الدرس في كتاب الإيمان 104، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث نبوي يتعلق برؤية الله يوم القيامة، حيث بين النبي ﷺ أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة دون مشقة أو زحام، مستدلاً برؤية الشمس والقمر.
وصف أحداث يوم القيامة ومرور الناس على الصراط، وتميز المؤمنين بآثار السجود التي تحميهم من النار، وخروج الموحدين من النار بعد عذابهم.
وصف نعيم آخر أهل الجنة دخولا ونعيم المؤمنين فيها، حيث يعطي الله المؤمنين مثل الدنيا وعشرة أمثالها، ويتمنى المؤمن ما يشاء ويكرم بمثله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مصر بن الحجاج، أبو الحسين، أن يسابور القشيري، رحمه الله، بصحيحة في كتاب الإيمان. قال: حدثني زهير بن حرب، وهو أبو خيثم النسائي، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وابن كثير، وابن زيد، أبو يوسف الدورقي، قال: حدثنا أبي، علي بن شهاب، مسلم بن شهاب، محمد بن مسلم، ابن عبد الله، ابن عبيد الله، ابن شهاب الزهري. من يذكر لنا شيئًا من أقواله؟ ما عبد الله بمثل التفقه في الدين. نعم، أيضًا التمسك بالسنة نجاء، وبث العلم ثبات الدين والدنيا. نعم، العلم خزائن، مفاتيحها السؤال. وفي لفظ: العلم كنوز، وفي لفظ: العلم كنوز، مفاتيحها السؤال. أيضًا العمائم تيجان العرب، والحبوة حيطانها. نعم، والحبوة حيطانها، يعني كانت تتكئ بها بدل الجدران. أيضًا العلم ذكر لا يطلبه إلا الذكور، حياة العلم مذاكرته، وآفته النسيان. يعني العلم بمنزلة الذكر في الرفعة، فالذكر جنس الذكر أرفع من جنس الأنثى، يعني في الرفعة وفي المنزلة، فهو بمنزلة الذكر في رفعته وشرفه وتقدمه، لا يطلبه إلا الذكور، يعني إلا من كان متصفًا بهذا الوصف الذي له الشرف والمنزلة. نعم، أيضًا تذكرون شيئًا؟ ما شاء الله، هذا الجانب قوي، جانب اليسار ما فيه طيب. هات واحد بواحد، ما شاء الله. كان إذا نسي الحديث بكى. شافعي، ما له أني؟ نعم، شافعي، لعله ورد الأكثر من إمام. نعم، قال شافعي: لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة. أيضًا نعم، ذكر البخاري في ترجمته في التاريخ أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، يعني قدر شهرين وعشرين يومًا، أقل من ثلاثة أشهر. كنيته أبو بكر، نعم، وهو مشهور بالنسبة واللقب، يعني مشهور بابن الشهاب، والزهري الزهري نسبة للقبيلة، وابن الشهاب نسبة إلى أحد أجداده. وحيان يذكر باسمه، لكن حيان يقال: محمد بن مسلم، وحيان الزهري، وحيان بن الشهاب. أكثر شيء النسبة واللقب الزهري وابن شهاب. بقي شيء ما شاء الله خير كثير. قال عن عطاء بن يزيد الليفي، وهو المدني، نزيل الشام، أن أبا هريرة أخبره أن ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: «هل تضارون في رؤية القمر؟ سنقرأ الحديث ونعلق عليه؛ لأن الحديث طويل». قال: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه كذلك». القول: «لا تضارون في رؤية القمر»، تضارون: رؤية بالتشديد، ورؤية بالتخفيف. تضارون وتضارون، فبقراءة التشديد يكون المعنى: تضارون في رؤيته، يعني لا تزدحمون، لا تزدحمون في رؤيته، لا تحتاجون إلى زحام حتى ترونه، كما أنكم ترون القمر من غير زحام. يعني لما ترى القمر في ليالي البدر، الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، هل تزاحم في رؤيته؟ الجواب: لا، تراه في مكانك من غير مزاحمة، هكذا ترى الله عز وجل يوم القيامة من غير مزاحمة. وعلى رواية التخفيف: «لا تضارون»، يعني لا يصيبكم ضرر، لا يصيبكم ضرر في رؤيته، لا ضرر، يعني ولا تعب ومشقة في رؤيته. وهذا فيه دليل على إثبات الرؤية، وأن المؤمنين يرون الله عز وجل يوم القيامة. فالنبي ﷺ سئل: «هل نرى ربنا؟» فقال النبي ﷺ: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا. قال: «هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟» يعني لا هي غير مغطاة بالسحاب، هل يصيبكم في رؤيتها يعني زحام أو مشقة أو تعب؟ قالوا: لا. قال: «فإنكم ترونه كذلك»، يعني ترونه كما ترون الشمس والقمر. وهذا دليل صريح على إثبات الرؤية، وهذا التشبيه تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرء بالمرء، تشبيه للرؤية بالرؤية. فالنبي ﷺ شبه رؤيتهم للشمس والقمر برؤيتهم لله يوم القيامة، وليس التشبيه للمرء وهو الله جل وعلا للمرء وهو الشمس والقمر، فالله جل وعلا لا يماثله شيء، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. إذن تشبيهنا للرؤية بالرؤية، فالمراد بيان حقيقة الرؤية وثبوت الرؤية، وأنها رؤية بالعين، كما ترى القمر والشمس بعينيك، كذلك يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة بأعينهم. قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت». الشمس والقمر معروفان، وقد أخبر الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وهكذا أخبر الله عز وجل في قصة ملكة سبأ، لما أخبر الهدهد سليمان، قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فكانوا يعبدون الشمس. وهكذا أيضًا أخبر الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، فقول: «هذا ربي» على جهات الاستنكار، على جهات الاستنكار لهم وعبادتهم للشمس والقمر. ولهذا قال بعض أهل العلم هنا في هذا الموضع حذف همزة، والمعنى: «أهذا ربي؟ أهذا ربي؟» يعني كما تزعمون. فيوم القيامة يتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، من كان يعبد الشمس تبع الشمس، ومن كان يعبد القمر تبع القمر، ومن كان يعبد الطواغيت تبعهم. والطواغيت جمع طاغوت، والطاغوت كل ما عبد من دون الله، كل ما عبد من دون الله جل وعلا فهو طاغوت، فيدخل في ذلك الأصنام والشياطين وغيرهم من المعبودات. قال: «وتبقى هذه الأمة فيها منافقها، فيأتيهم الله تبارك وتعالى»، يعني بعد أن يتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، تبقى هذه الأمة، أمة الإسلام، وفيها منافقها، يعني مع المؤمنين المنافقون؛ لماذا؟ لأنهم كانوا في الدنيا يستترون بالإسلام ويظهرون الإسلام، فكانوا يصلون مع المسلمين ويصومون، فيبقون مع المسلمين حتى يفصل بعد ذلك بينهم وبين أهل الإيمان بذهاب أنوارهم، فتطفأ أنوار المنافقين، ويضرب بينهم وبين المؤمن بسور له باطن فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب. ﴿يُنَادُونِهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال: «فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك». وهذا يقولونه على أنه ليس بربهم؛ لأن هناك علامة يعرفون بها الله جل وعلا، فلما كان مجيء جل وعلا على غير الصورة التي يعرفون، قالوا: «ذلك». قال: «هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه». فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: «أنا ربكم»، فيقولون: «أنت ربنا»، فيتبعونه. «ويضرب الصراط بين ظهري جهنم»، الصراط: جسر، الجسر الذي يمر منه العباد والمؤمنون إلى الجنة، يضرب على متن جهنم، ويمر عليه الناس على قدر أعمالهم. وماذا؟ بأهل السنة والجماعة إثبات الصراط، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، خلافًا لمن أنكره من أهل الأهواء، المعتزلة وغيرهم. قال: «ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز»، يعني أول من يمر على الصراط، هذه الأمة، أمة الإسلام، أمة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿وَلَا يَتَكَلَّمُونَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ﴾، «والصراط كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه مدحضة مزلة، سيأتي معنا في الحديث الذي بعده». حديث بسعيد، شيء من صفة الصراط، نتركه إن شاء الله في موضعه. قال: ﴿لَوْ يَتَكَلَّمُونَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ﴾، يعني: سلم الرعية والناس في مرورهم على الصراط من الوقوع في النار، والسلام من ذلك، فسلم سلم، يعني دعاء لله جل وعلا بالسلامة، أن يسلم المارين على الصراط. قالوا: «في جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟» قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: «فإنها مثل شوك السعدان». الكلاليب: جمع كلوب، والكلوب: هي الحديدة الحادة تكون ملتوية الطرف، ملتوية الطرف، مثل الحديد الذي يعلق فيه اللحم في المجازر، هذا هو الكلوب. فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان»، في جهنم يعني على الصراط، وممر الصراط، في طريق الإنسان في المرور على الصراط، هذه الكلاليب التي تخطف الناس. ومن أراد الله عز وجل إسقاطه في النار أخذته هذه الكلاليب. قال: «غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم». والسعدان: قال: إنه نبت له شوك عظيم، مثل الحسك من كل الجوانب، يعني شوك في جميع جوانبه. قال: «فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى». منهم المؤمن بقي بعمله، يعني يمر، يعني يمر على الصراط بعمله الذي عنده. قال النووي هنا: إنه بقي روي على ثلاثة أوجه، ذكر عن قاضي عياض، قال: إنه روي على ثلاثة أوجه، أحدها: المؤمن يقي بعمله. قال: وبقي بلياء، والقاف. والثاني: الموثق بالمثلثة، والقاف. والثالث: الموبق، يعني بعمله. قال القاضي: هذا أصحها، يعني الموبق. قال: وكذا قال صاحب المطالع: هذا الثالث هو الصواب، يعني بمعنى الإباق، يوبق بعمله. قال: «فمنهم المؤمن بقي بعمله»، طيب، إذن روي: «بيقي»، و«يوثق»، الموثق، و«الموبق»، هذه الثلاثة، الموبق هو الأصح، يوبق بعمله. قال: «وفي بقي على الوجه الأول الضبطان». طيب، الموبق بعمله، معنى الذي تأخذه الكلاليب ويسقط على النار بسبب عمله عنده، يعني أكثر من أعماله الصالحة، فيكون من الموبقين. والمنجى: المجازى حتى ينجى، يعني الذي يمر على الصراط وينجو. وجاء بعض الروايات في حديث آخر: «أن منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم كمن يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمشي يجري جريًا، ومنهم من يزحف زحفًا»، نعم، «حتى يكون آخرهم من يحبو حبوًا، ويتعلق على الصراط تارة بيده، وتلفحه النار حتى ينجو». وهذا آخر أهل الجنة خروجا من النار، كما جاء بحديث مسعود، رضي الله تعالى عنه. لكن هنا اختصر ذكر ما يحصل للناس على الصراط: «أن منهم من يوبق بعمله فيسقط في النار، ومنهم من ينجو»، اختلاف أحوالهم في النجاح من حيث قوة العمل والإيمان الذي كانوا عليه في الدنيا. قال: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله». قال: «فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود». فيه: أثر السجود، في أثر السجود، في أثر السجود. فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل. وهذا فيه فضيلة التوحيد، وأن الموحد وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها، لا يخلد في النار، بل مصيره أن يخرج منها. وفيه خطورة الشرك؛ إذ أن المشرك يخلد في نار جهنم، ولا يخرج منها. وهكذا أيضًا فيه خطورة الذنوب والمعاصي، وكبائر الذنوب؛ فإنها توجب دخول النار، وصاحبها على خطر، صاحبها على خطر عظيم. وإن كنا لا نجزم لصاحب الكبيرة بالعذاب ودخول النار؛ لأنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وفيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود صاحب الكبيرة في النار. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر: «أن الملائكة يأمرهم الله بإخراج من كان لا يشرك بالله شيئًا»، يعني ممن دخل النار من أهل الكبائر، من أهل التوحيد، فيأمرهم بإخراجهم من النار. فكيف يعرفونهم؟ بأثر السجود، يعرفونهم بأثر السجود. وهذا فيه أيضًا فضيلة السجود والصلاة؛ إذ يبقى أثرها على العبد، فالنبي عليه الصلاة والسلام يعرف أمته بآثار السجود، وآثار الوضوء. وإذا دخل النار وكان من ممن وجبت عليه النار، فإن النار لا تأكل أثر السجود، لا تأكل أثر السجود، يعرف بأنه من أهل التوحيد بآثار السجود التي عليه. وفيه أيضًا دليل على من ذهب إلى تكفير تارك الصلاة؛ لأنه إذا كان لا يصلي فليس عنده أثر السجود، فلا تعرفه الملائكة، وحينئذ سيبقى في النار كغيره من أهل الكفر والشرك. وهل مراد بأثر السجود يعني أثر الوجه والجبهة فقط، أو جميع أعضاء السجود؟ الذي رجحه الإمام النووي رحمه الله: أنه يراد به أعضاء السجود كلها، يعني الجبهة والأنف واليدين والركبتين وأطراف القدمين، يعني أعضاء السجود السبعة. وهذا ظاهر اللفظ: «يعرفونهم بأثر السجود»؛ لأن السجود يكون بهذه الأعضاء السبعة، يكون بهذه الأعضاء السبعة. قال: «فيخرجون من النار وقد امتحشوا»، يعني احترقوا، «فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل»، كما تنبت الحبة، يعني البذرة، كما تنبت البذرة التي تزرع في جوانب السيول، عندما تجيء السيول، ترون كثيرًا من الناس يأتون بالبذر ويزرعون، فسرعان ما يطلع الزرع، هكذا ينبتون نبتًا سريعًا. قال: «ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، وهو آخر أهل الجنة دخولًا للجنة». فيقول: «أي رب، اصرف وجهي عن النار؛ فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها». قد قشبني ريحها، يعني آذاني وأهلكني، وأحرقني ذكاؤها، يعني لهبها وشدة حرارتها. قال: «فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه»، أن يدعوه، «ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره؟» يعني لو أني أبعدتك عن النار، هل تسأل غير ذلك؟ فيقول: «لا أسألك غيره»، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله، يعني يعطي ما شاء الله من العهود والمواثيق: أنه ما يسأل غير هذا. قال: «فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت»، يعني لما يصرفه الله من النار يسكت، والجنة أمامه يراها، فيسكت ما يتيسر من الزمن، ثم يغلب ما يرى في الجنة من النعيم والنعمة، فيقول: «أي رب، قدمني إلى باب الجنة». فيقول الله له: «أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك؟» ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك! والله عز وجل يعذره؛ لما يرى من الأمر الذي لا صبر له عليه. قال: «فيقول: أي رب»، ويدعو الله، «حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره؟» يعني لو قربتك إلى باب الجنة، هل تسأل غير هذا؟ يقول: «لا، ما أسألك غير هذا، قربني بس إلى باب الجنة». قال: «فيقول: لا، وعزتك»، فيعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة. فإذا قام على باب الجنة، إن فهقت له الجنة، يعني فتحت، هو الآن في الخارج، إذا قرب عند باب الجنة فتحت له الباب. قال: «فرأى ما فيها من الخير والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت»، وهو في حالة يعني عظيمة من ماذا؟ الصبر، تحمله، يرى ما في الجنة من النعيم، ثم يقول: «أي رب، أدخلني الجنة». فيقول الله تبارك وتعالى له: «أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألا تسأل غير ما أعطيت؟» وإلك يا ابن آدم، ما أقدرك! قال: «فيقول: أي رب، لا أكون أشقى خلقك»، يعني الناس في الجنة يتنعمون، أنا في بابها أشقى الناس، أحرم من النعيم. قال: «أي رب، لا أكون أشقى خلقك»، فلا يزال يدعو الله، «حتى يضحك الله تبارك وتعالى». وهذا الضحك: صفة فعلية من صفات الله جل وعلا، التي يفعلها جل وعلا متى شاء، ونثبتها لله جل وعلا كما أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا كما يقول أن التأويل: الضحك بمعنى الرضا، ونحو ذلك من المعاني، فهذا تحريف للفظ عن ظاهره. قال: «فإذا ضحك الله منه، قال: أدخل الجنة». فإذا دخلها، قال الله له: «تمنى، تمنى، تمنى»، إيش تريد؟ تمنى، فيسأل ربه يتمنى، «حتى إن الله لا يذكره من كذا وكذا»، يعني هو ينسى يتمنى، «حتى يعني يسقط ما يدري يتمنى إيش؟» فالله يذكره، وكذا وكذا تمنى هذا، وكذا. قال: «حتى إن الله لا يذكره من كذا وكذا»، حتى إذا انقطعت به الأماني، انتهت، يعني ما من شيء يريد ويتمنى في الدنيا إلا وسأله الله، بل وزيادة على ذلك أشياء ربما ما لا يخطر على باله، يذكره الله سبحانه وتعالى به، حتى تنقطع به الأماني. قال: «قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه». يس، هذا فقط، هذا تمنيت، ولك مثله. قال عطاء: من يزيد، وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة، لا يرد عليه، يعني كان يتحدث أبو هريرة، وأبو سعيد حاضر يسمع. قال: «لا يرد عليه من حديثه شيئًا». حتى إذا حدث أبو هريرة: «أن الله قال لذلك الرجل: ومثله معه»، قال أبو سعيد: «عشرة أمثاله معه، يا أبا هريرة!» قال أبو هريرة: «ما حفظت إلا قوله: ذلك لك ومثله معه». قال أبو سعيد: «أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: ذلك لك وعشرة أمثاله». قال أبو هريرة: «وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة». هذا يعني نعيم آخر أهل الجنة دخولًا، يعطيه الله عز وجل مثل الدنيا وعشرة أمثالها، ليس مثلها مرة، بل عشرة أمثالها، كما قال أبو سعيد: «حفظت من رسول الله أنه قال: لك ذلك وعشرة أمثاله». وعشرة أمثاله، إذا كان هذا أدناهم، فكيف بمن هو أعلى من منزله؟ نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وأن لا يحرمنا جل وعلا من فضله. قال رحمه الله: حدثنا عبد الله، من عبد الرحمن الدارمي، قال: أخبرنا أبو اليمان، هو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، وابن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله، أن نرى ربنا يوم القيامة. وساق الحديث بمثل ما معنا. حديث إبراهيم بن سعد، قال: وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، وابن همام الصنعاني، قال: أخبرنا معمر، وابن راشد، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله: «إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمنى، فيتمنى ويتمنى، فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه». طيب، الله هنا صلى الله وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.