كتاب البيوع 1

الدرس في كتاب البيوع 1، ألقاها

تعريف البيع ومشروعيته

يتناول تعريف البيع لغة وشرعا ومشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع. البيع يعرف شرعا بمقابلة المال بمال تمليكا وتملكا.

أركان وشروط البيع

يشرح أركان البيع الثلاثة وشروط العاقد والمبيع، مثل البلوغ والعقل والمعلومية والتسليم. كما يبين حكمة الشرع في إباحة البيع والشراء.

شروط صحة البيع

يشترط في البيع أن يكون عن تراضٍ وأن يكون البائع مالكًا للمبيع، وأن يكون المبيع طاهرًا ومعلومًا ومقدورًا على تسليمه.

حكم بيع ممتلكات الغير

لا يجوز بيع ممتلكات الغير بدون إذن مالكها، بينما يجوز بيع ممتلكات الشخص نفسه. الإذن من المالك يجيز البيع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، من يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" كتاب البيوع: وبعد أن فرغنا من الكلام على أبواب العبادات ومسائل العبادات، انتقل الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى إلى الكلام على مسائل المعاملات. والعلماء في هذا: منهم من يبدأ في أبواب المعاملات بأبواب البيوع أو بكتاب البيوع وما تعلق بذلك، ومنهم من يبدأ بكتاب النكاح كذلك وما تعلق بذلك. ومن بدأ بكتاب البيوع راعى الأمر العام الذي يحتاجه الناس، فالناس كل واحد محتاج إلى هذا الباب، أي إلى البيع والشراء. فبعد أن فرغ من العبادات انتقل إلى هذه المسائل لعموم حاجة الناس إليه. ومن أهل العلم من بدأ بكتاب النكاح نظرا أيضا إلى حاجة الناس إلى هذا الأمر، وإن كان هذا الأمر أخص. فمنهم من بدأ بالنكاح لهذا المعنى، ومنهم من بدأ بكتاب البيوع لهذا المعنى. والبيوع جمع بيع، والبيع لغة: قال ابن قتيبة رحمه الله وغيره: يقال "بعت الشيء" بمعنى "بعته" وبمعنى "شريته". ويقال "شريت الشيء" بمعنى "اشتريته" و"بعته". وأكثر الاستعمال "بعته" إذا أزلت الملك فيه بالمعاوضة، و"اشتريته" إذا تملكته بها. قال الأزهري: العرب تقول "بعت" بمعنى "بعت ما كنت مالكه"، و"بعته" بمعنى "اشتريته". وكذلك "شريته" بالمعنيين. قال: وكل واحد "مبيع"، وبائع؛ لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع. ويقال "بعته أبيعه"، فهو مبيع ومبيع. والابتياع الاشتراء. وبايعته وتبايعنا، واستبعته: سألته أن يبيعني. وأبعت الشيء: عرضته للبيع. وبيع الشيء: بكسر الباء وضمها، أي بيع. والكسر أفصح. وبوع: بضم الباء وبالواو، لغة فيه. وأما الشراء، ففيه لغتان مشهورتان: أفصحهما المد، يقال "شراء" بالمد. والثانية: القصر "شراء" دون مد. فمن مد كتبه بالألف، وإلا فبـ"لياء"، أي القصر بالألف مد، وبـ"لياء" قصرا. وجمعه "أشرية"، وهو جمع نادر. ويقال "شريت الشيء أشتريه، اشتريته شريا" إذا بعته، وإذا اشتريته كما سبق، أي في البيع، فهو من الأضاد. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾، هاهنا أطلق الشراء على الشراء المعروف. وقال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾، هاهنا أطلق الشراء على البيع. والحاصل من هذا: أن البيع يطلق على البيع والشراء، وكذا الشراء يطلق على البيع والشراء. قال النووي رحمه الله تعالى: وأما حقيقة البيع في اللغة، فهو مقابلة المال بالمال. وهذا واضح أن الإنسان يشتري الشيء بمقابل، قد يكون الثمن. إنسان يشتري ذهبا بذهب، واضح. مال بمال واضح. وهذا مال صريح. يشتري عشر دراهم من الفضة بمثلا خمسة دنانير من الذهب، ها هنا مال بماذا؟ بمال. وهذا واضح؛ لأن الذهب والفضة مال. وقد يشتري عينا بمال، كان يشتري مثلا بيتا أو أرضا بمال. الأرض حقيقة هي ماذا؟ مال، وإن كانت عينا. وقد يقول: الشراء بماذا؟ شراء عين بعين، كأن يشتري أرضا بدار، أن يشتري أرضا بماذا؟ بدار. يقول له: أبيعك داري بماذا؟ بمقابل أرضي. أبيعك داري بمقابل أرضك، بمقابل ماذا؟ أرضك. ها هنا بيع ماذا؟ مال بمال، وعين بماذا؟ بعين. واضح. هذا. فهو بيع عين بعين، وحقيقته ماذا؟ أنه روعي فيه المثمن، روعي فيه ماذا؟ ثمن. ثمن البيت، وثمن ماذا؟ وثمن الأرض. وفي الشارع: مقابلة المال بمال أو نحوه تمليكا. مقابلة يحصل بها التمليك. هذا يملك مال هذا، وذاك يملك مال هذا. واضح. هذا يقبض الدراهم، وذلك يقبض ماذا؟ الشيء المشترى. فيكون كل واحد منهما مالكا لما تعاقد عليه. وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: البيع: مبادلة المال بالمال تمليكا وتملكا. قال: واشتقاقه من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء. ويحتمل أن يكون كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أن يصافحه عند البيع. ولذلك سمي البيع صفقة. حكم البيع: البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾، هذا استثناء منقطع باتفاق، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى عن الإمام الواحدي في كتاب "مجموع شرح المهذب"، لأن التجارة ليست من أكل أموال الناس بعضهم من بعض، بل هو من ماذا؟ من الأمور المشروعة التي أحلها الله جل وعلا. وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، هذا كذلك يدل على إباحة البيع والشراء. وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يعني في مواسم الحج. يعني في مواسم الحج. وعن الزبير نحوه. ومعنى هذا: أن هذه أسواق "عكاظ" و"مجنة" و"ذو المجاز" كانت تقام في مكة وحواليها، أسواق كبيرة. إذا في موسم الحج، في موسم الحج تبدأ في القعدة السوق الأول مدة معينة، ثم السوق الثاني مدة معينة، وحتى تأتي أيام الحج، ثم يكون السوق الثالث بعد ذلك في أيام الحج. فبعض الصحابة تحرج من ذلك، فأنزل الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي أن تبتاعوا وأن تشتروا في موسم الحج. فهذا كذلك يدل على جواز البيع والشراء، ولو كان الإنسان حاجا. وأما السنة، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، متفق عليه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه. سيأتي معنا بإن الله جل وعلا في ثاني أحاديث كتاب البيوع. وعن عبد الله بن شبل رضي الله عنه قال: سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن التجار هم الفجار». قالوا: يا رسول الله، أليس قد أحل الله البيع؟ قال: «بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون». رواه أحمد. وأما الإجماع، فقال النووي رحمه الله تعالى: أجمعت الأمة على أن المبيع بيعا صحيحا يصير بعد انقضاء الخيار ملكا للمشتري. وقال ابن قدامة رحمه الله: وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة. حكمة الشرع في البيع: قال ابن قدامة رحمه الله: لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض. ففي شرعاء وتجويزه، شرع طريق إلى وصول كل واحد منهم إلى غرضه ودفع حاجته. مسألة: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن البيع له أركان ثلاثة: الأول العاقدان، الثاني الصيغة، والثالث المعقود عليه. وشروط العاقد: أن يكون بالغا، عاقلا، مختارا، بصيرا، غير محجور عليه. ويشترط إسلام المشتري إن كان المبيع عبدا مسلما أو مصحفا، وعصمته إن كان البيع سلاحا. وقولهم: وشروط المبيع خمسة: أن يكون طاهرا، منتفعا به، معلوما، مقدورا على تسليمه، مملوكا لمن يقع العقد له. فأولا: شروط العاقد أن يكون بالغا. والبلوغ شرط، اتفق أهل العلم بأن من باع بالغا، أن بيعه صحيح إذا تمت بقية الشروط. واختلفوا في غير البالغ: هل يصح بيعه؟ فمن أهل العلم من جوز، ومنهم من منع، ومنهم من فصل. قال: إن كان مأذونا له في البيع، وعنده القدرة على البيع والشراء، فإنه يصح بيعه. وإن لم يكن كذلك، فلا يصح بيعه. ومن أهل العلم من أضاف إلى هذا: قال: يصح بيعه في الأشياء الحقيرة، ولا يصح بيعه في الأشياء الثمينة. وهذا لعله أصوب وأبعد عن النزاع والخلاف. قالوا: أن يكون عاقلا. خرج من ليس بعاقل، كالمجنون. المجنون لا يصح بيعه ولا تصرفه. فمن اشترى من مجنون بيتا، سيارة، ذهبا، فضة، فإنه لا يصح ذلك البيع؛ لانتفاء لعدم توفر الشروط الواجب توفرها في البائع، وهو أنه ليس بعاقل، بل مجنون. ويدخل في ذلك: من باع وهو نائم، أو شبه نائم. إنسان يقول: "بعتك" وهو نائم لا يدري. أو كان في حالة ذهول، أو كان في حالة السكر لا يميز. السكر قد طفح على عقله، بحيث صار كالمجنون لا يميز. كذلك لا يصح بيعه؛ لأنه ليس بعاقل في هذه الحال. أو في شدة غضب، شدة غضب بحيث أنه لا يشعر ما يقول. وصل إلى مرحلة ماذا؟ شبه الجنون. بحيث أنه إذا ذهب عنه الغضب، قال: "ما حصل مني ذلك". فهذا كذلك يدخل في هذا المعنى. وأن يكون مختارا، أي مختار لذلك البيع. أن يبيع بقراره. ويدخل في هذا: أي بمعنى الاختيار، أن يكون راضيا في ذلك البيع. وهو شرط من شروط البيع، كما هو ظاهر قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. فإن لم يكن عن تراض، فلا. فيخرج من ذلك: من كان مكرها في البيع. إنسان يقال له: إما أن تبيع، وإلا نفعل بك كذا وكذا. وكان ذا سطوة. فبيع مكرها، فإن هذا البيع لا يصح. وهل يدخل في ذلك المضطر؟ هل يدخل المضطر في معنى المكره؟ الجواب: أن المضطر ليس بمكره من وجه، وإن كان من وجه آخر قد يكون مكرها. والفرق بين المضطر والمكره: أن المكره إما أن يفعل، أو يعرض نفسه للهلكة، أو عرضه، أو من كان تحت ولايته، أو ما شابه ذلك. يعرض ذلك للتلف أو للأذية الشديدة. بخلاف المضطر. المضطر: إنسان مثلا عليه ديون، فجاء أهل الديون: نريد الآن، وإلا سنفعل بك كذا وكذا. أو يكون مثلا إنسان عنده عائلة، وليس عندهم ما يقوتهم. فيضطر إلى بيع بعض الأشياء؛ لأجل ماذا؟ لأجل أن يقوت أبناءه. اضطرارا، وإلا لا يريد أن يبيع ذلك الشيء. فهو مضطر أن يبيع؛ لأجل ماذا؟ أن يطعم أبناءه. هل يصح منه ذلك البيع؟ الجواب: أن من أهل العلم، وهم الجمهور، أجازوا ذلك البيع مع الكراهة. وذهب بعض أهل العلم إلى المنع. وقولهم: "بصيرا". خرج ماذا؟ من ليس ببصير في البيع والشراء. من ليس ببصير في البيع والشراء؛ بمعنى أن إنسان يدخل في أمر ويغبن. ليس عنده تجارة، ليس عنده خبرة في البيع والشراء. أحمق. إنسان يدخل في شراء أشياء مثلا. يدخل السوق، يرى الشيء قد يكون في السوق قيمته بمئة، فيعلمون أنه حديث عهد بسوق. فيقول له: "بألف". فيشتري. فمثل هذا، قال العلماء رحمهم الله تعالى: إذا كان كذلك، فلا. وكذلك: غير محجور عليه. إنسان كذلك إذا كان محجورا عليه، فإن بيعه لا يصح. والمحجور عليه: من حجر عليه أولياءه؛ لسفه أو لجنون أو ما شابه ذلك. يقال: محجور عليه، أي عن التصرف بماله. وإن كان المال ماله، إلا أنه لا يصح التصرف به؛ إما لسفه أو جنون أو نحو ذلك. وقولهم: "ويشترط إسلام المشتري إن كان المبيع عبدا مسلما أو مصحفا". عبدا مسلما؛ لأجل أن لا تكون ولاية لكافر على مسلم. يشترط أن يكون مسلما؛ لأجل أن لا تكون ولاية لكافر على ماذا؟ على مسلم؛ لأن العبد إذا كان مسلما، فينبغي أن يتولاه أن يكون وليه كذلك مسلما. كما قال الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِكَافِرٍ عَلَى مُؤْمِنٍ سَبِيلًا﴾. أو مصحفا. كذلك المصحف لا يباع لماذا؟ لكافر؛ خشية أن يتلفه أو أن يعبث به. قالوا: "وعصمته إن كان المبيع سلاحا". أي أن يكون إنسان معصوم الدم. إن كان المبيع سلاحا. إذا بيع السلاح، أن يكون معصوما؛ لماذا؟ خشية أن يقاتل به من لا يستحق القتال. قالوا: شروط المبيع خمسة: أن يكون طاهرا. فخرج ما ليس بطاهر، كالنجس. فإنه لا يصح بيعه؛ لأنه نجس. وأن يكون منتفعا به. فإن لم يكن منتفعا به، ليس له فائدة. كذلك لا يصح أن يشتري شيئا من غير فائدة أصلا. فكذلك لا يصح ذلك البيع. وأن يكون معلوما. فخرج ما كان مجهولا. ولذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي معنا في أبواب النهي عن بيوع كثيرة، مدارها على انتفاء هذا المعنى، أي أن المبيع ليس بمعلوم، بل فيه الغرر، وفيه الخفاء، وفيه كذلك الغبن. وقال: "ومقدورا على تسليمه". أن يكون مقدورا على تسليمه. فخرج ما ليس مقدورا على تسليمه، كالطير في السماء. إنسان يقول: "تسليمني هذا الطير" يكون في السماء، ليس محوزا له. فهذا لا يجوز. أو يقول له: "تشتري مني السمك في البحر". أيش من السمك؟ ولا سأتيك بسمك. إن شاء الله اليوم، أو ما شابه ذلك. هذا كذلك لا يجوز. لابد أن يكون ماذا؟ مقدورا على تسليمه. قالوا: "وأن يكون مملوكا لمن يقع العقد له". أن يكون مملوكا. إنسان باعتبار البائع، أن يكون ذلك الشيء في ملكه، في حوزته. وفي ملكه. لا يكون في حوزته، ولكنه ملكا لماذا؟ للغير. لابد أن يكون ملكا. لا. إنسان عنده سيارة، يقول: "تشتري مني هذه السيارة". يقول الرجل الآخر: "تشتري مني سيارة". إن كانت هذه السيارة ملكا له، جاز البيع. إن كانت سيارة هذه ملكا لصديق، هل يقوز له أن يبيع، ولم يأذن له ذلك الصديق؟ الجواب: لا يقوز. واضح. أما إن أذن له، وكله ذلك. ظاهر وواضح. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على