الدرس في كتاب البيوع 64، ألقاها
يشرح المقطع حديث جابر بن عبدالله عن العمراء والعقبة، ويوضح معنى العمراء والرقب. يُبين أن العمراء هبة مدى الحياة وللورثة ولا يجوز الرجوع فيها.
يناقش آراء العلماء في صحة العمر وأحكامه، حيث الجمهور يرى أنها تنقل الملك، والبعض يرى أنها تنقل المنفعة دون الرقبة. يتناول شروط العمر وعقبه.
يناقش آراء الفقهاء في صحة العقد مع الشروط المختلفة، ويوضح أن الراجح هو قول الجمهور مستندين إلى الأحاديث النبوية الصحيحة.
يتضمن ذكر الله والاستغفار والتوبة، حيث يُسبح الله ويُمجد ويُعترف بتوحيده، ثم يُطلب المغفرة وتُعلن التوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب البيوع منه، في باب الرهن وغيره: قال: "وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمر لمن وهبت له، وفي لفظ: من أعمر له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه عطاء وقعت فيه المواريث". وقال جابر: "إنما العمر التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها". وفي لفظ لمسلم: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها؛ فإن من أعمر عمرا فهي للذي أعمرها حيا وميتا، ولعقبه حيا وميتا". طيب الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى ذكر هذا الحديث بألفاظه ها هنا؛ لأن ألفاظه ترتبت عليه جملة من الأحكام. والعلماء رحمهم الله تعالى يذكرون باب العقبة وكذلك الرقبة في كتاب الهدايا، أو باب الهبات والعطايا، وما شابه ذلك؛ ليدللوا على أن هذا الباب داخل في باب الهبات والعطايا؛ أن باب العمر والرقبة داخل في باب الهبات والعطايا. فقوله "العمراء" بضم المهملة وسكون الميم مع القصر، أي الألف مخفورة فيها. وحكي ضم الميم مع ضم أوله. قالوا: "العمراء" مأخوذة من العمر أو من العمر؛ إذا كان بفتح أوله مع السكون مأخوذ من العمر. قالوا: "والرقب" بزنة العمر مأخوذ من المراقبة؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فيعطي الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك، فقيل لها عمر لذلك. فإذا مات الرجل رجع أو رجعت تلك الأرض لمن وهبها؛ لورثته. فكان هذا الأمر سائدا قبل الإسلام، بل وفي أوائل الإسلام، فجاء الشرع بإنفاذ العقبة، وأنها تكون ملكا لمن أعمرها، ويكون حكمها حكم الهدية، لا يجوز الرجوع فيها؛ لأن العائلة فيها كالملك. قال: "ولعقبك" أي في الرواية: "هي لك أو لعقبك". عقب الرجل بكسر القاف، ويجوز إسكانها مع فتح العين. والعقب هم أولاد الإنسان ما تناسلوا. هذا الحديث بألفاظه يتضمن عدة مسائل. المسألة الأولى: هل تصح العمر؟ ذهب الجمهور إلى صحة العمر. وحكى أبو الطيب الطبري عن بعض الناس عدم الصحة. وحكاه الماوردي عن داود وطائفة. قال الحافظ في "الفرح": لكن ابن حزم قال بصحتها، وهو شيخ الظاهرية. وكلام الحافظ هذا يحتمل أنه إما أن يقول بأن الحافظ شكك في ثبوت هذا عن داود؛ لأن ابن حزم يخالفه، وإما أن يقال بأن داود قال به، ولكنه خالفه إمام من أئمة الظاهرية، وهو ابن حزم. فالصحيح من هذين القولين، والذي لا ينبغي خلافه صحة العمر؛ للأدلة الصريحة في الباب، ومنها كما تقدم أحاديث جابر المذكورة عندنا. وأيضا ما رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمر جائزة". فإذا كانت جائزة فهي صحيحة. المسألة الثانية: هل العمر تنقل الملك إلى المعمر أم المنافع؟ قولان لأهل العلم. الجمهور أن العمر تنقل الملك إلى المعمر. وبه قال من الصحابة جابر بن عبدالله، وابن عمر، وابن عباس، وبعدهم شريح، ومجاهد، وطاوس، وبعدهم الثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي، وأحمد. وأروي ذلك كذلك عن علي رضي الله عن الجميع. ورحمهم الله. القول الثاني: ذهب مالك والليث والشافعي في القديم إلى أن المعمر له المنفعة دون الرقبة. فيكون للمعمر السكنى، فإذا مات عادت إلى المعمر. أي إلى من وهبها أو من جعلها عمرا للغير. قالوا: وإن قال له ولعقبه كان سكنها لهم، فإن انقرضوا عادت إلى المعمر. واستدلوا بما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت القاسم بن محمد يسأل عن العمر، ما يقول الناس فيها؟ فقال: "أدركت الناس على شروطهم في أموالهم". بمعنى أنه ما دام أنها عمر، فإنها ترجع إلى صاحبها. والراجح من هذين القولين قول الجمهور؛ لحديث الباب، فألفاظه تبين هذا الحكم جليا. ومنها أيضا حديث جابر عند مسلم مرفوعا: "العمر ميراث لأهله". وفي لفظ: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمر لمن وهبت له". وهذا قضاء من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو اجتمع من اجتمع من الناس على مخالفته، لما أمكننا أن نترك قوله صلى الله عليه وسلم، بل لا يجوز لنا أن نترك قوله لقول غيره. المسألة الثالثة: إذا شرط في العمر أنه للمعمر وعقبه، يعني العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا العمر ثلاث صور. قالوا: إذا شرط في العمر أنها للمعمر وعقبه، أن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك. قالوا: فهذا تأكيد لحكمها، وتكون للمعمر وورثته، سواء كان له عقب أو لم يكن له عقب. وهذا قول جميع القائلين بها. الثاني أو الصورة الثانية: قالوا: إذا أطلقها، يعني قال: هذه عمر لك. أعمرتك هذه الدار. قالوا: إذا أطلقها فهي للمعمر وورثته أيضا؛ لأنها تمليك للرقبة، فأشبهت الهبة. الصورة الثالثة: إن شرط فقال: إنك إذا مت فهي لي. أعمرتك هذه الدار، لكن إذا مت فهي لي، بشرط إذا مت فهي لي. أو قال: هي لآخرنا موتا. واضحة. هي لآخرنا موتا، يعني ميت أنا قبلك فهي لك، وإن مت أنت قبلي فهي لي. ففي صحته قولان، أي في صحة هذا الأمر بالشرط قولان. القول الأول: أن العقد يصح والشرط. وبه قال القاسم بن محمد، وزيد بن أسلم، والزهري، ومالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب، ومالك، وأبو ثور، وداود، وهو أحد قولي الشافعيين، ورواية عن أحمد: أن هذا يصح ويكون على شرطه. القول الثاني: أنها تكون للمعمر ولورثتهم، ويسقط الشرط، العقد صحيح والشرط باطل. وهذا قول الشافعي الجديد، والرواية الأخرى عن أحمد، وقول أبي حنيفة. الأحاديث المطلقة التي تقدم ذكرها، أن نتصرف الكلمة للمعمر أو للمعمر. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا رقبة". سنده بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا رقبة، فمن أرقب شيئا فهو له في حياته وموته". والحديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر، وإسناده صحيح. والراجح من هذين القولين القول الأول؛ لحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه ما في الصحيحين، قال: "إنما العمر التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها". هذا نص واضح في المسألة. مسألة الرابعة: وبها نختم هذا الدرس إن شاء الله، الرقبة كالعمراء على الصحيح. وهذا قول جمهور. يعني الرقبة كالعمراء سواء بسواء. ومنع الرقبة مالك وأبو حنيفة والحسن، قال: الرقبة باطلة. يعني العمراء صحيحة، لكن الرقبة باطلة؛ لما رويا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز العمراء وأبطال الرقبة. قالوا: لأن معناها أنها الآخر منا. الرقبة معناها أنها الآخر منا. قالوا: هذا تمليك معلق بخطر، ولا يجوز تعليق التمليك بالخطر. والراجح قول الجمهور؛ لحديث ابن عمر المتقدم: "لا رقب، فمن أرقب شيئا فهو له في حياته وموته". وتقدم أنه حديث صحيح. وأما قولهم: أجاز العمر وأبطال الرقب، فكما قال ابن قدامة: "لا ندري من أين أتوا بهذا الحديث". فالراجح هو قول الجمهور، والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.