الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 34، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع تحريم تناجي شخصين سراً بحضور ثالث دون إذنه لما يسببه من ضعف الأخوة وإثارة الظنون، ويشمل النهي التحدث بلغة لا يفهمها الثالث. ويرتفع الحرج عند وجود أربعة أشخاص فأكثر كما فعل ابن عمر بدعوة رابع ليبقى الثالث في صحبة.
يبيّن المقطع النهي النبوي عن تناجي اثنين دون ثالث عند وجود ثلاثة فقط لإيذاء مشاعر المستثنى، ويستثنى من ذلك إذا كانوا أربعة فأكثر فيجوز التناجي. ويضرب المثال بفعل ابن عمر رضي الله عنهما الذي دعا رابعاً ليجنب الثالث الوحدة تأكيداً على مراعاة المشاعر.
يؤكد المقطع تحريم تناجي شخصين أمام ثالث مستنداً إلى حديث ابن مسعود المتفق عليه، مبيناً أن الإسلام راعى أدق تفاصيل المعاملات لحفظ المودة والأخوة. ويدعو طلاب العلم إلى تطبيق هذا الخلق عملياً في مجالسهم.
يختتم المتحدث بدعاء جامع يسأل الله التوفيق للخير والصرف عن الشر وأن يجعل المستمعين من المتبعين لأحسن القول مع طلب إصلاح أحوال المسلمين. ويختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة». وهو أي التناجي، وهو أن يتحدث سراً بحيث لا يسمعهما ما يقولان، وفي معناه ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه. وفي معناه - وهذا كله مما يدعو إلى المحافظة على الأخوة - هكذا بقيت الألفة والمودة التي سبق في الأبواب السابقة أن ديننا يدعو إليها. فمما يضعف هذه الأخوة ويبعث إساءة الظن، وينزع الثقة، ويخلق عداوة وشحناء بين المسلمين، أن يتناجى اثنان ويتحدثا سراً مع وجود الثالث. مع وجود الثالث، يقع في نفسه: لماذا يتحدثان سراً؟ ولماذا لا يشركان في حديثهما؟ ماذا عندهما؟ وهكذا يبدأ الشيطان، لربما يدخل على هذا الإنسان أموراً تضعف هذه الأخوة. قال معرفاً للتناجي: «قال: وهو أن يتحدث سراً بحيث لا يسمعهما». وأيضاً بنفس المعنى: أن يتحدث اثنان مع وجود الثالث، لكن يتحدث بلغة لا يفهمها، بلغة لا يفهمها. عندنا ثلاثة: اثنان إندونيسيان وواحد يمني مثلاً، ويتحدث الإندونيسيان بماذا؟ أو يتحدث الإندونيسيان بلغتهما مع وجود الثالث، مع وجود الثالث، مع إمكان الحديث بلغة يفهمها هذا الثالث. فهذا معنى قوله: «وفي معناه ما إذا تحدث بلسان»، أي بلغة لا يفهمه، أي الثالث. ومتى يزول هذا النهي؟ يزول إذا كان هناك رابع أو أكثر، وكلما زاد العدد زال الحرج. زال الحرج، فإذا تناجى اثنان مع وجود اثنين فلا إشكال في ذلك، لا إشكال في ذلك؛ لأنه يمكن للاثنين المتبقيين أن يتناجيا فيما بينهما. وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنه - كما سيأتي معنا - إذا جاءه رجل وعنده آخر، ويريد أن يناجيه، ولم يجد أحداً، دعا شخصاً لكي يكون رابعاً، فيكون مع هذا الذي سيبقى وحيداً، ويقول لهما: «تأخرا قليلاً لكي أكلم هذا الشخص سراً». قال رحمه الله تعالى: «وإذا احتاجا وليس هناك رابع، إذا احتاجا إلى أن يتناجيا مع شخص، وهناك ثالث لا رابع لهم، فممكن يستأذن، يقول: يا أخي، بعد إذنك، كلمة يسيرة مع الأخ هذا». فـ «بعد إذنك»، و«لو سمحت»، وغيرها من المقدمات، تزيل ما في نفس ذلك الرجل من المخاوف، وهكذا الظنون السيئة. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، من الشيطان، أي أنها من مكايد الشيطان. لماذا؟ قال: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ليحزن الذين آمنوا، أي لكي يجلب لهم الحزن، يوقع في نفس الآخر أشياء وأموراً تجعله يسيء الظن بالآخرين، يسيء الظن بالآخرين. قال: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّيهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: «وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال...» ما اسم ابن عمر يا أخانا؟ سالم، عبد الله. أحسنت: عبد الله بن عمر، أبو عبد الرحمن العدوي القرشي، رضي الله تعالى عنهما. قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث». فلا يتناجى، أي لا يتحدث سراً دون الثالث، أي والثالث لا يسمع حديثهما. قال: «متفق عليه». قال: «ورواه أبو داود وزاد: قال أبو صالح: قلت لابن عمر: فأربعة؟ أي إذا كانوا أربعة، هل ممكن أن يتناجى اثنان ويبقى اثنان؟ قال: قلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرك». قال: «لا يضرك»، أي لا بأس بذلك. قال: «ورواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار، قال: كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي في السوق. قال: فجاء رجل يريد أن يناجيه، أي أن يتحدث سراً مع ابن عمر، قال: وليس مع ابن عمر أحد غيري. قال: فدعى ابن عمر رجلاً آخر حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الثالث الذي دعا: استأخروا شيئاً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتناجى اثنان دون واحد». لا يتناجى، أي لا يتكلم سراً اثنان دون واحد، أي دون الثالث، يبقى وحيداً، يبقى وحيداً. وهذا يا إخوان فيه قاعدة عظيمة من قواعد هذا الدين، ألا وهو مراعاة المشاعر وجبر الخواطر. وهذه قاعدة عظيمة يا إخوان، ماذا دعا إليها ديننا؟ لا بد يا إخوان أن يراعي المسلم مشاعر غيره، وإذا حصل أمر أو آخر ينبغي أن يجبر هذا الخاطر، يجبر نفوسهم بما لا يجعل فيها شيئاً من البغضاء أو الكراهية أو الحقد أو الحسد أو إساءة الظن أو غيرها. وكذلك أيضاً فيه إشارة إلى أنه لا يجوز لأحد أن يدخل بين المتناجيين: اثنان يتحدثان سراً، يأتي واحد ويدخل بينهما، هذا ليس من الأدب يا إخوان. شخص يأخذ آخر ويذهب هناك في الزاوية ويتحدث بصوت منخفض، يأتي واحد ويدخل فيهما، ليس من الأدب، وإنما ينتظر حتى يكمل حديثهما، ثم يأخذ من أراد منهما، يأخذ من أراد منهما. وكذلك أيضاً هذا يا إخوان يدلنا على أن ديننا شامل، شامل يا إخوان لجميع جوانب الحياة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ما فرطنا في الكتاب من شيء. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، أي بإكمال هذا الدين، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ورضيت لكم الإسلام ديناً. قال رحمه الله تعالى: قال: «وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس». قال: «من أجل أن ذلك يحزنه»، من أجل أن ذلك يحزنه. قال: «متفق عليه». طيب، يمشي ثلاثة وليس هناك رابع، وأراد اثنان أن يتحدثا معاً دون الآخر، فلا بأس أن ينتظر حتى يدخل إلى المسجد مثلاً، أو يدخل إلى السوق، أو مواضع تجمع الناس، وعندها سيكون العدد زائداً على ثلاثة، فماذا؟ فلا بأس أن يتحدث الاثنان مع وجود آخرين مع ذلكم الثالث، مع ذلكم الثالث. وهذا فيه جواز التناجي في حال الاختلاط بالناس، في حال الاختلاط بالناس. ونهى عن تناجي الاثنين دون الثالث، ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه للتحريم، إلى أنه للتحريم؛ لما فيه من الأذية للثالث. ومر معنا قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وإثماً مبيناً. وهكذا أيضاً لما يؤدي إلى إضعاف الأخوة والمحبة والمودة التي تكون بين المسلمين. فهذا يا إخوان من الأبواب التي ينبغي أن تراعى، وينبغي علينا ولا سيما نحن طلاب العلم أن نعمل بمثل هذا العلم، أن نعمل بمثل هذا العلم؛ فإنه مما يدعو إلى زيادة المحبة والمودة بين المسلمين، وبين طلاب العلم ودعاة إلى الله عز وجل. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يجعلنا جميعاً ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر