الدرس في كتاب الصلاة 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قراءة رجل خلفه، فبين الحديث جواز القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية. يشرح الحديث حكم قراءة المأموم خلف الإمام.
ينهي الحديث المأموم عن الجهر بالقراءة خلف الإمام، بل يسر بها كما يسر الإمام. يستحب قراءة أوساط المفصل في صلاة الظهر والعصر.
النية الحسنة وحدها لا تكفي لصحة العمل، بل يجب أن يكون العمل موافقا للشرع وطريقته. حتى لو كان الإنسان يريد الخير، وإلا فإنه قد يخطئ في الطريق أو العمل.
يعود الحديث إلى سند آخر يصرح فيه قتادة بالسماع، مما يعزز صحة الرواية. يتم التأكيد على أهمية هذا السند في إثبات السماع المباشر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج بن الشاعر، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن أبي عوانة، قال سعيد: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفي، عن عمران بن حصين، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر أو العصر، فقال: أيكم قرأ خلفي ﴿بسبح اسم ربك الأعلى﴾؟ فقال رجل: أنا، ولم أرد بها إلا الخير. قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفي يحدث عن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه ﴿بسبح اسم ربك الأعلى﴾، فلما انصرف، قال: أيكم قرأ؟ أو أيكم القارئ؟ فقال رجل: أنا. فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، كلاهما عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، بهذا الإسناد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر، وقال: وقد علمت أن بعضكم خالجنيها. في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بالصحابة رضوان الله عليهم صلاة الظهر أو العصر، يعني إحدى صلاتي العشي التي يسر فيها بالقراءة، الظهر أو العصر، وكان ممن صلى خلفه رجل، فقرأ خلف النبي عليه الصلاة والسلام ﴿بسبح اسم ربك الأعلى﴾، فقال رجل: أنا، ولم أرد بها إلا الخير. فقال عليه الصلاة والسلام: «قد علمت أن بعضكم خالجنيها». ومعنى خالجنيها أي نازعني في القراءة. فهذا الحديث فيه أولا نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف الإمام، أن المأموم لا يجهر بالقراءة خلف الإمام، بل الذي ينبغي له أن يسر بالقراءة كما يسر الإمام، وخاصة في الصلاة السرية، كالظهر والعصر، وركعتين الأخيرتين من العشاء، وركعة الأخيرة من المغرب، فيسر فيها بالقراءة، لا يجهر ويرفع صوته بالقراءة؛ لأن هذا مما يشوش على الإمام، وأيضا فيه تشويش للمأموم على من بجانبه، إذا كان المأموم يرفع صوته، فسيشوش القراءة على من بجانبه، فلا ينبغي له أن يرفع صوته بالقراءة، بل يسر ويقرأ في نفسه. وكذلك في الصلاة الجهرية كذلك، فإنه يسر بالقراءة إذا قرأ الفاتحة، والمأموم كما مر معنا لابد أن يقرأ الفاتحة حتى في الصلاة الجهرية، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فإذا قرأها فإنه يسر بالقراءة، ما يجهر بها، يسر بالقراءة. وفيه كذلك أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الظهر والعصر بأوساط المفصل، كـ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، والسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحوها من السور. بدءا النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الصلاة كان يقرأ ﴿سبح باسم ربك الأعلى﴾، وكان من خلفه يقرأ بها ويجهر بالقراءة، فنازع النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته. فدل هذا لأنه كان يقرأ عليه الصلاة والسلام ﴿بسبح اسم ربك الأعلى﴾، وهذا هو المستحب في صلاة الظهر والعصر أن يقرأ بأوساط المفصل، ويجوز أحيانا ويستحب الإطالة كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقرأ أحيانا في الظهر بقدر سورة السجدة، قدر ثلاثين آية. وكذلك أيضا في هذا الحديث أن الإنسان قد يريد الخير، لكن يخطئ في الطريق، وكذلك يخطئ في العمل، وكونه يريد الخير هذا لا يصحح عمله إذا كان مخالفا للشرع، فهذا الصحابي الذي جهر بالسورة في قراءته قال: ما أردت بها إلا الخير، ومع ذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعل ذلك؛ لأن هذا مما ينهى عنه المأموم، فلا يفعل مثل ذلك. فليس كل شيء ظاهره الخير يعتبر من الخير حتى يكون موافقا للشرع، حتى يكون موافقا للشرع. ولهذا أنكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على أولئك الذين كانوا يتحلقون حلقا في المسجد، ويجعلون على كل حلقة رجل يقول: سبحوا مئة، وهللوا مئة، وكبروا مئة. فأنكر عليهم رضي الله تعالى عنه كما في «سنن الدارمي»، أنكر عليهم هذه الكيفية في التسبيح والتكبير والتحميد، أنه لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: ما أردنا إلا الخير. قال: «كم من مريد للخير لم يدركه». إذا أراد الإنسان الخير فلابد أن يأتيه من بابه، أن يكون هذا الخير مما جاءت به الشريعة وأذنت به، وإن كان أصله مشروعا فلابد أن تفعله بكيفيته وطريقته الذي أذن بها الشرع، والتي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فكما قال رضي الله عنه: «كم من مريد للخير لم يدركه»، أو لا يدركه. وأورد الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث بهذا السند الأول، وفيه عنعنة قتادة، وقتادة مدلس، وفي هذا السند قال قتادة عن زرارة بن أوفي، ثم ساق السند الآخر، وفيه تصريح قتادة بالسماع، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفي. فلهذا عاد الحديث بهذا السند الآخر الذي فيه تصريح قتادة بالسماع. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.