كتاب المساجد ومواضع الصلاة 77

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 77

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 77، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل شهود بدر وشرح حديث عتبان بن مالك

يشرح الحديث فضل الصحابة الذين شهدوا بدرًا، ويبين قصة عتبان بن مالك الأنصاري الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي ويصلي في بيته. يبرز الحديث أهمية شهود بدر وفضل قول لا إله إلا الله.

أحكام وفضائل متعلقة بالصلاة والتواضع والتبرك

يستخرج المقطع عدة أحكام وفوائد من حديث عتبان بن مالك، منها جواز التخلف عن صلاة الجماعة لعذر وتواضع النبي وجواز اتخاذ موضع خاص للصلاة في البيت. كما يبين ضوابط التبرك بآثار الصالحين وجواز صلاة النافلة جماعة أحيانا.

أحكام اجتماعية متعلقة بالضيافة والدفاع عن العرض ومجالسة أهل السوء

يتناول المقطع أحكامًا اجتماعية متعددة، منها استحباب إكرام الضيف وتقديم الطعام له، ووجوب الدفاع عن عرض المسلم إذا تكلم فيه إنسان وأنت تعلم أنه بريء. كما يحذر من مجالسة أهل السوء والشر وضرورة الابتعاد عنهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال لما مصر بن الحجاج أبو الحسين النيسي بوري القشيري رحمه الله في صحيحه: قال حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، وهو من أهل كنيته، ما تعرف الكنية؟ أبو حفص، أبو حفص المصري، لا بأس أن ينظر في ترجمة رواة السند قبل الدرس، هذا أمر طيب، يتعرف عليهم، وأيضًا يعود نفسه على الوقوف على شيء من ترجمة رجال السند. قال: حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، قال: أخبرني يونس، وهو ابن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، وهو محمد بن المسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري الإمام الحافظ، قال: أن محمود بن الربيع الأنصاري، محمود بن الربيع، ابن سراقة، ابن عمر، كنيته أبو نعيم، وقيل أبو محمد، اختلف في صحبته، والصحيح أنه صحابي، كما قال الحافظ ابن حجر: هو صحابي صغير، أكثر روايته عن الصحابة. وسيأتي معنا في بعض طرق هذا الحديث أنه عقل مجة مجها النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وهو صغير، وذكره الإمام الحبان في كتابه الثقات في طبقات الصحابة. قال: أن محمود بن الربيع الأنصاري حدثه أن عتبان بن مالك، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرًا من الأنصار، وخصه بذكر شهود بدر لأن أهل بدر كانت لهم فضيلة عظيمة، ومنزلة عظيمة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا أدري على الله اطلع على قلوب أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم». وهكذا فضل من الملائكة من شهد بدرًا، نعم. سأل جبريل النبي عليه الصلاة والسلام: كيف فيكم من شهد بدرًا؟ قال: من أفضل الناس. ومعنى الحديث: وكذلك من شهدها من الملائكة، وذلك أن غزوة بدر كما تعلمون وقعت على غير ميثاق، غير ميعاد، خرج النبي عليه الصلاة والسلام يريد العير التي مع أبي سفيان، ولم يكن معدا للقتال، ومع ذلك جمع الله عز وجل بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر، مع قلة المسلمين، قلة عددهم، وقلة عتادهم، ومع ذلك صبروا، رضي الله عنهم، وثبتوا، وجاءهم نصر الله سبحانه وتعالى: «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون». ففضل الصحابة الذين شهدوا بدرًا على غيرهم، فكانت لهم فضيلة، فلهذا إذا ذكر صحابي ممن شهد بدرًا يقول: ممن شهد بدرًا، لبيان فضله. قال: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني قد أنكرت بصري -يعني أن بصري قد ذهب، وصار أعمى لا يبصر- وأنا أصلي لقومي -يعني كان إمامهم- وإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطع أن آتي مسجدهم، فأصلي لهم. وددت أنك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتي فتصلي في مصلى، فأتخذه مصلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سأفعل إن شاء الله». قال عتبان: فغدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟» قال: فأشرت إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر، فقمنا وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم. قال: وحبسناه على خزير صنعناه له. والخزيرة: هي عبارة عن قطع من اللحم تقطع صغارا، ثم توضع في النار، ويوضع عليها شيء من الماء، ثم ينثر عليها شيء من الدقيق، هي شبيهة بالهريس. فالخزير هو هذا اللحم مع شيء من الماء، وشيء من الدقيق. قال: صنعناه له، فثاب رجال من أهل الدار حولنا -المراد بأهل الدار يعني أهل الحي، أهل الحي والمنطقة والقرية- قال: حتى اجتمع في البيت رجال ذوي عدد، فقال قائل منهم: أين مالك بن الدخش؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقل له ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله». قال: قال الله ورسوله أعلم. قال: فإنما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». قال ابن شهاب: ثم سألت الحسين بن محمد الأنصاري، وهو أحد بني سالم، وهو من سراتهم -يعني مساداتهم- عن حديث محمود بن الربيع، فصدقه بذلك. قال: وحدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساق الحديث بمعنى حديث يونس، غير أنه قال: فقال رجل: أين مالك بن الدخش أو الدخيش على التصغير؟ قال: وزاد في الحديث: قال محمود: فحدثت بهذا الحديث نفرا فيهم أبو أيوب الأنصاري، فقال: ما أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما قلت. قال: فحلفت إن رجعت إلى عتبان أن أسأله. قال: فرجعت إليه، قال: فوجدته شيخا كبيرا قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فجلست إلى جنبه، فسألته عن هذا الحديث، فحدثنيه كما حدثنيه أول مرة. قال الزهري: ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نرى أن الأمر انتهى إليها، فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغتر. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، قال: حدثني الزهري عن محمود بن الربيع، قال: إني لعقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من دلو في دارنا -مجها يعني شيء من الماء وضعه في فمه ومجه في وجهه- من باب الملاعبة أو الملاطفة مع هذا الصغير، أو لأجل كما قال الإمام النووي: حتى يذكر ذلك فيكون له شرف للتحديث والإخبار بذلك. قال محمود: فحدثني عتبان بن مالك، قال: قلت يا رسول الله إن بصري قد ساء، وساق الحديث إلى قوله: فصلى بنا ركعتين، وحبس وحبسنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على جشيشة صنعناها له. ولم يذكر ما بعده من زيادة يونس ومعمر. نعم، والجشيشة هي قريبة من معنى الخزير. قال النووي: هي أن تطحن الحنطة -يعني البر- طحنا جليلا، ثم يلقي فيها لحم أو تمر، وتطبخ به، هي صفة الهريسة مع اللحم. أما مع التمر فهي عصيدة تعتبر عصيدة. طيب هذا الحديث فيه يعني عدة فوائد ومسائل، منها جواز التخلف عن صلاة الجماعة لمن كان له عذر، وهو المراد من ذكر هذا الحديث في هذا الموضع، أن عتبان بن مالك شق عليه حضور الجماعة، وأن يصلي بقومه، مع كونه أعمى، وليس له قائد، وبينه وبين المسجد يعني وادي قد يسيل ويقطع عليه الطريق، فأذن له النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي في بيته، فدل هذا الحديث على جواز التخلف عن صلاة الجماعة والصلاة في البيت لمن كان له عذر، كمريض، يعني أشق عليه الذهاب إلى المسجد، فلا بأس أن يصلي في البيت. وهذا يؤكد ما مر معنا في الدروس السابقة من أن صلاة الجماعة واجبة، لأن العذر والرخصة لا تكون إلا من عزيمة، فإذا رخص له معنا أنه أن الأمر الذي رخص له فيه كان عزيمة، أمر ملزم وواجب عليه، فهذا يدل على أن صلاة الجماعة واجبة، كما مر، وهو الصحيح. وكذلك أيضًا فيه تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، وحسن خلقه، وتعامله عليه الصلاة والسلام، لما طلب منه أن يأتي إلى بيته يصلي في موضع من بيته يتخذه المصلى، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه عليه الصلاة والسلام هو أفضل الخلق والبشر، وأفضل الأنبياء والرسل، وهو عليه الصلاة والسلام سيد القوم وأفضلهم وأعلمهم، ومع ذلك لم يتكبر أن يجيبه إلى ما طلب، بل ذهب عليه الصلاة والسلام وأجابه إلى طلبه، وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكثرة ملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، ومعه أبو بكر، فكان أبو بكر رضي الله عنه كثير الملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما يدل على فضله وعظيم منزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك أيضًا أن من دعي إلى أمر من الأمور، فينبغي أول ما يبدأ به يبدأ بالأمر الذي دعي لأجله، أن يبدأ بالأمر الذي دعي لأجله، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعي لأجل أن يصلي في موضع يتخذه مصلى، أول ما وصل النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: «أين تريد أن أصلي لك؟» يبدأ بدأ بالأمر الذي دعي لأجله. وهكذا إذا دعي الإنسان إلى أمر يبدأ بهذا الأمر الذي دعي له، ثم إن كان هناك أمور أخرى فتكون بعد ذلك. وهكذا أيضًا فيه جواز اتخاذ المسلم موضعا خاصا للصلاة في البيت، جواز اتخاذ المسلم موضعا خاصا في البيت، وأنه لا حرج عليه في ذلك. وأما ما ورد من النهي عن اتخاذ موطن في المسجد، فهذا في المسجد يعني في المسجد لا يجوز أن تتخذ لك مكان لا تفارقه، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أن يتوطن الرجل يعني الموضع من المسجد كما يتوطن البعير، وهذا كما ذكر أهل العلم لأجل يعني خشية الرياء ونحو ذلك من المعاني. أما في البيت لا بأس أن يجعل له مكان معين يصلي فيه، لا حرج في ذلك. ويدل عليه هذا الحديث أنه أن عتبان طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في موضعا يتخذه مصلى -يعني يجعل صلاته في هذا الموضع- وهذا أيضًا قد يكون كذلك من أجل التبرك بأثر النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الأنبياء فيهم بركة، ويجوز التبرك بآثارهم. وهل يستدل بهذا على جواز التبرك بآثار الصالحين على جهة الإطلاق؟ الجواب: لا. وما ذكره الإمام النووي رحمه الله في الشرح أن في هذا دليل على جواز التبرك بالصالحين، فليس بصحيح، ليس بصحيح، فلا يجوز التبرك بأحد من الناس إلا الأنبياء، إلا الأنبياء، لأن الأنبياء فيهم بركة، وأقر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة حين تبركوا بشيء من آثاره، كانوا يتبركون بنخامته عليه الصلاة والسلام، وبعرقه، وبشعره، أقرهم نبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بآثار وضوءه ونحو ذلك. أما غير النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفعل ذلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ما كانوا يتبركون بأبي بكر، ولا بعمر، ولا بعثمان، ولا بعلي، وهم خير هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، فدل هذا أنهم علموا أن هذا التبرك إنما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الناس. فالاستدلال بهذا وما كان بمعناه -بمعنى مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام- على عموم التبرك بآثار الصالحين، هذا ليس بصحيح. وهكذا أيضًا فيه جواز صلاة النافلة جماعة أحيانا، جواز صلاة النافلة جماعة أحيانا، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى بعتبان ومن معه جماعة، وهي صلاة نافلة في النهار، فلا بأس بذلك أحيانا. أما أن تنتخذ سنة ويلازم فعلها فلا، هذا سيكون من البدع والمحدثات، سواء كانت في الليل أو في النهار، حتى في صلاة الليل جماعة أحيانا في غير رمضان لا بأس، أحيانا. أما على سبيل الدوام فلا، إلا في رمضان، فإن صلاة الجماعة أو صلاة النافلة جماعة في رمضان مستحبة، مستحبة استحبابا مؤكدا، من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. وأما في غير رمضان فيجوز أحيانا. وفيها أيضًا كما ذكر الإمام النووي: أنه إذا نزل بإنسان ضيف، إذا نزل بإنسان ضيف، وكان هذا الضيف كريما -كي يكون من أهل العلم والفضل- فلا بأس أن يأتي أهل القرية للحضور عنده، والجلوس معه، والاستفادة منه، والقيام بضيافته، كما فعل من كان حول عتبان بن مالك رضي الله عنه، جاءوا واجتمعوا في الدار، وجلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضًا كذلك في استحباب ضيافة من دعوته، استحباب ضيافة من دعوته إلى دارك، ولو كان مقصودك يعني أمر من الأمور، فلا بأس أن تكرمه، وخاصة إذا كان مجيءه في وقت هو وقت غداء أو عشاء أو نحو ذلك من وجبات، فلا شك أن من الإحسان والفضل والمعروف أن تطعمه ما تخرجه من البيت. ومن ذاقه علم ذلك، هو في غاية من لذة. وهكذا أيضًا فيه أن من تكلم فيه إنسان وأنت تعرف منه الخير، فالواجب أن تدافع عنه، الواجب أن تدافع عنه. فلما تكلم في مالك بن الدخش، دافع عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبر أنه يعني يحب الله ورسوله، وأنه من أهل الإسلام، لا يعلم عنه إلا خيرا. وهكذا إذا تكلم إنسان في عرض أخيك المسلم، وأنت تعلم أنه بريء من مثل هذه التهم، ولا تعلم عنه إلا خيرا، فينبغي عليك أن تدافع، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجه النار يوم القيامة». تدافع بما تعلم، أما إذا كنت تعلم أنه مطعون فيه ومتكلم فيه، وكذا لا ترد بباطل، لا. إذا كنت تعلم أنه بريء من ذلك، وأنه على خير وعلى سنة وعلى استقامة، وتكلم فيه بشيء أنت تعلم أنه منه بريء، فالواجب أن تدافع عنه وترد عن عرض أخيك المسلم، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا فيه أن الأصل حمل الناس على السلامة، حمل الناس على السلامة، إلا من ثبت عنه شيء مما يؤاخذ به -مما يؤاخذ به- وكذلك أيضًا يعاتب عليه بفعله أو قوله. وفيه كذلك أيضًا أن مجالسة أهل السوء والشر هو سبب للتهمة، مجالسة أهل السوء والشر هو سبب للتهمة، فإذا كان الإنسان يجالس أهل البدع أو يجالس أهل الفسق، فلا شك أنه سيتهم، سيتهم، سيقال: فلان، نحن ما نعرف عنه إلا أنه يجالس أهل الأهواء. ومعلوم أن الرجل يجلس مع من هو مثله، يجلس مع من هو مثله، فهذا سبب لاتهام هذا المرء وإلحاقه بمن جلس معهم. وكما تعلمون أثر المنقول عن السلف: من أخفى عن بدعته لم تخفى عن ألفته. من أخفى عن بدعته لم تخفى عن ألفته. فإذا كان الإنسان يألف الجلوس مع أهل البدع والأهواء، فهذه قرينة على أنهم منهم، وأنه يعتقد ما يعتقدونه، ويميل إلى ما يميلون إليه، فهو بهذا يعرض نفسه للتهمة. فإن كان بريئا من ذلك، يبتعد عنهم، لا يجالسهم، لا يجالس أهل الأهواء، كما حذر عليه أهل العلم قديما وحديثا من مجالسة أهل الأهواء، لما في ذلك من يعني سبب للتأثر للإنسان، وتعريض قلبه للفتنة والشبهة، وأنه قد يصبح مثلهم بسبب المجالسة. فالمجالسة تؤثر، ومن جالس جانس، والصاحب ساحب، فلهذا يبتعد عن أهل الأهواء، كذلك أهل الفسق، إذا كان يجالس ناسا معروفين بالفسق والمعاصي، هو أيضًا بهذا يعرض نفسه للتهمة، فالواجب أن يبتعد، وسد أبواب التهم، هذا أمر مطلوب، أمر مطلوب، النبي صلى الله عليه وسلم مرة عليه رجلان في ليلة من ليالي رمضان، وكانت عنده زوجته صفية، جاءت تزوره، فقام يقلبها إلى دارها، فمر رجلان، أسرع لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه صفية، أسرع في المشي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما -يعني تأنيا- إنها صفية، بنت حيي -يدفع التهم- قال: يا رسول الله، سبحان الله -يعني نحن نظن بك الظن- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في قلوبكما ما شيئا أو قال شرا». نظر هذا مع النبي عليه الصلاة والسلام، هو رسول الله وخير خلق الله، ومع هذا أراد أن يدفع، أن يدفع هذا الشيء الذي قد يقع في نفوسهما لما يرى النبي صلى الله عليه وسلم يمشي مع امرأة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم يمشي مع امرأة في الليل، يقع في نفسه الشيطان يأتي ويقول: النبي الرسول يمشي مع امرأة في الليل، من هذه المرأة؟ ربما أجنبية، ربما كذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم سد هذا الباب: «إنها صفية بنت حيي»، دفع للتهم، فدفع التهم وسد باب التهم، أمر مطلوب. فأنت كذلك من الأسباب تدفع بها التهم عن نفسك، الابتعاد الابتعاد عن مجالسة من تتهم بمجالستهم، من أهل البدع، ومن أهل الفسق والمعاصي. لهذا هنا إيش قالوا؟ لما اتهموا مالك بن الدخش: ما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين، معناه أنه كان يكثر لعله من مجالسة المنافقين أو كذا، فاتهموه بهذا، اتهموه بهذا، هذا الإنسان يسد عن نفسه بهذا أبواب التهم والشر. وفيه فضيلة التوحيد، فضيلة التوحيد، وأن من قال لا إله إلا الله يبتغي به وجه الله -يعني خالصا صادقا من قلبه- أن ذلك من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، فيه فضيلة شهادة أن لا إله إلا الله. وفي رواية أخرى: قال الزهري: قال: ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نرى أن الأمر انتهى إليها، فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغتر -يعني لا تغتر بما ذكر في حديث عتبان أن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله حرمه الله على النار- لا تغتر بهذا، لأن هناك فرائض وواجبات أخرى لابد من أن تأتي بها. فكأنه يقول: هذا كان في أول الأمر، وكذلك أيضًا نزلت بعد ذلك فرائض وواجبات، يعني أمور ألزم بها المسلم، ينبغي أن يقوم بها، فيكون هذا الحديث في تحريم النار على من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، هذا إذا حقق هذا الناطق للشهادة مغتضيات وشروط هذه الشهادة، وسلم من نواقضها، لابد من ذلك، وإلا ما نفعته إذا قال لا إله إلا الله، ثم نقضها بالشرك في عبادة الله، أو كذلك بفعل السحر أو الرضا به، أو غير ذلك من نواقض الإسلام، ما تنفعه لا إله إلا الله، ولو قالها مئة مرة أو ألف مرة، إذا لابد من الإتيان بمقتضيات هذه الشهادة والسلام من نواقضها. فهذا الحديث حديث عظيم، وفيه فوائد كثيرة، وأهم ما يراد به ويقصده ذكر هذا الحديث في هذا الموضع، وهو أن من كان له عذر في التخلف عن صلاة الجماعة، فهو معذور في ذلك، وله أن يتخلف. صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.