث. وهكذا أيضاً استفيد من هذا الحديث: أن الشرع حرص على ثبوت الأنساب وصحة إلحاقها بأصولها. وهكذا أيضاً في هذا الحديث: أنه لا يمكن إلحاق الولد بأكثر من أب، لا يمكن أن نلحق الولد بأكثر من أب، نقول: هذا ابنك يا فلان، وابنك أنت أيضاً، كما يظن البعض أن القائف يمكنه أن يلحق الولد لأكثر من أب. وأثبت الطب الحديث أن الحيوان المنوي الذي يحصل منه الإلقاح لا يكون من ماء لرجلين، وإنما يكون من ماء رجل واحد، من ماء رجل واحد. هذا الذي أثبته الطب الحديث، وهو الموافق كذلك أيضاً للصحيح من أقوال أهل العلم. تتمة هذا الباب وكتاب الطلاق يأتي معنا الحديث عنها إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. أسأل المولى عز وجل أن يفقهنا في الدين، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.