الدرس في كتاب الإيمان 102، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نقل عن عائشة رضي الله عنها إنكارها لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه تعالى، واستدلت بآيات قرآنية وحديث نبوي.
حذرت عائشة من افتراء الكذب على الله في مسائل رؤية الله وكتمان شيء من كتاب الله ومعرفة الغيب، واستشهدت بآيات قرآنية.
أوضحت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام وليس ربه، وردت على أهل البدع الذين زعموا كتمان النبي لشيء من الوحي أو معرفته للغيب.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة النسائي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، وهو المشهور بابن علية، نسبة إلى أمه، قال: عن داود بن أبي هند، عن الشعبي -عامر بن شراحيل- قال: نسيت من الحديث ما لو حفظه إنسان لصار به عالما. قال: عن مسروق -وهو ابن الأجدع- قال: كنت متكئا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قالت: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. وكنت متكئا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى﴾؟ قالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء، سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض». فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾؟ أولم تسمع أن الله يقول: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾. قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. قال مسروق: كنت متكئا عند عائشة، يعني في البيت وبينه وبينها الحجاب؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت من العلماء، فكان التابعون يدخلون عليها يسمعون منها الحديث من وراء حجاب. فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، يعني أعظم على الله جل وعلا الكذب، والفرية هي الكذب. قالت: فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، يعني أعظم على الله الكذب والافتراء. قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية. قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية. فقالت عائشة رضي الله عنها: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين»، يعني سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم عن هاتين الآيتين، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنما هو جبريل. قالت: رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض. وهذا يدل على عظم خلق الملائكة. فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، وأرادت بالاستدلال بهذه الآية على نفي رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه. وقولها صحيح في نفي رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه، وأنه لم يره وإنما رأى جبريل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين سألته. قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، وفي هذا رد على أهل البدع من الروافض ومن كان على شاكلتهم الذين زعموا أن هناك أشياء كتمها النبي عليه الصلاة والسلام. قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، وهذا كحال المتصوفة الذين ينسبون علم الغيب للنبي عليه الصلاة والسلام. والله عز وجل يقول: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. فأشهد من هذا الأثر قول عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فكانت رضي الله عنها ترى أن المراد بهذه الآيات في سورة النجم هي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل. وقولها هو الصواب في هذه المسألة. نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.