كتاب الأمور المنهي عنها 32

كتاب الأمور المنهي عنها 32

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 32، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

النهي عن الافتخار والبغي وآثارهما

يشرح المقطع تحريم الافتخار وتزكية النفس مستنداً إلى آية ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ وأحاديث نبوية تنهى عن المدح المفرط، مبيناً أن الافتخار يؤدي إلى الكبر والبغي على الآخرين. كما يستعرض آية ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ محذراً من عاقبة البغي في الدنيا والآخرة.

خطر البغي وقطيعة الرحم ووجوب التواضع

يحذر النص من أن البغي وقطيعة الرحم من أعظم الذنوب التي يعجل الله عقوبتها في الدنيا مع ادخار العذاب في الآخرة، ويضرب أمثلة للبغي بين طلبة العلم كرمي البريء بالتهم. ويربط البغي بصفات النفاق كالفجور في الخصومة، ويستدل بآيات وأحاديث تأمر بالتواضع والعفو والإصلاح بين الناس، مبيناً أن التواضع يمنع البغي والفخر، وأن العفو والإصلاح من الأعمال القليلة التي وعد الله عليها بأجر عظيم غير محسوب.

أهمية التواضع والنهي عن التكبر والافتخار بالنسب والمال

يؤكد المقطع أن التواضع يمنع البغي على الآخرين، وأن الميزان عند الله هو التقوى لا النسب أو اللون، مستشهداً ببلال الحبشي وأبي لهب. كما يشرح حديث «إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم» مبيناً أنه محرم إذا قيل عجباً بالنفس، وجائز إذا قيل تحزناً على حال الناس ونصيحةً لهم، مستعرضاً أقوال العلماء كمالك والنووي في ذلك.

ذكر عيوب الناس وعلاقته بإشاعة الفاحشة

يُبيّن المقطع أن ذكر عيوب الناس يُعد من أسباب نشر الفاحشة التي تؤدي إلى الهلاك، لكن إذا كان الحديث عن العيوب بقصد النصيحة والتنبيه دون تفاخر أو تزكية، فلا حرج فيه. ويؤكد أن النية الصالحة في النصيحة تحول دون اعتبار ذلك من إشاعة الفاحشة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن الافتخار والبغي». باب النهي عن الافتخار والبغي، وكل ذلك مما لا يجوز، والاتصاف به يعتبر من الأخلاق الذميمة والصفات القبيحة التي يجب على المسلم أن يجتنبها. فالافتخار يؤدي إلى الكبر والتعالي على الآخرين، وقد مر معنا قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ذرة من كبر». وهكذا الافتخار على الآخرين قد يؤدي إلى حصول البغي عليهم، يبغي عليهم فيتنقصهم ويذمهم، وهكذا يقع في أعراضهم، ولربما أدى إلى ما يتعلق بسفك الدماء وغيرها من الأمور. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. وهنا ربنا عز وجل ينهى عن تزكية النفس بمدحها والثناء عليها، وهكذا الرفع من شأنها، فكل ذلك يعتبر من الأمور المنهية عنها. فلا تزكوا أنفسكم، وكم هي الأحاديث النبوية التي هي في هذا الباب صريحة في النهي عن ذلك. فتزكية النفس يؤدي إلى التفاخر والاستطالة على عباد الله عز وجل. ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، الله عز وجل يعلم المصلح من المفسد، يعلم المصلح من المفسد. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن المدح والإفراط فيه، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «احثوا على رؤوس المداحين التراب». وهكذا حين أن أثنى شخص على آخر، قال: «لقد قطعت عنق أخيك». فكل ذلك مما لا يجوز. وإن كان الشخص منا سيزكي غيره كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «أحسب فلاناً، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً». هذا الذي يظهر لنا من أمره، أما ما خفي فهذا إلى الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. أولئك، أي من كان هذا حاله وهذا وصفه، ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أولئك لهم عذاب أليم. فالسبيل والطريق إنما هو على الذين يبدأون الناس بالظلم، ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، وماذا قال؟ ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. البغي يا إخوان عاقبته وخيمة، ولا تظن أن عاقبة البغي إنما هو في الآخرة فحسب، بل لربما يعجل الله عز وجل على صاحبه العقوبة في الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله العقوبة لصاحبه في الدنيا من البغي، أو مع ما يدخره له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم». قطيعة الرحم أمرها عظيم ومعلوم، وهكذا أيضاً قيل في البغي. لما يبغي المسلم على أخيه المسلم، ويا لله يا إخوان، كم هي عاقبة وخيمة إذا كان البغي من أهل الصلاح والخير على إخوانهم، مثل طالب علم يبغي على أخيه وزميله، يبغي عليه إما بأن يلصق فيه من التهم ما هو منها براء، ما هو منها براء، أو لربما يبغي عليه فيرميه بالسرقة، فالسارق تبه منه وينشر عليه هذه الصفة الذميمة، هذا بغي. وهكذا غيرها من صور البغي. «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم». فهذان أمران قد يعجل الله لصاحبهما العقوبة في الدنيا. قال رحمه الله تعالى: ولهذا مر معنا قوله عليه الصلاة والسلام: «المتسابّان ما قال قال، فعل البادئ ما لم يعتدي المظلوم». هنا يحصل البغي. مر معنا أن من صفات المنافقين أربع، من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، وذكر منهن: «وإذا خاصم فجر». وإذا خاصم، أي غيره، اختلف مع زميله، يسلك مسلك الفجور في الخصومة، ومسلك الفجور في الخصومة هو سبيل البغي، هو سبيل البغي. لكن انظروا كيف أن ديننا يأمرنا بترك البغي، يأمرنا بالعفو وإصلاح ذات البين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، وأصلحوا ذات بينكم. وهكذا أيضاً ربنا عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وهذا الأسلوب «فأجره على الله» يدل على كثرة الأجر وعظيم الثواب عند الله عز وجل، ولم يذكر إلا في أعمال قليلة، كالعفو والإصلاح. وهكذا أيضاً في الصبر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وهكذا في الصوم: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، وأنا أجزي به». قال رحمه الله تعالى: قال: وعن عياض بن حمار رضي الله عنه التميمي، أحد الصحابة الأخيار رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، أن تواضعوا، حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد». قال: رواه مسلم. قال أهل اللغة: البغي التعدي والاستطالة. ومن أعظم الاستطالة التي تكون يا إخوان على أعراض المسلمين، والعرض كما سبق معنا هو موضع المدح والذم من الإنسان، من الإنسان. هنا يقول: «إن الله أوحى إلي»، أي أمرني بماذا؟ بأن نتواضع، وأن لا نترفع ولا نتفاخر ولا نتكبر. «أن تواضعوا»، لماذا؟ لأن من ترك التواضع هنا سيبغي على الآخرين، سيبغي على الآخرين. «حتى لا يبغي أحد على أحد»، ﴿أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. هذا عربي، وهذا حبشي، وهذا رومي، وهذا فرنجي، وهذا فارسي، وهذا إلى غيرها، وقبائل: هذا من بني فلان، وهذا من بني فلان، وهذا من بني فلان. لماذا يا رب؟ قال: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾، لكي يحصل التعارف بسبب هذه النسبة إلى الشعوب أو إلى القبائل. لكن الميزان عند الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ولهذا ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن بلال الحبشي، وأنه عليه الصلاة والسلام حين أن دخل الجنة لم يأتي موضعاً إلا وسمع خشخشته، أو خشخشة نعل بلال. بينما ربنا عز وجل ذكر في القرآن الكريم أن عم النبي، أبا لهب، أنه من أهل النار، مع أنه قرشي هاشمي جميل المنظر إلى غيرها. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. قال: «حتى لا يبغي أحد على أحد». حين أن يستصغر الآخرين ويتنقص المسلمين، قد يجره ذلك إلى أن يعتدي عليهم ويبغي عليهم. «ولا يفخر أحد على أحد»، لا يفخر بنسب، ولا بجسد ولون، أو بمال وولد، أو بغيرها من الأمور. وإنما لا بأس أن يتحدث المسلم بنعمة الله عز وجل عليه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم». بضم الكاف، فهو أهلكهم. قال: رواه مسلم. قال: الرواية المشهورة «أهلكهم» برفع الكاف، وروي بنصبها «أهلكهم»، أي كان سبباً في إهلاكهم. قال: وهذا النهي لمن قال ذلك عجباً بنفسه وتصاغراً للناس وارتفاعاً عليهم. قال: فهذا هو الحرام. يقول: انظر الناس ضائعين، الناس فاسدين. طيب، أنت فلربما تنقصه للآخرين يؤدي إلى تزكيته لنفسه. وهكذا أيضاً ماذا؟ افتخاره على غيره، فهذا لا يجوز. قال: وأما من قاله لما يرى في الناس من نقص في أمر دينهم، وقاله تحزناً عليهم، نصيحة لهم، وهكذا يرثي لحالهم، ولا يستثني نفسه منهم. قال: «وقاله تحزناً عليهم»، أي أسفاً عليهم وحزناً على ما آل إليه أمرهم، قال: وعلى الدين، فلا بأس به. هكذا فسره العلماء وفصلوه، وممن قاله من الأئمة الأعلام: مالك بن أنس، والخطابي، والحميدي، وآخرون. وقد أوضحته في كتاب الأذكار، وكتاب الأذكار كما سبق معنا كتاب عظيم نافع للإمام النووي رحمه الله تعالى. وهناك رواية أخرى عند أبي نعيم كما في حلية الأولياء: «فهو من أهلكهم»، أي من أشدهم هلاكاً. وهذا فيه أن ذكر عيوب الناس سبب من أسباب إشاعة الفاحشة التي تأتي بالهلاك والدمار. لكن إن تحدث ببعض ذلك على سبيل النصيحة والتنبيه، لا على سبيل الافتخار والتزكية، فلا بأس بذلك. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم