شرح كتاب لم الدر المنثور 82

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 82، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

وجوب الدفاع عن السنة ودفع الشبهات

الدفاع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم واجب شرعي يُعد من الجهاد في سبيل الله، وقد قام به الصحابة والتابعون والعلماء عبر العصور. وبيّن الإمام أحمد أن الرد على أهل البدع بالحجة والبرهان أفضل من العبادة القاصرة على النفس؛ لأنه نفع متعدٍ للمسلمين.

فضل الرد على أهل البدع

الكلام في أهل البدع والرد عليهم يعد عبادة متعدية النفع، إذ يهدي الضالين ويحفظ الدين، وهو ما فعله علماء كإمام أحمد ويحيى بن معين. السكوت عن البدع يجعل العالم خصيماً لرسول الله يوم القيامة.

نشأة الوضع في الحديث وجهود الجرح والتعديل

نشأ الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم على يد أهل الأهواء، فتصدى علماء الحديث كالإمام شعبة ويحيى بن معين لنقد الرواة ورد حديث الكذابين. الجرح والتعديل لم يقتصر على ضبط الإسناد بل امتد لتحذير الأمة من أهل البدع والضلال.

وجوب تطهير سبيل الله ودفع العدوان

تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه من البغي والعدوان واجب كفاية متفق عليه بين المسلمين. قيام البعض به يسقط الإثم عن الباقين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والى، أما بعد. قال المؤلف حفظه الله: الدفاع عن السنة ودفع الشبه أمر واجب بالمجادلة الحسنة. وهذا الباب من أبواب العلم باب مهم جدا، باب الدفاع عن السنة يعتبر من الجهاد في سبيل الله. وكما يدافع عن دين الإسلام بالشوكة والسنان، أيضا يدافع عن هذا الدين بالحجة والبرهان من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فواجب على كل مسلم أن يدافع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما علم من الحق، فيدفع شبه المبطلين أهل الزيغ والانحراف، ويجادل بالتي هي أحسن: ﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾. فيجادل بالتي هي أحسن، فيدافع عن السنة. وهذا دأب العلماء الذين مشوا على هذا الطريق: الصحابة رضي الله عنهم دافعوا عن السنة، دافعوا عنها بكل ما أوتوا، دافعوا عن السنة، فدفعوا شبه وزيف أهل الباطل والانحراف. ظهرت تلك الفرق في زمانهم كالخوارج والقدرية ونحوهم، فدفعوا شبههم بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وهكذا أيضا التابعون وأتباعهم فعلوا ذلك، فدافعوا حينما ظهرت الطوائف وظهرت الفرق وظهر الانحراف عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى زماننا هذا والعلماء يدافعون عن السنة ويكتبون ويؤلفون في ذلك المؤلفات. منهم شيخنا مقبل رحمه الله رحمة واسعة، له مؤلفات في الرد على أعداء السنة، مثل «رياض الجنة في الرد على أعداء السنة»، كذلك كتاب «الإلحاد الخميني في أرض الحرمين». فكتب عديدة لهؤلاء العلماء رحمهم الله رحمة واسعة، لأن هذا أمر واجب، أمر واجب أوجبه الله سبحانه وتعالى على عباده أن يدافعوا عن دينه، يدافعوا ويدفعوا شبه المبطلين: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾. فجهاد النبي صلى الله عليه وسلم، وجاهد معه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فجاهدوا كذلك بالبرهان والحجة والبيان، فدمغوا شبه أهل الباطن سواء كانوا كفارا أو كانوا كذلك منافقين أو ممن ينتحل في هذا الدين. قال الإمام أحمد رحمه الله: «وإذا اشتغل بالصوم والصلاة واعتزل وسكت عن الكلام في أهل البدع، فالصوم والصلاة لنفسه، وإذا تكلم كان له ولغيره، يتكلم أفضل». يقول: الذي يشتغل بالعبادة مثل الصوم والصلاة ويعتزل الناس ويسكت، هذا ليس بأفضل من ذاك الذي يفعل ما يفعل هذا من صلاة وصيام، ولكنه كذلك يتكلم في أهل الأهواء والبدع، فهذا أفضل لأنه يدافع عن الدين ويعرف الجاهل، وكذلك الضال عن الطريق المستقيم يعرف الحق بكلام من تكلم ورد شبه أهل الباطل. وجاء في عبارة أخرى عنه: قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: «إذا صام وصل واعتكف فإنما هو لنفسه». يعني هذه الأمور من صلاة وصيام واعتكاف يعود نفعها على الشخص نفسه فقط، لأنه ما رد ولا تكلم في أهل البدع. قال: «وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين». هذا أفضل، هذا أفضل. يقول الإمام أحمد: هذا أفضل، الذي يتكلم في أهل البدع ويبين انحرافهم ويرد البدع، هذا أفضل لأنه يفعل ذلك للمسلمين لا لنفسه، دفاعا عن الدين، فينوي بذلك نفع المسلمين، فنفعه متعدٍ ليس قاصرا عليه فحسب. قال أحمد بن حنبل رحمه الله: «قد كنا نأمر بالسكوت، فلما دعينا إلى أمر ما كان بد لنا أن ندفع ذلك ونبين من أمره ما ينفي عنه ما قالوه». ثم استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾. هكذا العلماء يتكلمون إذا احتيج الكلام، فربما في وقت سكتوا ولم يتكلموا، وفي وقت تكلموا، فإذا احتيج إلى ذلك ردوا شبه أهل الباطل. وترى العلماء يصبرون، ليسوا بأهل عجلة، وإنما يصبرون على المخالف ويناصحون، ربما سرا وأنت لا تعلم، وأنت لا تعلم، خاصة من الذين تكون لهم صولة وجولة في المجتمع ويكون له تأثير على بعض الأتباع وبعض الناس، فيناصحون. فإذا طفح الكيل فإنهم يتكلمون ويردون علانية، ويردون هذا علانية. وفي الأمة خير، هناك علماء في هذا الباب، باب الجرح والتعديل ورد الشبه والزيغ والانحراف. مثال الشيخ ربيع حفظه الله، ذلك العالم الجهبذ، العالم الرباني الذي شهد له أقرانه ومشايخه وغيره، شهدوا له بذلك، العلماء الكبار شهدوا له بأنه في هذا الباب، باب الرد على أهل الأهواء والانحراف والزيغ. كذلك ممن كان قبله: مثال العلامة الألباني رحمه الله تعالى، له كلام نفيس في رد على أهل الأهواء. وأكد العلامة ابن باز، ابن عثيمين، وغيرهم العلماء في هذا. أيضا في زماننا شيخنا الفوزان حفظه الله، له أسئلة وأجوبة والرد على أهل الانحراف. قال يحيى بن معين رحمه الله، قرين الإمام أحمد: كان يهابه العلماء، المحدثون يهابون يحيى بن معين، أنه خبير بالرجال، يفحص الرجال، إذا تكلم في الرجال تكلم بحق، ويتكلم بعدل وإنصاف، لا تغلبهم الشهوة ولا ينجرفون وراء أنفسهم، وإنما يتكلمون دفاعا عن الدين وبيانا لأحوال الرجال، لأنهم يذبون الكذب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «لئن يكون خصمائي يوم القيامة يعني أهل البدع، خير من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركي الذب عن سنته». يقول: أي كأنه يتمثل يوم القيامة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ماذا ستفعل أنت يا من تعلم السنة ولا تذب الكذب عنها ولا تدافع عن السنة، بينما تسكت عن أحوال أهل الأهواء والبدع ممن تعرفهم من الرجال، تسكت عنهم؟ من سيكون خصمك؟ قال: سيكون خصمك رسول الله. فأيهما أهوى؟ أهوى أن يكون خصماؤك هؤلاء أهل الأهواء والبدع، ولا يكون خصمك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما لم تذب الكذب عن حديثي، عن حديثي، عن حديثي النبي صلى الله عليه وسلم؟ أنهم كانوا يفتشون عن الحديث في ذلك الزمان، فكان مطلوبا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشأ هناك أقوام الوضاعون والكذابون ونحوهم، نشأوا ويكذبون في بعض الأحاديث، بعضهم تأييدا لمذهبهم أو بدعتهم. فظهر فيهم القدرية، فكان في القدرية ممن يكذب، مثال عمر بن عبيد. وهكذا أيضا في المعتزلة: واصل بن عطاء. وهكذا أيضا في الجهمية: الجهم بن صفوان وغيرهم. هؤلاء كانوا يحدثون، يقولون: قال فلان، قال فلان، حدثنا فلان، وأخبرنا فلان، فيأتون بحديث كذب عن النبي صلى الله عليه وسلم. فتصدى لهم الرجال، تصدى لهم الرجال، وأول من فتش عن الرجال في العراق هو الإمام شعبة رحمه الله، فتش عن الرجال في العراق، يعني عن أحوال الرجال، حتى ينفوا الكذب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يقبلوا إلا حديث أهل الصدق، أهل الأمانة والديانة، ممن عرفوا بأنهم لا يكذبون في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. يحيى بن معين يقول: لأن يكونوا أولا خصماء يوم القيامة ممن تكلمت فيهم: فلان كذاب، يقول: فلان كذاب، فلان لا تأخذ حديثه، فلان ليس بشيء. هكذا يذبون الحديث، حتى إذا ما جاء بعد ذلك من لا يعرفهم، يقولون: قد تكلم فيه هذا يحيى بن معين، فيتوقفون في حديثه ولا يقبلون حديثه. وعلم كذلك هذا علم الإسناد، هذا علم الإسناد أيضا في ذلك الزمان، أيضا غير علم الإسناد تكلموا في الرجال من حيث العقائد: هذا فلان قدري، فلان كذا، لا تأخذوا عنه دين، كما يقول ابن سيرين: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». فتكلموا في هذا، فلا يختص علم الجرح والتعديل فقط بالإسناد، أي بالرجال ممن ماتوا، ممن قد ماتوا، أيضا بقي حفاظا لهذا الدين يتكلم فيه الرجال، يتكلم فيه الرجال دفاعا عن السنة، فيقال: فلان كذاب، فلان كذاب، يعني هذا لا يؤخذ عنه، فلان سفيه، فلان سفيه، فلان مبتدع، فلان ضال، فلان منحرف، فلان زائغ، لأجل أن يحذر الناس ما يأخذون الدين عن هذا. وهذه الأقوال عن أهل السبر، يعني أصحاب الخبرة، العلماء الذين يعرفون هذا، يتكلمون في ماذا؟ في الرجال. عندهم، عندهم ملكة، عندهم من الله عز وجل نور وبرهان، يتكلمون في هذا المجال. قال ابن تيمية رحمه الله: النصح واجب في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون، ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، يشمل هذا وهذا في الحديث وكذلك في المقالات. قال: وإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين. نقل هذا شيخ الإسلام: اتفاق المسلمين بيان حال أهل البدع، وإن لم يكونوا في الحديث، وإن لم يكونوا في الحديث النبوي، بل هذا عام. قال: إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين. واجب من واجبات الكفاية، يعني إذا قام به البعض فإنه يكفي البقية. فإذا واجب بالاتفاق، واجب كفاية، واجب كف