كتاب الصلاة 17

كتاب الصلاة 17

الدرس في كتاب الصلاة 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة الصحيحة

يروي حديث أبي هريرة قصة رجل دخل المسجد وصلى دون إتقان، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة الصحيحة بإسباغ الوضوء واستقبال القبلة والتكبير والطمأنينة في الركوع والسجود. أمر النبي الرجل بإعادة الصلاة ثلاث مرات حتى أتقنها.

أهمية الطمأنينة في الصلاة وأداؤها بشكل صحيح

يشرح المقطع أهمية الطمأنينة في الصلاة ويبين كيفية أدائها بشكل صحيح من خلال قصة رجل تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة مع الطمأنينة في الركوع والسجود. يؤكد على وجوب الطمأنينة كركن من أركان الصلاة.

أحكام متعلقة بالنسيان أو النوم عن الصلاة

من نسي صلاة أو نام عنها يجب عليه أن يصليها عند تذكرها، ولا كفارة لها إلا ذلك. يستدل على ذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد والمقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصل، ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ارجع فصلي فإنك لم تصلي. فرجع الرجل فصل كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعليك السلام»، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصلي، حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، علمني. قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير، قال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن رجلا دخل المسجد فصلى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية، وساق الحديث بمثل هذه القصة، وزاد فيه: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر». هذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الرجل الذي دخل فصلى ولم يحسن الصلاة، فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام كيف يصلي، وهو الحديث المشهور بحديث المسيء في صلاته. وقد جاء في عند ابن أبي شيبة أن اسمه خلاد بن أبي رافع. ففي هذا الحديث ذكر أبو هريرة رضي الله عنه قصة هذا الرجل الذي دخل المسجد والنبي عليه الصلاة والسلام فيه، فصلى كعادته، ثم جاء فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، ثم أمره أن يعيد الصلاة، قال: ارجع فصلي فإنك لم تصلي، يعني لم تصلي الصلاة المطلوبة منك؛ لأنه صلى صلاة لم يطمئن فيها، فكانت الصلاة غير صحيحة، فوجودها كعدمها. ارجع فصلي فإنك لم تصلي، أي على الحقيقة أنك ما صليت. فرجع الرجل وصلى كما كان يصلي؛ لأنه لا يعرف غير هذه الصلاة التي يصليها، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فسلم عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وعليك السلام». وهذا فيه استحباب إعادة السلام إذا لقي الإنسان شخصا، ثم قام من عنده ثم رجع إليه، فإنه يعيد السلام، بل يستحب السلام سلام المسلم لأخيه، وإن كان يمشي معه، ثم حجز بينهما حاجز أو فصل بينهما جدار أو شجرة أو نحو ذلك، فإنه يستحب أن يعيد عليه السلام، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ثم رجع الرجل ففعل ذلك ثلاث مرات: يصلي ثم يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويسلم عليه، ويرد عليه السلام، ويقول: إرجع فصلي فإنك لم تصلي. والنبي عليه الصلاة والسلام أمره بذلك حتى يتهيأ لمعرفة الصلاة الصحيحة وكيفيتها، فيكون ذلك أبلغ في فهمها وفي أدائها. فالرجل كرر الصلاة على حسب معتاد أن يصلي على هذه الهيئة وهذه الكيفية التي ربما يفعلها بعض الناس، تجده يصلي فلا يطمئن في الركوع ولا في الرفع من الركوع ولا في السجود ولا في الجلوس بين السجدتين، فينقر صلاته نقرا. وهذه الصلاة -يعني- وجودها كعدمها؛ لأن طمأنينة كما سيأتي واجبة، بل هي ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقبل الله صلاة رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود». ولما رأى ابن مسعود رضي الله عنه رجلا يصلي ينقر صلاته نقرا، قال: لو مات هذا على هذه لمات على غير ملة محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يصلي صلاة لا يطمئن فيها، ليست هذه هي الصلاة التي علمنا النبي صلى الله عليه وسلم. فلهذا قال له الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، فعلمني. علمني كيف أصلي الصلاة الصحيحة. وهذا في أن الإنسان إذا جهل شيئا من أمور الدين فينبغي أن يسأل، ينبغي أن يسأل، ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما شفاء العي السؤال». فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام كيف يصلي، وبين له واجبات الصلاة. فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر». وفي رواية أخرى: «فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر»، يعني توضأ وضوءا كاملا بإسباغ الوضوء وإعطاء كل عضو حقه من الغسل، ثم استقبل القبلة؛ لأن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، قال: ثم كبر، أي تكبيرة الإحرام. ثم قرأ ما تيسر معك من القرآن، والمراد بها قراءة الفاتحة، قراءة الفاتحة. وقد جاء الحديث مطولا في السنن، سنن أبي داود والترمذي، من حديث رفاعة بن رافع، وفي أنه أمره بقراءة الفاتحة. قال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا»، أمره أن يركع ويطمئن في الركوع. وضابط الإطمئنان قدر تسبيحه، أن يطمئن في ركوعه قدر تسبيحه، قوله: سبحان ربي العظيم. وما زاد على ذلك هو مستحب. قال: «ثم ارفع حتى تعتدل قائما»، يعني يرفع من الركوع ويستقيم حتى يرجع كل عظم إلى محله، فيعتدل قائما مستقيما. قال: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا»، يسجد على أعضائه السجود السبعة، ويطمئن في سجوده، ثم يرفع حتى يطمئن جالسا، يعني بين السجدتين، يطمئن في الجلوس بين السجدتين. قال: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، يعني تطمئن في القيام وفي الركوع وفي الاعتدال وفي الجلوس بين السجدتين. فهذه كلها أركان من أركان الصلاة. فاستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن ما أراد فيه فهو من واجبات وأركان الصلاة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علم هذا الرجل كيف يصلي. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فدل هذا على وجوب هذه المذكورات، وأنها من أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها. وهناك أيضا بعض الأركان ما ذكرت في هذا الحديث، كالتسليم مثلا، فالسلام من أركان الصلاة، لقول عليه الصلاة والسلام: «مفتاحها الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». وهكذا التشهد الأخير. وهذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، والصواب أنها من أركان الصلاة، بخلاف المذكورات في هذا الحديث، فهي -يعني- متفق عليها. إلا أن الحنفية قد خالفوا في وجوب الطمأنينة، وجماهير أهل العلم على أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، لهذا الحديث والحديث الأخرى، الدالة على أن الصلاة لا تصح إلا بالطمأنينة، فلا بد منها حتى تصح صلاة المصلي. فهذا الحديث رفق النبي عليه الصلاة والسلام، حسن تعليمه، فعلم هذا الرجل من غير أن يشنع عليه أو يقص عليه، بل علمه برفق ولين كيف يصلي صلاة صحيحة. وفيه كذلك أيضا أن من جهل الحكم الشرعي فأدى الواجب على غير وجه الصحيح جهلا، فإنه إن فات وقت هذه العبادة فلا يلزمه بإعادتها، وإنما يعيد ما كان وقته حاضرا. فهذا الرجل صلى صلوات عديدة على هذا الوصف وهذا الحال من غير طمأنينة، ولم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإعادة هذه الصلوات؛ لأنه قد فات وقتها، وإنما أمره أن يعيد الصلاة الحاضرة. فدل هذا على أنه إذا فعل العبد العبادة جهلا على وجه غير صحيح، وقد فات وقتها، فإنه لا يلزمه أن يعيدها، بخلاف ما إذا كان الوقت باقيا، فإنه يعيد هذه العبادة، إلا إذا كان ما تركه من باب المأمورات -يعني- من الواجبات والمأمورات، فإنه يعيدها ولو خرج وقت الصلاة. ولو خرج وقت الصلاة إذا كان ذلك على جهة النسيان -يعني- لو نسي مثلا أن يتوضأ أو نسي عضوا من أعضاء الوضوء وصلى، ولم يذكر إلا بعد انتهاء وقت الصلاة، مثلا صلى الظهر بغير وضوء، ثم ذكر في العصر أنه صلى بلا وضوء، فهنا يعيد الوضوء والصلاة؛ لأن هذا كان على جهة النسيان، وليس على جهة الجهل بالحكم. وإذا كان على جهة النسيان فإنه يعيد الوضوء والصلاة، ويذل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.