كتاب الصلاة 16

كتاب الصلاة 16

الدرس في كتاب الصلاة 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وتوضيح أهميته

يشرح الحديث أهمية قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، حيث نفى النبي صلى الله عليه وسلم صحة الصلاة لمن لم يقرأ بها. كما يتطرق إلى معاني اختصارات السند في الحديث.

أدلة وجوب قراءة الفاتحة وآراء الفقهاء

استدل جمهور العلماء على أن قراءة الفاتحة ركن لا تصح الصلاة بدونه، بينما اختلف الحنفية وجماعة مع هذا الرأي مستدلين بأمر النبي للأعرابي بقراءة ما تيسر من القرآن.

حكم قراءة الفاتحة للمأموم والإمام

يجب على المصلي قراءة الفاتحة في كل ركعة، ولا يكفي قراءتها مرة واحدة. كما يقرأ المأموم الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ، ويفصل بين قراءة الإمام وقراءة الفاتحة بالسكوت.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، جميعا عن سفيان. قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد الهلال، عن الزهري، محمد بن مسلم، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم -أن يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه صيغة من صيغ الرفع- فيقول الراوي: يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال: وحدثني أبو الطاهر، قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس. حاء. وحدثني حرملة بن يحيى: حاء. إيش معنى حاء؟ ها تحويل السند فقط، أو لا معنى آخر؟ ها، ها اختصار حدثنا أيضا، معنى ثالث: ها اختصار السند. تحويل السند ذكروا تحويل السند واختصار حدثنا، والثالث نعم اختصار الحديث. اختصار الحديث، فإذا ذكر المصنف السند، ثم قال: حاء، وحدثني، ذكر السند عن شيخ آخر، فهذا تحويل للسند. طيب، وإن قال: حدثنا فلان عن فلان، حاء فلان، معنى اختصار حدثنا. وإذا ذكر السند كاملا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاء، يعني اختصار الحديث. قال: حاء، وحدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن». قال رحمه الله: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن محمود بن الربيع، الذي مج رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه من بئرهم، أخبره أن عبادة بن الصامت أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن». قال: وحدثناه إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر بن راشد، عن الزهري بهذا الإسناد مثله، وزاد: فصاعدا. قال: وحدثناه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج -ثلاثا- غير تمام». فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. طيب، هذا الحديث -إن شاء الله- نجعله في الدرس القادم. هذا الحديث: عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه يخبر به رضي الله عنه عما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». في الرواية الأخرى: «بأم القرآن». والمراد بها الفاتحة، وسميت بفاتحة الكتاب لأنها أول سورة في القرآن. أول سورة في القرآن هي الفاتحة، وسميت بأم القرآن لأنها من أعظم وأفضل السور، كما سميت مكة بأم القرى لكونها من أعظم وأفضل القرى التي يجتمع إليها الناس من كل مكان. ففي هذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فلا صلاة له. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة»، هل هذا النفي للصحة أو للكمال؟ القاعدة عند أهل العلم أن النفي إذا ورد في النص الشرعي أول ما يحمل على نفي الوجود. أول ما يحمل على نفي الوجود، فإن كان موجودا فإنه يحمل على نفي الصحة. يحمل على نفي الصحة، فإن دل دليل على صحة هذا العمل فيحمل النفي على الكمال. فيحمل النفي على الكمال. فمثلا الآن، قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة» الذي يصلي ولا يقرأ بفاتحة الكتاب، هل الصلاة موجودة؟ الجواب: نعم. إذا ليس النفي هنا للوجود. فننتقل إلى نفي الصحة. هل هناك دليل يدل على أن الصلاة صحيحة إذا صلى ولم يقرأ بفاتحة الكتاب؟ الجواب: لا. إذن قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، أي: لا صلاة صحيحة. لا صلاة صحيحة. ومثال نفي الكمال قول عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». حديث عائشة في الصحيحين. هنا النفي للكمال. هنا النفي للكمال، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر الصلاة وهو يأكل من كتف شاه، فقام فترك الطعام وقام يصلي. فدل هذا على صحة الصلاة في مثل هذه الحال، فيكون النفي هنا نفيا للكمال. أي: لا صلاة كاملة، لأنه إذا قام يصلي وهو يدافعه الأخبثان -البول أو الغائط- فإنه سينشغل به ما عن الخشوع والتدبر، فتكون الصلاة ناقصة. طيب، إذا قول عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، أي: لا صلاة صحيحة. وبهذا استدل جمهور أهل العلم على أن قراءة الفاتحة في الصلاة ركن لا تصح الصلاة إلا به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى صحة الصلاة إذا لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وقال في هذا الحنفية وجماعة، فقالوا: لا يجب أن يقرأ بفاتحة الكتاب، بل يقرأ ما يتيسر من القرآن. واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام للأعرابي حين قال له عندما أساء في صلاته: «فاقرأ ما تيسر معك من القرآن». قالوا: لم يأمره بقراءة الفاتحة. لم يأمره بقراءة الفاتحة، فدل هذا على أن قراءتها ليست واجبة. وأجيب عن ذلك بأن المراد بقراءة ما يتيسر: الفاتحة، لأن الفاتحة هي من أيسر ما يقرأه المصلي. الفاتحة من أيسر ما يقرأه المصلي، فالمراد: فاقرأ ما تيسر من القرآن: الفاتحة. كما في هذا الحديث، ويكون حديث الأعرابي مطلقا ويقيد بحديث عبادة بن الصامت الدال على عدم صحة الصلاة إلا بقراءة الفاتحة. إلا إذا كان الإنسان لا يحفظ الفاتحة لكونه حديث عهد بإسلام، وهو كبير في السن مثلا، أو شيء نحو من ذلك من الأعذار التي يشق عليه فيها حفظ الفاتحة، فيقرأ ما يتيسر. يقرأ ما يتيسر من القرآن، ولو قرأ آيات من الفاتحة: «فاتقوا الله ما استطعتم». والله عز وجل يقول: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها». وإن كان يستطيع أن يحفظها، فهذا هو الواجب. الواجب عليه أن يحفظ الفاتحة حتى يقرأها في الصلاة. وهكذا أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، كذلك هل هذا الواجب وهذا الركن في كل ركعات الصلاة أم أنه يكتفي بقراءتها مرة واحدة؟ الجواب: أنه يقرأها في سائر ركعات الصلاة، سواء كانت رباعية أو ثنائية أو ثلاثية. لقوله عليه الصلاة والسلام للمسيء في صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فيقرأها في سائر ركعات الصلاة. طيب، إذا كان الإنسان مأموما، إذا كان المصلي مأموما يصلي خلف إمام، فهل يلزمه أن يقرأ بفاتحة الكتاب إذا كانت الصلاة سرية؟ إذا كانت الصلاة سرية كالظهر مثلا والعصر، وهكذا أيضا في ركعتين الأخيرتين من العشاء، والركعة الأخيرة من المغرب، فإنه يقرأها. فإنه يقرأها، وهذا قول أكثر أهل العلم، أو عامة أهل العلم. وأما إن كانت الصلاة جهرية، فهنا اختلف أهل العلم: هل يلزمه أن يقرأ بها أو يكتفي بقراءة الإمام؟ في هذا خلاف. الصحيح: أنه يلزمه قراءتها، ويدل على ذلك هذا الحديث: عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، يعم الصلاة السرية ويعم كذلك الصلاة الجهرية. ويعم الصلاة الجهرية. وأما حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، فهو حديث ضعيف، مداره على جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف جدا. لا يعارض هذا الحديث الصحيح. نعم، وكذلك صرح النبي عليه الصلاة والسلام لما صلى بأصحابه، ثم لبس عليه في القراءة، فلما انتهى من الصلاة سأل: «هل أحد يقرأ مع قراءته؟» فقالوا: نعم. فقال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب». قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب». ومعنى ذلك أن المأموم ولو كان يصلي خلف الإمام في الصلاة الجهرية، فإنه يقرأ فاتحة الكتاب. متى يقرأها في الصلاة الجهرية؟ له أن يقرأها قبل قراءة الإمام، إذا كان الإمام مثلا يتأخر في دعاء الاستفتاح، فله أن يقرأ قبل أن يقرأ الإمام. أو إذا كان يقرأ ويسكت بين الآيات، يفصل بينها بسكوت يمكنه أن يقرأ فيها الفاتحة، فيفعل ذلك. وإن لم يمكن، يقرأ بعد فراغه من قراءة الفاتحة، بعد أن يفرغ الإمام. يقرأ المأموم الفاتحة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.