الدرس في كتاب الصلاة 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استدل المؤلف بحديث أنس بن مالك على عدم الجهر بالبسملة في الصلاة، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحد الروايتين عن أحمد، ويعتبر هذا القول هو الراجح. الإمام مالك قال بعدم الجهر بالبسملة ولا الإسرار بها.
يشرح حديث أنس بن مالك حول نزول سورة الكوثر ويستدل به على اعتبار البسملة آية من الفاتحة كما قال الإمام الشافعي وبعض السلف. يُذكر الحديث بروايات مختلفة ويُفسر معنى الكوثر بأنه نهر في الجنة.
يناقش حكم البسملة في بداية السور ويستدل على أنها ليست آية من الفاتحة ولا من كل سورة. كما يشرح حديث الكوثر وفضائل سورة الفاتحة وإثبات الحوض للنبي عليه الصلاة والسلام.
المقطع يتضمن دعاءً ليرزقنا الله الشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يختتم الدرس بالتأكيد على فضائل النبي والصلاة عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج بن الشاعر نيسابور القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر، ومحمد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة في هذا الإسناد، وزاد: قال شعبة، فقلت لقتادة: أسمعته من أنس؟ قال: نعم، سألناه عنه. هذا حديث أنس رضي الله عنه: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم، أي أنهم كانوا يجهرون في القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يجهرون بالبسملة. واحتج بهذا الحديث من قال بأنه لا يجهر بالبسملة، وأن البسملة ليست من الفاتحة، وهو قول أبي حنيفة ومالك، ورواية عن أحمد: أن البسملة ليست من الفاتحة. وكذلك أيضا أنه لا يجهر بها في القراءة، بل يسر بها في القراءة، إلا أن الإمام مالك قال: لا يجهر بها ولا يسر. قال إمام مالك: لا يجهر بها ولا يسر، فأنس صلى خلف النبي عليه الصلاة والسلام، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فلم يسمع أحدا منهم يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم، يعني في الصلاة في قراءة الفاتحة، لا يذكرون البسملة، لا يجهرون بالبسملة. وهذا أيضا قول هؤلاء الخلفاء الراشدين: أن البسملة لا يجهر بها في الصلاة. وهذا القول هو الراجح، وهذا هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وفعل أكابر الصحابة رضوان الله عليهم كأبي بكر وعمر وعثمان، فلم يكونوا يجهرون بالبسملة. وسيأتي -سيذكر المؤلف رحمه الله- بعض الأحاديث أو حديثا ممن احتج به من قال بقراءة الفاتحة والجهر بها. ثم ذكر في هذا السند الثاني فيه تصريح قتادة بالسماع من أنس، في الرواية الأولى لم يصرح بسماعه من أنس، فذكر هذا السند الآخر الذي فيه تصريح قتادة بالسماع، قال شعبة: قلت لقتادة: أسمعته من أنس؟ قال: نعم، سألناه عنه. قال: وحدثنا محمد بن مهران الرازي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي عن عبدة: أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وعن قتادة: أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه، قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها. وقول الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا محمد بن مهران، قال: حدثنا الوليد، قال: حدث الأوزاعي عن عبدة: أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يعني في دعاء الاستفتاح، أنه كان يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وهذا السند يعني منقطع، فعبدة بن أبي لبابة لم يسمع من عمر. والإمام مسلم يعني ساق هذا الحديث ولم يرد خبر عمر وأثر عمر، وإنما أراد ذكر حديث أنس، فذكر أثر عمر عرضا لا قصدا. وأثر عمر قد روي موصولا عند ابن أبي شيبة والبيهقي والدارقطني من طرق عن الأسود بن يزيد، قال: صليت خلف عمر بن الخطاب، فسمعته يقول -وذكر هذا الدعاء- كما ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء. ثم ذكر حديث أنس: أنه صلى خلف النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، أي في الصلاة في قراءة الفاتحة، يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها. قال: وحدثنا محمد بن مهران، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، قال: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك. قال: وحدثنا علي بن حجر السعدي، قال: حدثنا علي بن مسهر، قال: أخبرنا المختار بن فلفل عن أنس بن مالك. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة -واللفظ له- قال: حدثنا علي بن مسهر عن المختار عن أنس، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: ربي إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك. قال جاد بن حجر في حديثه: بين أظهرنا في المسجد، وقال: ما أحدث بعدك. قال: وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: أخبرنا وكيع عن فضيل عن مختار بن فلفل، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة -بنحو حديث ابن مسهر- غير أنه قال: نهر وعدنيه ربي عز وجل في الجنة عليه حوض، ولم يذكر آنيته عدد النجوم. هنا ساق الإمام مسلم رحمه الله حديث أنس في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بنزول سورة الكوثر عليه، قال: بينما نحن ذات يوم بين أظهرنا -أي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم- فأغفى إغفاءة -يعني نام نومة أو نعسة- ثم رفع رأسه متبسما، فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخرها. ثم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام: ما الكوثر؟ أو قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فأخبر أنه نهر وعده الله عز وجل إياه. وهذا الحديث استدل به من قال بأن البسملة آية من الفاتحة، أن البسملة آية من الفاتحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بأن الله عز وجل أنزل عليه سورة الكوثر قرأ البسملة، قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قالوا: هذا يدل على أن البسملة تعتبر آية من كل سورة، ومنها الفاتحة، تعتبر آية من كل سورة ومنها الفاتحة. وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله، وقال به بعض السلف. والأرجح والله أعلم: أن البسملة إنما يؤتى بها أو تقرأ لافتتاح السور، وليست آية من الفاتحة ومن كل سورة، ليست آية من الفاتحة ولا من كل سورة. ويدل على ذلك حديث أبي هريرة في قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي». الحديث هنا لم يذكر البسملة، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرت أول ما ذكر من الفاتحة: الحمد لله رب العالمين، فدل أن البسملة ليست بآية. ومن قال بأنها آية استدل ببعض الأحاديث، منها ما هو صحيح وليس بصريح كهذا الحديث، هذا الحديث صحيح لكن ليس بصريح بأن البسملة آية من سورة الكوثر أو كذلك من سورة الفاتحة. ومنها ما هو صريح لكن ليس بصحيح، كحديث أم سلمة بالسنن: أنها ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وذكر البسملة، وقالت: وعدها آية. لكن الحديث ضعيف لا يصح. والحديث ضعيف لا يصح، وأحاديث عدم ذكر البسملة صحيحة، وكذلك أيضا أكثر صراحة في الدلالة على أنها ليست بآية. وعلى كل فقد قال بهذا جمع من أهل العلم، وقال بالقول الآخر كذلك جمع من أهل العلم. وفي هذا الحديث كذلك فضيلة هذه السورة التي أنزلت على النبي عليه الصلاة والسلام، وفيها ما خص الله عز وجل بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من إعطائه الكوثر. وبين نبي عليه الصلاة والسلام أن الكوثر نهر وعده الله عز وجل إياه في الجنة، وهو يمد بميزابين من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من فضة، كما ورد في الأحاديث. وكذلك يصبان في حوض النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وهو يعني خير كثير، نهر وعده ربي خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي. أن الكوثر نهر يصب من الجنة في حوض النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك إثبات الحوض، وهو مجمع الماء الذي أكرم به النبي عليه الصلاة والسلام، وتسقى منه أمته يوم القيامة. وبهذا قال أهل السنة والجماعة، خلافا لمن أنكر ذلك من أهل البدع والأهواء، كالمعتزلة وغيرهم. وأن هذا الحوض عظيم وكبير، فآنيته عدد نجوم السماء. وهذا يدل على عظم هذا الحوض. وثبت في الأحاديث الصحيحة: أن طوله مسيرة شهر، وعرضه مسيرة شهر، وآنيته كعدد نجوم السماء. ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. وفيه كذلك أنه ناسا يذادون عن الحوض ويمنعون من الشرب من حوض النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمتي، يعني هؤلاء من أمتي»، فيقال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، كما جاء في الروايات الأخرى والأحاديث الأخرى: أنهم غير وبدلوا. فيقول عليه الصلاة والسلام: «سحقا سحقا لمن غير وبدل». وهؤلاء الذين يذادون من ارتد عن الإسلام، وكذلك أيضا أهل البدع والأهواء، فإنهم يذادون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم. وكما قال ابن القيم رحمه الله: أن الحوض حوضان، حوض في الدنيا وحوض في الآخرة. أما حوض الدنيا فهي سنة النبي عليه الصلاة والسلام وشريعته، فمن نهل من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ومنها، فإنه سيرتوي من حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. ومن لم يرتوي منها ولم يرفع بها رأسا، وخالفها وعارضها، فسيحرم من الارتواء من حوضه عليه الصلاة والسلام يوم القيامة. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يرد حوض النبي صلى الله عليه وسلم ويشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.