الدرس في شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 33، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض الشيخ حديث عائشة رضي الله عنها في عمدة الأحكام موضحاً كيفيتي الغسل من الجنابة: المجزئ بإيصال الماء للجسد مع النية، والكامل المستحب المتضمن الوضوء وتخلل الشعر والإفاضة ثلاثاً. ويستدل بمشاركة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم في الغسل من إناء واحد على دقة نقلها للصفة النبوية.
يبين المقطع استحباب الوضوء قبل الغسل وعدم وجوبه إجماعاً، ويستحب التيامن وتخلل الشعر وإرواء البشرة، ويناقش وجوب الدلك مرجحاً عدمه. كما يستدل بحديث ميمونة على جواز اغتسال الزوجين معاً من إناء واحد والنظر إلى عورة بعضهما.
تصف ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم بدءاً بغسل اليدين ثم الرأس والجسد والتنحي لغسل القدمين والاكتفاء بنفض الماء دون خرقة. ويذكر المقطع نبذة عن سيرة ميمونة ونسبها وزواجها ووفاتها وعدد أحاديثها.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى تأجيل مناقشة مسائل الحديث وفوائده للدرس القادم إن شاء الله. ويختم بالدعاء والثناء على الله والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى ضمن أحاديث عمدة الأحكام، باب الغسل من الجنابة: قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. وكانت تقول: وكانت تقول: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، نغترف منه جميعًا، نغترف منه جميعًا. وهذا الحديث فيه بيان كيفية الغسل من الجنابة، وعبرها هنا عن إرادة، وعبرها هنا عن إرادة الفعل، عن إرادة الفعل، يعني: قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، أي: ماذا؟ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة، إذا أراد أن يغتسل من الجنابة، فعبرها هنا عن إرادة الفعل بالفعل، بالفعل؛ لأنه بقدرته وتحت إرادته. وهذا كما ذكروا أنه من وجيز الكلام. وقولها في آخر الحديث: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، نغترف منه جميعًا. عائشة رضي الله عنها لماذا ذكرت هذا؟ ذكرت أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، قالت: نغترف منه جميعًا. قال العلماء: بينت عائشة أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء، من إناء واحد، لتثبت تأكدها من معرفة صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أن الأمر لم يكن بعيدًا عنها وبعيدًا عن مشاهدتها، وإنما كانت تشاهده عن قرب، رأت كيف كان يغتسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والغسل من الجنابة له كيفيتان: الكيفية الأولى هي كيفية إجزاء، أي مجزية، والكيفية الثانية هي كيفية مستحبة، وهي الأكمل، وهي الأكمل. أما كيفية الإجزاء فهي أن يعمم المسلم بدنه بالماء، بدنه بالماء، مع النية، أي نية ماذا؟ رفع الحدث الأكبر. فلو كان على جنابة وأتى إلى البحر مثلًا، أو أتى إلى ماء كثير، فإن غمس بنية رفع الجنابة فالجنابة ترتفع، وهذا غسل مجزئ. دخل إلى الحمام وشغل رشاش حنفية العليا، وماذا؟ وجعل الماء يصب على بدنه كاملًا بنية رفع الجنابة، أجزأه ذلك. فحيث عمم الماء على جميع البدن، لكن أكمل منه وأحسن منه أن يأتي بهذه الكيفية التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي بالواجب ويأتي معه كذلك أيضًا بالاستحباب، وهكذا أيضًا بالكمال، بالكمال. وكما في حديث عائشة هاهنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يغتسل من الجنابة، فماذا فعل؟ قالت: غسل يديه. وغسل اليدين في أول غسل الجنابة هذا من الأمور المستحبة، هذا من الأمور المستحبة. وإذا أطلق اليدان فما هو المقصود بهما؟ إذا أطلق اليدان فما هو المقصود بهما؟ يا أبا مالك، إذا أطلق اليدان، نعم، المقصود بهما الكفان. وإذا أريد زيادة على الكفين فإنه يقيد، كما في آية الوضوء: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾. لكن في آية حد السرقة: ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾، من أين تقطع اليد؟ من الرسغ. لماذا؟ لماذا؟ هذا الذي يدل عليه إطلاق لفظ أو اسم اليد مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك قال: غسل يديه، ويغسل يديه يا إخوان، الأفضل خارج الإناء، خارج الإناء، ولا سيما إذا كان استيقظ من نوم، كما مر معنا في الأبواب الأولى. قال: غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، توضأ الوضوء المعروف الذي ماذا؟ يتوضأه الشخص للصلاة. وهذا يا إخوان فيه استحباب الوضوء قبل أن يغتسل من الجنابة، وعلى هذا الجمهور من أهل العلم أن الوضوء قبل غسل الجنابة مستحب، وليس، وليس بواجب. وقد نقل الإمام ابن بطال، وهو أحد شراح صحيح البخاري، نقل الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل من الجنابة. وفي نقل الإجماع نظر، لماذا نظر؟ لأنه قد جاء عن جماعة من أهل العلم كأبي ثور وداود الظاهري وغيرهما، ذهب إلى أن الغسل لا يكفي، بل لا بد أن يكون معه الوضوء. والصحيح هو ما تقدم في قول الجمهور من أهل العلم: أن الوضوء مستحب عند الغسل من الجنابة، وليس بواجب. قال: ثم اغتسل، ثم اغتسل، وبين كيفية الاغتسال، بين كيفية الاغتسال أنه ماذا؟ أنه كان يخلل بيديه، ماذا؟ شعره. لماذا؟ لكي يصل الماء إلى أصول الشعر، إلى بشرة الرأس. قال: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أروى يعني: وصل الماء إلى بشرة الرأس. عندها ماذا يفعل؟ قال: أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثلاث مرات على رأسه. قال: ثم غسل سائر جسده، يغسل سائر الجسد. وهنا يا إخوان يستحب التيام، أي: يغسل الجانب الأيمن ثم يغسل الجانب الأيسر، كما مر معنا في حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيام في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله، وفي شأنه كله. وقال: وكانت تقول: كنت أغتسل، كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد، نغترف منه جميعًا. وهذا يا إخوان فيه جواز اغتسال الزوجين معًا، الزوج والزوجة، وهكذا أيضًا جواز استعمال إناء واحد للزوجين عند الاغتسال، يغترفان منه جميعًا، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجته عائشة. وهكذا أيضًا مما يستفاد من هذا الحديث: جواز نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر، وأن هذا مما يجوز، مما يجوز. بل ذكر بعض العلماء استدلالًا بهذا الحديث أنه يجوز تعري الزوجين عند الجماع، وما ورد من النهي عن ذلك لا يصح منه شيء، لا يصح منه شيء. وهكذا أيضًا فيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعاشرته لأهله. انظروا كيف كان عليه الصلاة والسلام يعاشر أهله، كان لربما اغتسل مع أهله، وهذا يدل على حسن العشرة، ومع تواضع عظيم كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا فيها، كيف؟ قال: ﴿ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ﴾. واستدل الجمهور كذلك من أهل العلم بهذا الحديث وما كان في معناه إلى أن الدلك، دلك الجسم عند الاغتسال من الجنابة، أنه لا يجب، وإنما ماذا؟ يستحب. وذهب عمال رحمه الله تعالى القول بوجوب ذلك. والراجح يا إخوان هو قول الجمهور بعدم الوجوب، عدم وجوب الدلك، أي: دلك الجسم عند الاغتسال. قال رحمه الله تعالى: قال عن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة، وتعني بذلك الماء الذي سيغتسل به من الجنابة. قالت: فأكفأ بيمينه على يساره، يساره، مرتين أو ثلاثًا، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط، الأرض أو الحائط، مرتين أو ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، وذراعيه. ما قال: ويديه، لأن غسل اليدين هاهنا سيكون إلى المرفقين، إلى المرفقين. قالت: ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى. ومعنى كونه تنحى عليه الصلاة والسلام: أي تحول من مكانه إلى ناحية أخرى، إلى ناحية أخرى. قالت: فغسل رجليه. فآتيته بخرقة، فآتيته بخرقة، فلم يردها. والخرقة هي عبارة عن قطعة من الثياب تستعمل للتنشيف. قربه، قربه شوي، هنا واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، قربه، نياس، أحسنتم. الخرقة عبارة عن قطعة من الثياب تستعمل للتنشيف، أو للتنظيف، أو للتنظيف. قالت: فلم يردها، فلم يردها، أي: من الإرادة، وليس من الرد، ليس معناه أنه ردها. قالت: فلم يردها، أي: لم يرغب فيها. قال: وجعل، فجعل ينفض الماء بيده، فجعل ينفض الماء بيده. ومعنى ينفض الماء بيده: أي جعل يسلته، جعل يسلته من على جسده، من على جسده. وهذا الحديث هو حديث أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ابن حزن الهلالية رضي الله تعالى عنها. ولقب أمهات المؤمنين، آذى، لقب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله عز وجل: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾، وأزواجه أمهاتهم، وأمهاتنا، أي: من حيث الشرف، ومن حيث الاحترام والتقدير، ليس أن يعامل المسلم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معاملة الأم، يصافحها ويختلي بها ويسافر بها، ليس كذلك، وإنما من حيث الاحترام والتقدير، وأيضًا حرمة النكاح وغير ذلك. وأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع من الهجرة، وقيل سنة ست، وهي تعتبر آخر زوجة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق، آخر زوجة. وجاء عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام تزوج ميمونة وهو حرام، يعني: محرم. والصواب أنه تزوجها وهو حلال، أي: بعد أن حل من إحرامه، كما جاء في حديث أبي رافع عن ميمونة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، وهو حلال. وميمونة بنت الحارث هي أخت أم الفضل، لبابة بنت الحارث، زوجة العباس ابن عبد المطلب، فهي خالة ابن عباس، خالة ابن عباس. وهكذا أيضًا خالة خالد ابن الوليد رضي الله تعالى عنهم. وكانت قبل أن تتزوج بالنبي صلى الله عليه وسلم عند أبي رهم ابن عبد العزة العامري، فلما مات عنها تزوجها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتوفيت، أو اختلف في سنة وفاتها، وأظهر الأقوال في ذلك أنها توفيت في سنة إحدى وخمسين من الهجرة. وكانت قد مرضت بمكة، فلما اشتد بها المرض أمرت بإخراجها خارج مكة، فلما بلغت، ماذا؟ سرف، ماتت، فدفنت هناك. وماذا؟ صلى عليها ابن أختها عبد الله ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. وقيل أنها آخر من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بصحيح، فقد ماتت قبل عائشة وقبل أم سلمة. وأظهر الأقوال أن أم سلمة هي من أواخر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم موتًا، آخر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم موتًا. وميمونة، قيل أن اسمها كان برة، فغيره عليه الصلاة والسلام إلى ميمونة. وميمونة، قيل: من اليمن، وهو البركة، وهو البركة. وقد روي لها عن النبي صلى الله عليه وسلم ستًا وأربعين حديثًا، هذا أحدها. واتفق البخاري ومسلم على سبعة أحاديث، على سبعة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة أحاديث، كما ذكر النووي رحمه الله تعالى. ويأتي معنا الحديث حول مسائل هذا، نعم، يأتي معنا الكلام حول مسائل هذا الحديث وفوائده في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.