الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 19، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبيّن المقطع كيف كان السلف الصالح يحرصون على استثمار أوقاتهم في تدارس القرآن والسنة، معتبرين الوقت أغلى من المال. ويستعرض حديث «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، داعيًا إلى اغتنام الصحة في العبادة والعلم النافع والكسب الحلال.
يؤكد المقطع على أهمية استغلال نعمة الصحة في طاعة الله ومساعدة الآخرين، ونعمة الفراغ في العبادة والعلم النافع وإعانة الأهل. ويحذر من إضاعة الوقت في وسائل التواصل الاجتماعي واللهو، مشدداً على تنظيم الوقت ببرنامج يومي متوازن كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح المقطع كيف كان الصحابة يشعرون بقرب الآخرة عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينسونها عند الانشغال بالدنيا. فأرشدهم النبي إلى الموازنة بساعة للعبادة وساعة للحاجات المباحة، مع استغلال الصحة والفراغ في طاعة الله وعدم إضاعة الوقت في مجالس لا يذكر فيها الله.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء بأن يوفق الله الحاضرين لما يحب ويرضى، مستعرضاً ما تم تناوله من ذكر الله، والصلاة على النبي، والأحاديث، والأخبار، والقصص ذات العبرة. ويؤكد أن المؤمن يستفيد من هذه المواعظ في حياته، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال المؤلف حفظه الله تعالى في الباب الثالث عشر من الدر المنثور: «استغلال السلف للوقت في مدارسة العلم». يعني: كيف كان حال سلفنا الصالح رحمهم الله في مدارسة العلم؟ كانوا يستغلون الأوقات فيما بينهم في تدارس كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا زار بعضهم بعضًا، أو جلس بعضهم مع بعض في أي مناسبة كانت، فإن حالهم في ذلك هو استغلال الأوقات في تدارس العلم النافع. فيحرصون على الوقت أشد الحرص مما يحرص عليه الناس من الأموال ومتاع الحياة الدنيا. فكان الوقت عندهم ثمينًا، الوقت كان ثمينًا عند السلف الصالح، فلا يضيعونه ويذهب عليهم سدى، وإنما كانوا حريصين شدة الحرص على استغلاله، سواء كان في العبادة من صلاة نافلة، أو كان في تدارس العلم النافع. والعلم أيضًا عبادة وطاعة وقربة إلى الله جل وعلا، وهو من أفضل القربات. قال المؤلف حفظه الله: قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». هاتان النعمتان، وهي نعمة الصحة، كما قيل: لا يعرف نعمة الصحة إلا المرضى. الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يعرفها ولا يعلمها إلا المرضى. فمن مرض عرف نعمة الصحة والعافية، وكثير من الأصحاء لا يعلمون هذه النعمة إلا إذا مرضوا. فبعضهم يعرفها من جهة الأكل والشرب، يعني أنه إذا مرض لم يأكل ذاك الطعام ولم يشرب ذاك الشراب، فيتمنى لو كان صحيحًا أن يأكل وأن يشرب. هذه معرفة تعتبر معرفة قاصرة. وبعضهم يعرف نعمة الصحة ويتمنى الصحة لا من جهة الأكل والشرب، وإنما من جهة العبادة والطاعة، فهو يتحسر لو كان صحيحًا ليستزيد من الطاعات والقربات إلى الله سبحانه وتعالى. فإن المريض لا يستطيع أن يؤدي العبادة بالشكل المطلوب، فحال المرض يختلف عن حال الصحة، فربما صلى جالسًا أو مضطجعًا، وأيضًا خفف في الصلاة، فلا يكون حاله كحال ذلك الصحيح القوي الذي يستطيع إطالة الصلاة والقيام فيها. وهكذا أيضًا من جهة العلم النافع، لا يستطيع أن يقرأ كتابًا، فالصحيح عنده هذه النعمة والمريض ليست عنده هذه النعمة. لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس». يعني: مثل ذلك الذي غُبن في البيع والشراء، يخسر ما يربح. والناس هكذا، الأصحاء كثير منهم لا يستفيد من صحته، لا يستفيد من عافيته. أنت إذا أعطاك الله صحة وعافية، استغلها فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة. تستثمر هذه القوة والصحة إما في صلاة، إما في قراءة قرآن، إما في علم نافع، إما في عمل تتكسب منه وتحفظ ماء وجهك وترجو به أن يبلغك الله سبحانه وتعالى أمورا أخرى من الأمور الطيبة الأخروية التي تنفعك، وإما أن تتكسب لعيالك. وهذا فيه أيضًا أجر من الله سبحانه وتعالى، الذي يشتغل ويحتسب الأجر ويتكسب لأهله وينفق على أهله وقرابته وذويه. والنبي عليه الصلاة والسلام حث ورغب في ذلك: «من بات كالًا من عمل يده بات مغفورًا له». وهكذا الذي ينفق على أهله وعياله، يأجره الله عز وجل. ولن يأتي هذا إلا في حال الصحة، عندما تكون صحيحًا وتعمل وتتكسب وترجو بهذا رضا الله سبحانه وتعالى. فانظر إلى هذه النعمة العظيمة، حال الصحة عندما تكون معافى في بدنك: «من بات معافى في بدنه، آمنا في سربه، فكأنما حيزت له الدنيا». هكذا يقول عليه الصلاة والسلام: إذا عافاك الله وأعطاك الصحة والعافية وأنت مطمئن في بلدك وسربك، كأنما الدنيا كلها عندك، كأنما حيزت له الدنيا. فانظر إلى الصحة، كم من إنسان لا يستغلها في مرضاة الله سبحانه وتعالى، فتذهب عليه هذه النعمة دون احتساب الأجر، فربما ذهب مع المخدنين، وهكذا ضيع صحته، لا يعاون أحدًا، يعني لا يستفيد حتى بالمعاونة. لأنك أنت عندما تكون صحيحًا وتعين أخاك المسلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يصبح على كل سلامى من الناس صدقة، وكلمة طيبة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة». يعني: أنت أيها القوي، أيها الصحيح، إذا أعطاك الله عز وجل القوة، أعن غيرك بهذه القوة. فالصحة هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى ينبغي أن تستغلها، لا تجعلها تذهب عليك سدى، يعني في حال حياتك وصحتك ووقتك ويومك تستغلها فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: الفراغ. يعني: ما عندك شغل. إذا عندك فراغ، أعطاك الله عز وجل فراغًا، ما شُغلت بشيء، لا تجعل هذا الفراغ أيضًا يذهب عليك سدى، يعني دون أن تستفيد منه في صحيفة أعمالك. فكيف تستغل الفراغ؟ تستغل الفراغ في العبادة، تستغل الفراغ في العلم النافع، تستغل الفراغ في إعانة آخرين، تستغل هذا الفراغ في إعانة أهلك. يعني: عندك فراغ كثير، أنت ما عندك شيء شغل يشغلك به. إذا شُغلت فذاك، لكن إذا لم تشغل وعندك فراغ، فلا تجعله يذهب عليك سدى، بل ينبغي عليك أن تحافظ على هذا الفراغ لأنه نعمة. كم من إنسان يتمنى أن يكون عنده وقت، يكون عنده وقت لكي يشغله فيما ينفعه ويقربه إلى الله جل وعلا. فالفراغ لا يذهب في النوم إلا إذا احتجت إليه، يعني إذا كنت متعبًا مرهقًا احتجت إلى النوم للتقوي على الطاعة والعبادة، فأنت تستفيد من هذا الفراغ الذي عندك. لكن ما عندك نوم، ولا عندك شغل، ولا عندك شيء، فماذا أنت تفعل بهذا الفراغ؟ هل تضيعه في القيل والقال، جلسة الدكك والمقاهي وغير ذلك، أو جلسة التلفاز، أو جلسة الجوال كما هو الحال اليوم؟ اليوم الحال يندى له الجبين، أشغلت كثير من الناس إلا من رحم الله، عنده فراغ لكن ما يأتي إلى القرآن ويفتح القرآن، ما يأتي إلى كتاب نافع، ما يستمع إلى شريط من أشرطة أهل العلم، أو حتى مثلًا إذاعة إذا كان هناك إذاعة فيها قرآن أو كذلك درس من الدروس. لا، يفتح الجوال ويتابع الأخبار، واتساب، فيسبوك، غيرها من هذه الوسائل، وسائل التواصل الاجتماعي، ويضيع الساعات، يجلس بالساعات ولا يشعر بالوقت الذي ضاع عليه في هذا. فلنتق الله عز وجل. كل شيء له وقته، يعني المسلم يجعل له في اليوم والليلة برنامجًا، يجعل له وقتًا، لا نحرم ما أحل الله عز وجل. فإذا كان عندك وقت للقراءة، وقت للمدارسة، وقت للصلاة، وقت لقراءة القرآن، خاصة طالب العلم لا ينبغي أن يشغل نفسه بالجوالات، يعني بوسائل التواصل الاجتماعي التي تضيع عليه الوقت. فوقتك ثمين يا طالب العلم، احرص. أنت الذي جئت من بلد بعيدة، جئت لتطلب العلم ولتتفرغ للعلم، فاجعل لك في اليوم والليلة برنامجًا، يعني أعطِ كل ذي حق حقه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة: قال له: «ولكن ساعة وساعة»، يعني حتى لا تمل النفس، حتى لا تمل النفس. يقول حنظلة: يعني لما قابل أبا بكر، كيف أصبحت؟ قال: نافق حنظلة. قال: وما ذاك؟ قال: نحن نكون عند النبي عليه الصلاة والسلام ويذكرنا، وكأن نرى الجنة والنار رأي عين، يعني ترق قلوبهم وتشوق للجنة وكأنهم يرونها بأعينهم. فقال: والله أنا مثلك. وقال: وإذا رجعنا وعافسنا الأزواج والضيعات نسينا، يعني نسينا أمر الآخرة، فنحن شغلنا بالزوجات، شغلنا بالأولاد، شغلنا بالأموال، الضيعات يعني يكسد المال سواء كان من غانم أو زارع أو نحوه. فقال: نذهب نسأل النبي عليه الصلاة والسلام. فذهبوا وشكوا له هذا، هذا مما يجدونه في صدورهم، الصحابة رضي الله تعالى عنهم. هذا دليل على الإيمان، أن المؤمن إذا رأى نفسه تاه في أمور الدنيا فإن نفسه تذكره، تقول له: أنت كذا، وأنت كذا، وأنت كذا. فذهبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشتكون ما يجدونه من هذا الأمر العظيم. إذا ذكروا بالآيات والأحاديث كأنهم في الآخرة عايشين، وإذا ذهبوا إلى أمور الدنيا نسوا الآخرة. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنتم كذلك لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة». يعني: أنت أحيانًا تجد هذا، فأنت الساعة التي تشتاق فيها لأمور الآخرة وتريد التقرب من الله سبحانه وتعالى تستغلها في هذا الأمر العظيم، لا تجعلها تذهب عليك، يعني تقرب من الله سبحانه وتعالى. وجدت نفسك منبسطة ومنشرحة فأنت تعطيها نهمتها من حظ الآخرة، وجدت نفسك نشاطًا تريد تصلي صلي، وهكذا تقرأ القرآن اقرأ، وهكذا أيضًا علم النافع تستغله. وجدت نفسك ملت قليلاً فإنك ماذا؟ فإنك تعطيها حظها. ولكن ساعة وساعة، يعني تتقلب بين هذا، بين هذا الأمر. إذا كان عندك أولاد، وإذا كان عندك مال تتابعه، ولأجل أن تحفظه ليعينك في أمر طاعة الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، فلا بأس بذلك. ولهذا قال أولئك النفر لقارون: قالوا له: «ولا تنسَ نصيبك من الدنيا، وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة». يعني: كلما آتاك الله عز وجل ووهبك إياه من نعمة، سواء كانت مالًا أو صحة وغير ذلك، ابتغِ بها الله والدار الآخرة، ولا تنسَ نصيبك من الدنيا. أنت عايش في الدنيا، يعني تأتي عليك أوقات، لا تنسَ نصيبك منها فيما يروح عليك، فيما يروح عليك هذه النفس التي تمل. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا». يعني: أعطِها طاقتها، وأعطِها نشاطها. فإذاملت وكلت عن ذلك الأمر وهو عبادة الله وطاعته، فإنك تعطيها شيئًا من حظ، من حظ الدنيا الذي ليس فيه معصية لله سبحانه وتعالى. والشاهد من الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن الصحة والفراغ نعمتان من الله سبحانه وتعالى، لكنهما يخسرهما كثير من الناس، كثير من الناس ما ينتبهون لهما ولا يستغلونهما وتضيع عليهما. فأنت لا تجعل كل الوقت يضيع عليك في شيء من الدنيا، وإنما يجعله ساعة وساعة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فيما يقربك إلى الله عز وجل والدار الآخرة. حتى إذا جلست مجلسًا بعد مجلس العلم، جلست أنت وأصدقاؤك، أنت وأصحابك، اجعل هذا المجلس فيه شيء من المذاكرة، فيه شيء من الملاطفة، فيه شيء من ترويح، من ترويح النفس. لكن لا يطول ذلك المجلس بحيث يكون سدى، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما جلس قوم مجلسًا لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم من الله حسرة، أي نقص». وهكذا إلا قاموا عن جيفة حمار. ربما تتخلل هذه المجالس غيبة، غيبة والعياذ الله، بهذا. أنت تحرص على أن المجالس العادية أنها تتحلى بشيء من ماذا؟ من ذكر الله سبحانه وتعالى، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر شيء من الأحاديث، وذكر شيء من الأخبار، وذكر شيء من القصص التي فيها عبرة وفيها عظة، ويستفيد منها المؤمن في حياته. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين.