الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 66، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
حذر السلف من مخالطة المبتدعين الداعين إلى بدعهم كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان لما تسببه من ضرر بالدين وعمى للقلب. وبين أن النهي مختص بمن ظهرت بدعته ودعا إليها مشروطاً بالعلم والتقوى والبصيرة ولا يعم جميع الناس.
أكد المقطع أن من أصول أهل السنة ترك مجالسة أهل الأهواء لأن مصاحبتهم دليل ميل القلب إليهم بينما لزوم أهل السنة علامة الاستقامة. واستشهد بقصة يوسف بن أسباط الذي أنقذه الله بصحبة سفيان الثوري داعياً للتمسك بأهل السنة القلة في هذا الزمان.
بين المتحدث أن العيش بين أهل السنة نعمة عظيمة تحفظ العبد من المنكرات وتقي القلب الغفلة لإقامتهم شعائر الله ونصحهم للمخطئ. ومن خرج من بينهم أنكر قلبه المخالفات فثبات العبد بينهم دليل على أن الله أراد به خيراً كما نجا يوسف بن أسباط.
اختتم المجلس بالاكتفاء بما ذكر من الفوائد والنصائح المتعلقة بأهل السنة والبدع. ثم ردّد الحاضرون دعاء كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.
بسم الله الرحمن الرحيم أخذنا في باب التحذير من مجالسة أهل الأهواء والبدع، وذكر أسماء أعيانهم من السلف الصالح رحمهم الله، وأنهم لم يروا في ذلك أنه من الغيبة؛ لأنه من باب النصح لله ولرسوله ولأمة المسلمين وعامتهم. وهذا الباب حتى لا يفهم بعض إخواننا أنه على إطلاقه، فهذا الأمر كما تقدم أنه احتاج إلى بصيرة، احتاج إلى علم، احتاج إلى تقوى، احتاج إلى ورع؛ لأن الأصل في أعراض المسلمين الحرمة. ثم إن السلف تكلموا في أشخاص بأعيانهم ظهرت بدعتهم وجاهروا بها، فإذا جاهروا وأظهروا تلك البدع صاروا دعاة لها، ووجب التحذير من هؤلاء. فيفهم هذا من الأدلة أن النبي عليه الصلاة والسلام حذر أناسا بأعيانهم وسماهم، وذلك لخطورتهم على المسلمين. وهذا الأمر أخذه العلماء بعين الاعتبار، وكانوا محذرين من أناس بأعيانهم لما أظهروا البدع بين الناس وجاهروا بها، كالجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وثور، وهكذا أيضا بشر المريسي، وواصل بن عطاء، والكرابيسي، ونحوهم. هؤلاء كانوا دعاة وأظهروا تلك البدع، فلما أظهروها خاف العلماء على المسلمين انتشار البدع، كانوا يحذرون الناس من مجالستهم ويذكرونهم بأسمائهم حتى يحذرهم كل من لا يعرف. قال حفظه الله: بهذا الباب قال سلمة بن علقمة رحمه الله: كان محمد بن سيرين ينهى عن الكلام ومجالسة أهل الأهواء. مجالسة أهل الأهواء أي من عرف بأنه من أهل الأهواء، وكانوا ينهون عن الكلام معه وعن مجالسته. فإذا قيل: فلان من أهل الأهواء، فلان مبتدع، فلان ضال، وعرف، فلا يجالس. وليس أنك لا تجالس جميع الناس، ولا تتكلم مع الناس، وتحذر من جميع الناس، وتصير متشددا بذلك. لكن من أظهر البدع ودعا إلى البدع فهذا يحذر ويحذر منه. قال إبراهيم النخعي رحمه الله: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. وهذا قد جاء أيضا في الحديث: «يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية»، أي أنهم يرجعون على أعقابهم فلا يتمسكون بالسنن، حتى يكون آخرهم من يخرج مع الدجال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. لهذا يقول النخعي رحمه الله: إني أخاف أن ترتد قلوبكم، أي تنكر الحق وتتراجع عنه، وبعد ذلك يتمسكون بالبدع والمضلات والفتن حتى يخرجوا من الإسلام شيئا فشيئا، فلا يبقى معهم من الإسلام إلا أنهم يعيشون بين المسلمين، وربما ينطقون الشهادتين، فلا تراهم يتمسكون بالدين تمسكا حقيقيا، ولا يقيمون شعائر الإسلام كما يقيمها المسلمون. لهذا يخشى على من يجالس أصحاب الأهواء أنه يرجع شيئا فشيئا إلى الوراء، بعد أن كان متمسكا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يرجع ويترك ذلك كله. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: صاحب البدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه. فمن جلس إلى صاحب بدعة ورثه الله العمى، أي عمى القلب وعمى البصيرة. يورث ذلك من مجالسة أصحاب الأهواء والبدع الذين انتشرت بدعهم أو عرفت أهواءهم وميولاتهم. فأنت إذا جالست هؤلاء أو سرت معهم فإنك تنقلب من الحال الذي كنت عليه، وتصبح أعمى البصيرة. قال أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن خاقان رحمه الله: قال لي عمي، وسألته يعني أحمد بن حنبل عن الكرابيسي، فقال: مبتدع. أحمد رحمه الله الإمام المبجل، قال لما سئل عن هذا لم يخف، ويقال: هو إنسان طيب، هذا لا بأس به، بل قال: مبتدع. فإذا سئل العالم عن شخص وقد عرفه وعرف بدعته، يقول: لا حرج في ذلك أن يقول: فلان مبتدع. أنت كذلك إذا سمعت أهل العلم يقولون ذلك في فلان أنه مبتدع، وجاءك سائل، فقل: قال أهل العلم: فلان مبتدع ضال، وحذروا من مجالسته. قال عبدوس بن مالك العطار رحمه الله: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه، هنا ترضى عنه أي من باب الدعاء له لا من باب التحقيق، من باب الدعاء: رضي الله عنه أو يقال: رحمه الله. يقول: أصول السنة عندنا، وذكر منها: ترك الجلوس مع أصحاب الأهواء. إذن من أصول أهل السنة والجماعة التي يعرف بها السنة من غيره هو أنه إذا جالس أهل الأهواء والبدع لا يكون إلا مع أصحاب الأهواء والبدع، وإذا ترك أهل الأهواء والبدع قيل: إنه على السنة وأنه على خير. فإذن المماشاة والمسايرة والمصاحبة هذا دليل على أن في القلب شيئا، فلا تجد صاحب سنة يسير مع مبتدع، يسير مع منحرف، يسير مع صاحب هواء. ما يفعل هذا. السنة: مشيه ومجالسته ومصادقته ومصاحبته مع أهل السنة. والطيور كما قيل: «الطيور على أشكالها تقع». أنت شفت عصفور يعيش معه غراب؟ ما ترى عصفور يعيش معه غراب، ومعه حدأة؟ لماذا؟ لأنهم سيأكلونه، واضح سيأكلون هذا العصفور الصغير يذعر من كبار. وهكذا الأرنب ترى يعيش مع الأسود؟ ما يعيش معهم، لماذا؟ لأنهم ليسوا من شاكلته، ليسوا من بني جنسه. فالطيور على أشكالها تقع، وهكذا الحيوانات تسير مع أصحابها. وأنت كذلك: سني تكون مع أهل السنة قلبا وقالبا، صاحبهم وهكذا تزورهم. وهكذا المبتدع الذي يعرف في قلبه شيء، دائما زياراته إلى هؤلاء المنحرفين الضالين أهل البدع، يجلس معهم ويصادقهم، يتصل عليهم ويعزمهم وكذا وكذا. لهذا قال: أصول السنة عندنا، أصول السنة عند أهل السنة والجماعة: ماذا؟ ترك مجالسة أهل الأهواء والبدع. والطيور على أشكالها تقع. قال يوسف بن أسباط رحمه الله: كان أبي قدريا وأخوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان. يا سبحان الله! أبوه معه بدعة اسمها بدعة القدر، القدرية هؤلاء نفاة العلم، كما قال الشافعي: خاصموهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا. القدرية الذين أظهروا بدعة القدر في عهد الصحابة، في أواخر عهد الصحابة أظهروا هذه البدعة، يقولون: إن الأمر أنف، وينفون العلم عن الله سبحانه وتعالى. قال يوسف بن أسباط: كان أبي قدريا وأخوالي روافض. سبحان الله! عاش في منزل مليء بهؤلاء: روافض وقدريا. فأنقذني الله بسفيان، سفيان الثوري الإمام المبجل. فهذا سفيان أنقذ الله به يوسف بن أسباط، سار مع أهل السنة. وهذه نعمة من الله عز وجل: إذا وفقت لعالم سنة، وفقت كذلك لصديق من أهل السنة، أخ من إخوانك في الله من أهل السنة، هذه نعمة ينقذك الله به وينتشلك مما أنت فيه. فربما يكون البيت، أو يكون الجار، أو يكون الأقرباء، أو المجتمع الذي أنت تعيش فيه محاطا بأهل الأهواء والبدع. فمن نعمة الله أن تجد لك صديقا وصاحبا، أو أستاذا ومعلما وشيخا، ينقذك الله به من مضلات الفتن والأهواء. فتمسك بأهل السنة، فإن أهل السنة في هذا الزمان قليل، في هذا المجتمع قليل، تعدون بالأصابع إذا ما قورنتم بما حولكم في الناس. ماذا يقع أهل السنة في الناس الآن؟ لو قلنا في هذه البلاد: مئة، مئتان، ثلاثمئة، إنهم والله لقليل في الآلاف. لو قلنا في هذه البلدة: ألف من أهل السنة، أو قلنا: ألفين من أهل السنة. طيب، هذه البلدة فيها خمسون ألفا بتعداد سكانها، أو أكثر، بل تسعون ألفا. يعني البقية: البقية عوام، ومنهم أيضا فيهم المتحزبون، وفيهم كذلك المتصوفة، وغير ذلك من الفرق الموجودة في الساحة. فأهل السنة كما يقال يعدون بالأصابع، إنهم لقليل في كل بلد. تراهم هم الزبدة وهم الصفوة، القليل. لهذا الشخص ينبغي أن يحمد الله عز وجل إذا وفق إلى مكان فيه أهل السنة يقيمون شعائر الله التعبدية وغيرها على وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ما ستجد في مكان فيه صفاء وفيه نقاء وفيه سنة النبي عليه الصلاة والسلام تنتشر إلا في محيط أهل السنة، فإنها من نعم الله عز وجل. فعندما تخرج من هذا المكان إلى مكان آخر، قلبك ينكر على طول، تنكر ماذا؟ تنكر ما عند الناس من المخالفات، ما تراها بعينك أو تسمعها بأذنك. لهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى لك أن تعيش في محيط أهل السنة، مثل هذا المحيط الذي نعيش فيه، أسأل الله عز وجل الثبات. فهذه نعمة من الله عز وجل يحرص العبد عليها: أن يعيش بين أهل السنة مطمئنا مرتاحا، ويتقلب في السنة ليل نهار، لا معاصي، لا منكرات. هذه تعمر من رحمة الله عز وجل بالعبد: أنه يعيش بين أهل السنة وفي أوساطهم. وإذا أخطأ أو زل فهو ليس معصوما، ما أحد مننا معصوم. إذا أخطأ أحد مننا أو زل فإن إخوانه عنده يقيمونه وينصحونه، وهو يسمع أيضا، يسمع الآيات ويسمع الأحاديث وكذلك الخطب وغير ذلك، فيتعظ قلبه إذا غفل. إذا أخطأ يحاسب نفسه بنفسه عندما يسمع هذا بالتكرار، بالتكرار. وما منا إلا وعنده الخلل، وعنده التقصير، وعنده الخطأ، وعنده كذا وكذا. لكن لما نعيش بين أوساط أهل السنة هذه نعمة من الله عز وجل علينا، فينبغي أن نحمده عليها ونشكر عليها، أننا قلوبنا حية، ما تعيش بين أوساط وناس قلوبهم ميتة، لا ينكرون المنكرات: الأغاني وغير ذلك، والأشياء التي تسمعها في الليل والنهار، تسمعنا يصيح بنا وهذا يصيح بنا، والسب والشتم، وتضيع الصلوات، وغير ذلك، والله المستعان. فانظروا كيف هذا يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى أنقذه الله بمن؟ بسفيان. فكم كنا أيضا من قبل، لو واحد تذكر حاله في صباه، في شبابه، يعني ربما قد سار مع أصدقاء سوء، أو عاش في مجتمع فيه خلل، فيه تقصير، لكن بعد ذلك أنقذه الله عز وجل بأهل السنة، سواء كان صديقا، أو كان شيخا، أتى في محاضرة أو سمعه بنفسه وتأثر قلبه، ثم بعد ذلك اهتدى واستقام على طاعة الله عز وجل، وصار من أهل السنة يحافظ على السنن. فوالله هذا توفيق من الله سبحانه وتعالى لهذا العبد، وأن الله عز وجل أراد به خيرا، يعني أراد الله عز وجل بك الخير حيث أقبل بقلبك وأصبحت من أهل السنة، وتعيش بين أوساط أهل السنة، ذا لأولئك القوم الذين يحافظون على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتلون كتاب الله، وأيضا يعلمون سنة رسول الله، فيبقى قلبك حيا إلى أن تموت، إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى وأنت على سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.