كتاب الإيمان 101

كتاب الإيمان 101

الدرس في كتاب الإيمان 101، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تفسير دنو جبريل من النبي

يشرح المقطع تفسير آية ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ حيث رأى النبي جبريل له ست مئة جناح، ويبين دنو جبريل من النبي. يُظهر المقطع حرص السلف على طلب العلم وتفسير القرآن.

رؤية النبي لجبريل ومسألة رؤية الله

يناقش المقطع تفسير الآيات المتعلقة برؤية النبي لجبريل ورؤية الله تعالى، حيث يوضح اختلاف آراء الصحابة والتابعين حول ما رآه النبي، فمنهم من قال إنه رأى جبريل ومنهم من قال إنه رأى ربه.

خلاف الصحابة حول رؤية النبي لربه

توجد آراء مختلفة بين الصحابة حول ما إذا كان النبي رأى ربه ليلة الإسراء أم لا، حيث يرى ابن عباس أنه رآه بقلبه، بينما يرى آخرون أنه رأى جبريل، والصحيح أن النبي لم ير ربه.

ختام الخطبة أو الدرس

يختتم الدرس بقول إن شاء الله، ثم الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين، ويتم الاكتفاء بما ذكر حتى الآن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثني أبو الربيع الزهراني، وسليمان بن داود، قالا: حدثنا عباد بن العوام، قال: أنبأنا الشيباني، وهو أبو إسحاق سليمان بن فيروز، قال: سألت زر بن حبيش، وزر بن حبيش من كبار التابعين، ومن المعمرين، عاش أكثر من مئة وعشرين سنة، قال: سألت زر بن حبيش -ولا يوجد في الكتب الستة من اسمه زر إلا هو، هو الوحيد في الأمهات الست من اسمه زر، في صحيح البخاري ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، لا يوجد غيره، هو الوحيد من اسمه زر- قال: سألت زر بن حبيش عن قول الله عز وجل: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، قال: أخبرني ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ست مئة جناح. هذا الحديث في أن زر بن حبيش رحمه الله سئل عن قول الله جل وعلا: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، يعني: ما المراد بقول الله جل وعلا: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾؟ ألوى جبريل، أو المراد به قرب الرب جل وعلا من نبيه عليه الصلاة والسلام؟ فقال: أخبرني ابن مسعود -أي: عبد الله بن مسعود، ابن أم عبد، أحد حفظة كتاب الله، ممن أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأخذ القرآن عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، يعني: ابن مسعود، وقال: «أخذوا القرآن من أربعة»، وذكر منهم ابن مسعود- قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ست مئة جناح. فهذا الأثر فيه حرص السلف رحمهم الله على السؤال عن العلم، يسأل بعضهم بعضا، فزر بن حبيش أخذ تفسير هذه الآية ومعناها من ابن مسعود، وأخذ الشيباني -سأل زر بن حبيش عن هذه الآية- والشيباني أخبر من جاء بعده، وهكذا أخذ هذا العلم يأخذه الأول الآخر عن الأول، ويروى، يأخذه الخلف عن السلف، إلى أن وصل إلينا عن طريق السؤال والعلم والدراسة والتعلم والحرص على مجالس العلم ومجالس الفقه. قال: وسأله عن هذه الآية: سألت زر بن حبيش عن قول الله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، فذكر أن ابن مسعود رضي الله عنه أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ست مئة جناح، ومراده بذلك أن المراد بالآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أنه جبريل هو الذي دنى من النبي عليه الصلاة والسلام حتى كان قاب قوسين، قيل: القاب قدر الأصبع، وقيل: قدر الذراع، والمعنى أنه قرب منه جدا. وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، أو هنا ليس للشك، وإنما يراد بها إثبات هذا الخبر ونفي ما زاد عنه، كما ذكر ابن كثير رحمه الله عند هذه الآية أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة العربية لإثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه، ومثله قول الله جل وعلا: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، يعني: ليست لينة، بل هي صلبة كالحجارة، بل أشد، يعني: أشد صلابة وشدة، وهكذا أيضا مثلها قول الله جل وعلا: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، يعني: كخشية الله وأشد خشية، وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿فَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، يعني: أرسلناه إلى مئة ألف ويزيدون على المئة، وهكذا أيضا في هذه الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، أي: أدنى من ذلك وأقرب من قرب القوسين. فالمراد بهذه الآية هو جبريل، أن النبي عليه الصلاة والسلام رآه بصورته له ست مئة جناح، وهذا الذي قال ابن مسعود، قاله غيرهم من الصحابة، كعائشة، وأبي ذر، وأبي هريرة، هؤلاء قالوا بنحو قول ابن مسعود: أن المراد به جبريل، وقال بعض السلف كابن عباس وغيره: أنه رأى ربه، أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه، وسيأتي معنا الكلام على هذه المسألة: وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة أسري به أم لا؟ قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة -واسمه عبد الله بن محمد- قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني -سليمان بن فيروز، مرة معنا في السنة الأولى- قال: عن زر، عن عبد الله، قال: «ما كذب الفؤاد ما رآه»، قال: رآى جبريل عليه السلام له ست مئة جناح. قال: وأيضا هذه الآية: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، فعبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن المراد بقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يعني: القلب ما رأى، يعني: ما رأى بعينه، المراد رؤيته لجبريل، المراد رؤيته لجبريل عليه السلام، فقد رآه النبي عليه الصلاة والسلام مرتين على صورته التي خلقه الله عز وجل عليها له ست مئة جناح. والآخرون يقولون: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يعني: ما رآه النبي عليه الصلاة والسلام لربه، فلم يكذب فؤاده رؤيته لربه، قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان الشيباني، أنه سمع زر بن حبيش، عن عبد الله، قال: «لقد رأى من آيات ربه الكبرى»، قال: رأى جبريل في صورته له ست مئة جناح. فهذه الآية كذلك: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، فعبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن المراد بالآية الكبرى التي رآها النبي عليه الصلاة والسلام هو جبريل، قال: رأى جبريل في صورته له ست مئة جناح، قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قال: رأى جبريل، يعني: رآه النبي عليه الصلاة والسلام مرة أخرى على صورته. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: عن ابن عباس، قال: رآه بقلبه، ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حبر هذه الأمة يقول في قول الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قال: رآه بقلبه، يعني: رأى النبي عليه الصلاة والسلام ربه بقلبه. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشج، جميعا عن وكيع، قال الأشج: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن زياد بن الحصين أبي جهمة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قال: رآه بفؤاده مرتين، قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، قال: حدثنا أبو جهمة بهذا الإسناد -يعني: نحو الأثر المتقدم عن ابن عباس-. فالآيات المتقدمة بأنه رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل، وأنه رآه مرتين له على صورته له ستمائة جناح، وابن عباس رضي الله تعالى عنه يقول: رآه بقلبه، يعني: أن المراد بالآية هو رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وهنا يظهر شيء من الخلاف في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه ليلة أسري به، فابن مسعود يقول: رآى جبريل، وهكذا يقول أبو هريرة، وعائشة -مر معنا أثر أبي هريرة، وسيأتي معنا أثر عائشة رضي الله عنها- وأيضا أثر أبي ذر، وابن عباس يقول: رآه بقلبه، وفي بعض الروايات إطلاق الرؤية، قال: رأى ربه، من غير تقييد برؤية القلب أو الفؤاد. والصحيح: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه ليلة أسري به، وإنما رأى جبريل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم، ويدل على ذلك حديث أثر أبي ذر -والذي سيأتي معنا في الأبواب أو الأحاديث- أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنى أراه»، وفي لفظ: «رأيت نورا»، وإذا سيأتي في أثر عائشة: لما سئلت عن ذلك أخبرت أن من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، وذكرت هذه الآيات أنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام عنها، فقال: «إنما هو جبريل». وأثر ابن عباس روي عنه أو ثبت عنه القول برؤية الله لربه بلفظين: لفظ المطلق، ولفظ المقيد، لفظ مطلق: بقوله: «رأى ربه»، من غير تقييد، وثبت عنه التقييد برؤية الفؤاد، كما في هذه الروايات: «رآه بفؤاده»، وعلى هذا فيجمع بين القولين: قول من نفى الرؤية، وقول من أثبتها، أن من نفاها نفى رؤية العين، ومن أثبتها أثبت رؤية القلب والفؤاد، ليست رؤية بالبصر، وإنما رؤية قلبية، كما هي في آثار ابن عباس. وحينئذ: ليس هناك خلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم في عدم رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه، بقي الرواية التي رويت عن ابن عباس أنه قال: «رآه بعينه»، أو ببصره، وهذه الرواية لا تصح، الرواية المقيدة برؤية البصر والعين لا تصح، قال الإمام رحمه الله في تفسيره: وقد مر عن ابن عباس أنه قال: «رأى ربه بعينه»، فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم، يعني: في القول بأنه رآه بعينه، هذا لا يصح عن أحد من الصحابة القول بذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، وموسى عليه السلام لما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، يعني: في الدنيا، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، فرؤية الله جل وعلا في الدنيا منفية بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال رحمه الله ابن كثير: وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس، والحسن، وعكرمة، فيه نظر، والله أعلم، إذن: الصحيح أنه لم يراه بعينه، ومن أطلق الرؤية فالمراد به رؤية القلب، لا رؤية البصر، والمراد بالآيات كما سمعنا في قول: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، وقول: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، وقول: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، المراد به رؤيته عليه الصلاة والسلام لجبريل، رآه في صورته له ست مئة جناح. نكتفي بهذا القدر، إن شاء الله، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.