كتاب الصلاة 12

الدرس في كتاب الصلاة 12، ألقاها

أحكام التشهد في الصلاة

يتناول حكم التشهد في الصلاة، حيث أن التشهد الأخير ركن والتشهد الأول واجب. يوضح أهمية التشهد في الصلوات المختلفة.

تفاصيل وأحكام التشهد

يشرح تفاصيل التشهد وأحكامه المختلفة بين التشهد الأول والأخير، بما في ذلك الواجبات في التشهد الأخير مثل الصلاة الإبراهيمية والتعوذ من أربع.

أحكام التسليم والتشهد والتورك

يتناول أحكام التسليم والتشهد الأخير والتورك فيه، حيث أن التسليم ركن ويجب التسليم عن اليمين واليسار، والتورك يكون بنصب الرجل اليمنى وفرش اليسرى تحت اليمنى.

الدعاء والصلاة على النبي

ينتهي بالدعاء لله تعالى أن يعين على ذكره وشكره وحسن عبادته، ويصلي على النبي وآله وصحبه، مؤكدًا على علم الله تعالى الأعلى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موافق الدين ابن قدامة رحمه الله في كتابه "عمدة الفقه": قال رحمه الله تعالى: وينهض قائمًا فيصلي الثانية كالأولى، فإذا فرغ منهما، أي من الركعتين الأوليين، جلس للتشهد مفترشًا. ومعنى قوله مفترشًا: قال، يبسط يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، يقبض منهما الخنصر والبنصر، ويحلّق الإبهام مع الوسطى، ويشير بسبابته، ويقول: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". قال: فهذا أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد. قوله رحمه الله تعالى: "فإذا فرغ منهما" أي من ركعتين الأوليين، أي بسجودهما، قال: "فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشًا". وهذا التشهد الذي يجلس فيه مفترشًا إما أن يكون هو التشهد الأخير، وذلك إذا كانت الصلاة ركعتين كصلاة الفجر أو كالنوافل المطلقة، يصلي ركعتين ركعتين أو ما شابه ذلك. والتشهد الأخير عند العلماء رحمهم الله تعالى فيه خلاف، أي في حكمه، هل هو واجب أم أنه ركن من أركان الصلاة؟ والراجح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى القول بأنه ركن من أركان الصلاة. يدل على هذا ما رواه الإمام النسائي رحمه الله تعالى بإسناد صحيح، قال: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: الصلاة أو السلام على السلام على الله، السلام على جبريل... إلى آخر الحديث". الشاهد منه: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد"، فدل ذلك على أنه فرض. والتشهد لا يكون إلا في جلوس، فدل حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه دل على حكمين: الأول فرضية الجلسة للتشهد، والثاني فرضية التشهد في الجلوس الأخير. وهذا كما سمعتم هو الصحيح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى. هذا كما سمعتم حكم التشهد الذي قبل التسليم. وأما إذا كانت الصلاة أكثر من ركعتين كصلاة المغرب أو العشاء أو الظهر أو العصر، أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات، فما هو حكم التشهد الأول؟ ما هو حكم التشهد الأول في الصلاة الثلاثية أو الصلاة الرباعية؟ كذلك وقع فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في حكمه. فمنهم من ذهب إلى أنه من مستحبات الصلاة، ومنهم من ذهب إلى أنه من واجبات الصلاة، ومنهم من ذهب إلى الركنية. يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يداوم على فعله، ذلك أي على الجلوس للتشهد الأول في الصلاة الثلاثية والصلاة الرباعية. وقد تقدم معنا مرارًا أن فعله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أو أفعاله في الصلاة هي بيان للواجب الذي في قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة: "صلوا كما رأيتموني أصلي". فكل فعل فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فإنه يكون بيانًا لذلك الواجب، أي "صلوا كما رأيتموني أصلي". ولا يقال بأنه ركن من أركان الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه صلى بأصحابه فقام من الركعتين إلى الركعة الثالثة ولم يجلس، فلما قضى صلاته وانتظر الصحابة تسليمه سجد سجدتين لسهو. أشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نسي التشهد الأول ولم يعد الصلاة ولم يعد ركعة ولا فعل شيئًا من ذلك. فدل ذلك على أنه ليس بركن من أركان الصلاة، ولكنه لما كان سهوًا جبر ذلك السهو بأن سجد سجدتين قبل أن يسلم. فدل ذلك على أن التشهد الأول من واجبات الصلاة وليس من أركانها. قال رحمه الله تعالى: "فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشًا". وكذلك التشهد الأول، فيه أنه كذلك يتشهد، يتشهد كالتشهد الأخير إلا أنه يقتصر على التشهد فحسب، يقتصر على التشهد فحسب: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، ثم يقوم إلى الركعة الثالثة. وإن قال أحيانًا وقرأ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم... إلى آخره"، لا بأس؛ لما جاء في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. فهذا يحمل على أن ذلك يكون في أحوال، يكون في أحوال. ولكن الأغلب أنه يكتفي في التشهد الأول بقوله بعد التحيات: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". بخلاف التشهد الأخير، فإنه يقرأ الصلاة الإبراهيمية. وكذلك كما سيأتي معنى أنه يتعوذ من أربع، سيأتي معنى بإذن الله جل وعلا. فالفرق بين التشهد الأول والأخير أن التشهد الأول واجب، والتشهد الأخير ركن. فمن ترك التشهد الأول سهوًا فإنه يعوض عنه بأن يسجد سجدتين للسهو. وأما من ترك التشهد الأخير سهوًا فإنه يلزم بالإتيان به، وإلا لم تصح صلاته؛ لأنه يكون ترك ركنًا من أركان الصلاة. وأما إذا ترك التشهد الأول عمدًا فإن صلاته تبطل. وها هنا قاعدة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب، أي في باب الصلاة، وهي أن من ترك واجبًا من واجبات الصلاة عالما عامدًا فإن صلاته تبطل. ونقل ابن عبد البر رحمه الله تعالى الاتفاق على هذه القاعدة. قال رحمه الله تعالى: "فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشًا". ومعنى قوله مفترشًا: أنه ينصب رجله اليمنى ويفترش رجله اليسرى ويقعد عليها. وهذه الصفة جاء بيانها في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه وأرضاه عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس للتشهد الأول نصب رجله اليمنى وافترش رجله اليسرى. وجاء في بعض روايات أنه جلس على رجله اليسرى، جلس على باطن قدمه اليسرى. هذا في التشهد الأول. قال رحمه الله تعالى: "فيبسط يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى". أي يضع كفيه على فخذيه مبسوطتين. وأما اليد اليمنى، فإنه يقبض منها الخنصر والبنصر، ويحلق بالإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة. وفي ذلك أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، منها ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في بيان ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ويعقد ثلاثًا وخمسين". أي يعقد أصابعه ثلاثًا وخمسين. قال رحمه الله تعالى: "ويقول: التحيات لله...". ومنه يعلم أن الإشارة بالسبابة يكون في أول التشهد وأول الجلوس، لا كما يفعله بعض الناس أنه يقبض على أصابعه أو يبسط أصابعه، فإذا وصل إلى التشهد أي إلى قول: "أشهد أن لا إله إلا الله" أشار بالسبابة. وقبل ذلك تجد يده ماذا؟ إما مبسوطة وإما مقبوضة. بل يشير بأصبعه ويفعل التحليق في أصابعه أي بين الوسطى والإبهام من أول التشهد. قال رحمه الله تعالى: "فهذا أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد". وقول: "أصح" لا يمنع صحة غيره. قال رحمه الله تعالى: "ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم كما صلي" إلى آخره. الصلاة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير من واجبات الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد... إلى آخر الحديث". فقوله صلى الله عليه وسلم: "قولوا" هذا فعل أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، ولا دليل يصرفه عن هذا الأصل. قال رحمه الله تعالى: "ويستحب أن يتعوذ من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". والتعوذ من هذه الأربع جاء فيها أحاديث، في بعضها ما ظاهره الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، أي تعوذوا بالله. وفي بعضها بيان من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في صلاته بهذه الكلمات: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". وأقل أحوال كما سمعتم أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وكما تقدم معنا: ما كان فعلًا منه صلى الله عليه وسلم وهو بيان لواجب، فإنه يأخذ حكم ذلك المبين، فيكون حكمه واجبًا من واجبات الصلاة. وهذا هو الصحيح. وفي المسألة أقوال: فمنهم من ذهب إلى ركنيته، بمعنى أن من ترك التعوذ من الأربع بطلت الصلاة. ومنهم من ذهب إلى الوجوب، ومنهم من ذهب إلى الاستحباب. والقول بالوجوب هو الأظهر لما تقدم ذكره، فهو واجب وليس مجرد مستحب، ولا هو كذلك ركنًا، بل هو واجب من واجبات الصلاة. قال رحمه الله تعالى: "ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك". أي يسلم عن يمينه وعن يساره بأن يقول: "السلام عليكم ورحمة الله". وعن يساره كذلك. والتسليم أو في الصلاة للانتهاء من الصلاة ركن من أركان الصلاة على الصحيح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى. وجاءت في ذلك أدلة تدل على هذا المعنى، من أشهرها ما جاء في قوله أو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم". وهذا الحديث فيه شيء من الضعف، إلا أن بعض أهل العلم يحسنه كالعلامة الألباني رحمه الله. ومنهم من يحسنه بشواهده. والمعنى يدل عليه؛ إذ لا يفرغ من الصلاة إلا بالتسليم. وهذا قول الجمهور. قال رحمه الله تعالى: "وإن كانت الصلاة أكثر من ركعتين نهض بعد التشهد الأول كنهوضه من السجود". بمعنى أنه ينهض مكبرًا، أي حال كونه مكبرًا. وكما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وكذلك في حديث عائشة في مسلم: "وكان إذا قام من التشهد كبر". فيقوم مكبرًا، أي حال كونه مكبرًا. ومتى يقول التكبير عند نهوضه من الجلسة الأولى؟ الصحيح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى: أنه يقولها إذا نهض، أي عند نهوضه من الجلسة الأولى. قال رحمه الله تعالى: "ثم يصلي ركعتين لا يقرأ فيهما بعد الفاتحة شيئًا". أي أنه في الركعتين الثالثة والرابعة لا يقرأ إلا بأم القرآن؛ لما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، أو جاء في حديث أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب. والحديث متفق عليه. وكذلك كتب عمر إلى الشريح أن يقرأ في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن. وكذلك يجهر في الركعتين الأوليين إن كانت الصلاة الجهرية كالمغرب والعشاء، ولا يجهر في الركعة أو الركعتين الأخريين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إنما كان يجهر في الركعتين الأوليين من الصلوات الجهرية، ولا يجهر بما سواها. قال: "فإذا جلس للتشهد الأخير تورك". وكما مر معنا أن التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، أي الجلوس والتشهد ركنان من أركان الصلاة على الصحيح من أقوى العلماء. قال: "فإذا جلس للتشهد الأخير تورك". وما معنى تورك؟ أن يعتمد على وركه. قال: "فنصب رجله اليمنى وفرش اليسرى وأخرجهما عن يمينه". تورك بأن ينصب رجله اليمنى، وفرش رجله اليسرى، يجعل رجله اليسرى من تحت قدمه أو من تحت ساقه اليمنى، ويمكن مقعدته من الأرض، يمكن مقعدته من الأرض، ويجلس على مقعدته على الأرض. هذا معنى التورك في الصلاة. وفي هذا المعنى جاء في حديث أبي حميد رضي الله عنه وأرضاه قال: "حتى إذا كان في الركعة الرابعة أي النبي صلى الله عليه وسلم أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة". وجاء في بعض روايات: "جلس على إليتيه وجعل بطن قدمه اليسرى عند مأبضي اليمنى ونصب قدمه اليمنى". وأي شيء فعل فإنه قد فعل السنة. قالوا: "ولا يتورك في صلاة إلا في صلاة فيها تشهدان". فص لاة الفجر ليس فيها تورك؛ لأن فيها إنما تشهد واحد، فلا يتورك فيها. وإنما يتورك في صلاة المغرب أو العشاء أو الظهر أو العصر؛ لأن فيها تشهدين. قال: "فإذا سلم استغفر ثلاثًا، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". إذا سلم، أي فرغ من صلاته استغفر ثلاثًا. قال علماء رحمهم الله تعالى: والاستغفار هذا فيه إشارة إلى أن الإنسان قد يعرض له في صلاة ما يعرض له من السهو والغفلة، فيستغفر الله جل وعلا مما حصل له من السهو أو من الغفلة أو من عدم الخشوع والاستحضار التام في أثناء الصلاة، فيسأل الله تبارك وتعالى المغفرة على تقصيره وعلى تفريطه. وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". فهذا ذكر من أذكار الصلاة، أي التي تقال عقب الصلاة. وهناك أذكار كثيرة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، بل وأفردوها في مصنفات، أي الأذكار. وذكر من ضمنها الأذكار التي تقال عقب الصلاة الصلاة. فينبغي للمسلم حريص أن يحرص على تلك الأذكار؛ لما فيها من فضائل عظيمة. نسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. والله تعالى أعلى وأعلم، صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على