كتاب المساجد ومواضع الصلاة 78

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 78

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 78، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مشروعية إجابة دعوة الطعام وآدابها

يتناول شرح حديث أنس بن مالك حول دعوة جدته للنبي صلى الله عليه وسلم لتناول الطعام. يستدل به على مشروعية إجابة دعوة الطعام في غير الوليمة واستحبابها.

استخلاص الأحكام الفقهية من الحديث النبوي

يشرح حديثا نبويا ويستخلص منه أحكاما فقهية متعددة، مثل استحباب إجابة دعوة الطعام وجواز صلاة النافلة جماعة، وتوضيح أن الأصل في الأشياء الطهارة.

موقف المأمومين خلف الإمام وصلاة المرأة

يشرح حديثا نبويا يبين فيه موقف المأمومين خلف الإمام في الصلاة، ويبين أن الأفضل للرجل أن يقف خلف الإمام، ويجوز للمرأة أن تصلي منفردة خلف صف الرجال.

تتمة الكلام عن صلاة المرأة خلف إمام أجنبي

يبين جواز صلاة المرأة خلف إمام أجنبي إذا كان معها محرم، ويشير إلى أن أقل عدد للركعات في صلاة الجماعة النافلة هو ركعتان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، أبو زكريا، كان إمام أهل زمانه، قال فيه إسحاق بن راهويه: إنه كان إمام أهل المشرق والمغرب. قال: قرأت على مالك، وهو ابن أنس، مالك بن أنس الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، قال: عن إسحاق بن عبد الله، من أبي طلحة، وهو أبو يحيى، وقيل: أبو نجيح، وهو من علماء أهل المدينة، ومن ثقات التابعين، كان الإمام مالك لا يقدم عليه أحدا. قال: عن أنس بن مالك، وهو الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: المراد جدته مليكة، أي جدة إسحاق بن عبد الله، وإسحاق بن عبد الله أبوه عبد الله، هو أخو أنس بن مالك لأمه. وقيل: إن المراد بقول جدته، أي جدة أنس. قال: أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فأصلي لكم. قال أنس بن مالك: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم انصرف. هذا الحديث حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في دعوة جدته للنبي عليه الصلاة والسلام بطعام صنعته، فحضر النبي عليه الصلاة والسلام وأكل، ثم صلى بهم عليه الصلاة والسلام ركعتين. في هذا الحديث من المسائل: مشروعية إجابة الدعوة، دعوة الطعام في غير الوليمة، ولو كانت في غير الوليمة. أما الوليمة، فالصحيح أن إجابة الدعوة فيها واجبة، بالنسبة لوليمة العرس، فإجابة الدعوة فيها واجبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وصف من لم يجبها بالمعصية، بل لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله، وهذا يدل على أن إجابة الدعوة واجبة. وأما غير وليمة العرس، فإجابة الدعوة مستحبة. إجابة دعوة الطعام في غير وليمة العرس، الصحيح أنها مستحبة، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري، دعى إلى طعام، وكان عنده عائشة، فقال: وهذه؟ فقال: لا. أي الداعي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا. ثم في المرة الثانية دعاه إلى الطعام، قال: وهذه؟ قال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا. ثم الثالثة، فقال: وهذه؟ قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فنعم إذن. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم رد دعوته حين دعا في أول الأمر، ولو كانت إجابة الدعوة واجبة لأجابه. فلما رده ولم يجبه، دل على أن إجابة دعوة الطعام في غير الوليمة مستحبة وليست واجبة. وفيه كذلك أيضا جواز إجابة الدعوة للطعام، ولو كانت من صنع الطعام امرأة، ولو كان من صنع الطعام امرأة، وذلك إذا أمنت الفتنة، ووجد المحرم، كأن تكون المرأة كبيرة، كما في هذا الحديث، وتؤمن الفتنة، ويوجد المحرم، فلا بأس أن تجاب هذه الدعوة. وأما إذا لم تؤمن الفتنة فلا. وكذلك أيضا فيه بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع وحسن الخلق، إذ أجاب دعوة هذه العجوز عليه الصلاة والسلام، ولم يرد دعوتها، مع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من المنزلة العظيمة، وكثرة المشاغل في أمور المسلمين، ومع ذلك تواضع وأجاب دعوتها عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا فيه جواز صلاة النافلة جماعة أحيانا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، قال: قوموا فأصلي لكم، فصلى بهم جماعة، وهذه الصلاة صلاة نافلة في النهار، فمثل هذا لا بأس به أحيانا. وكذلك أيضا فيه أن صلاة النافلة جماعة في النهار، إذا صليت، سواء كان جماعة أو منفردا، فالأفضل فيها أن تصلى ركعتين ركعتين، كصلاة الليل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل: صلاة الليل مثنى مثنى. فكذلك أيضا صلاة النهار، صلاة النهار تكون كذلك مثنى مثنى. وفيه جواز الصلاة على الحصير، وما كان بمعنى ما يفرش على الأرض، ويجلس عليه، ويصلى فيه، أنه لا بأس بالصلاة عليها، وأن الأصل فيها الطهارة؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، الأصل في ثيابنا الطهارة، والأرض، والثياب، والحجارة، فالأصل في الأشياء الطهارة. وكون أنس رضي الله عنه غسل هذا الحصير، ليس لأجل نجاسته، وإنما لأجل تنظيفه، ربما أصابه شيء من الغبار، أو أصابه شيء من اليبوسة، فأراد أن يلينه بغسله؛ لأنه كان من أعواد النخل، فأراد أن يغسله حتى يلين، ويزول ما به من غبار، ليس لأجل أنه نجس، فالأصل في الأشياء الطهارة. وفيه كذلك دليل على أن الجلوس على الشيء يسمى لباسا، قال: قد اسود من طول ما لبس، مع أن الحصير ما يلبس، الحصير يلبس الإنسان على كتفيه، يجعله رداء أو إزار، لا من طول ما لبس، يعني من طول ما استعمل. المراد باللبس هنا الاستعمال، وهذا دليل على أن الجلوس على الشيء يسمى لباسا، يسمى لباسا، وإن كان وليس كاللباس الثياب، لكن يسمى لباسا، كما في هذا الحديث: من طول ما لبس، أي من طول ما استعمل وجلس عليه. وكذلك أيضا قوله: سودا، السبب في السواد هذا بكثرة الاستعمال، الشيء إذا كثر استعماله فإنه يسود، كالحصير والفرش ونحو ذلك، إذا كثر استعمالها ترى أنها تصبح سوداء من كثرة الاستعمال، هذا معنى قول: قد اسود من طول ما لبس، أي من طول ما استعمل. ولهذا نضحه بالماء، أي رشه بالماء، حتى يعني يلينه، ويذهب ما أصابه من الغبار. وفيه كذلك أن صلاة الاثنين مع الإمام، أو موقف الاثنين مع الإمام، أن يكون خلفه. قال: صففت أنا واليتيم وراءه، أن موقف الاثنين من الإمام أن يكون خلف الإمام، هذه السنة. ويجوز أحيانا أن يقف بجانب الإمام أحدهم عن يمينه، والآخر عن يساره، هذا صحيح كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيدل هذا على الجواز، لكن الأكثر والأفضل أن يقف خلفه، أن يقف خلف الإمام. وكذلك أيضا فيه أن الصغير المميز يعتبر بصلاته، يعتبر بصلاته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا جعل أنسا واليتيم خلفه، اعتبارا بصلاة هذا اليتيم. ولو لم تعتبر صلاته، لا أوقف النبي صلى الله عليه وسلم أنسا بجانبه؛ لأن صلاة المنفرد خلف الصف لا تجوز. فلما أوقفه مع اليتيم، دل هذا على أن صلاة هذا اليتيم معتبرة. واليتيم من مات أبوه، هو صغير من مات أبوه وهو صغير، فإذا بلغ رفع عنه وصف اليتيم. وأما من الحيوانات، فاليتيم من ماتت أمه، اليتيم من الحيوانات من ماتت أمه. وأما من الإنسان، بني آدم، من مات أبوه. إذن، صلاة الاثنين، قيام أو موقف الاثنين مع الإمام، أن يكون خلف الإمام. وكذلك أيضا فيه أن المرأة تقوم خلف صف الرجال، أن المرأة تصف خلف صف الرجال والصبيان. قال: والعجوز من ورائنا، صف أنس واليتيم خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وقامت العجوز من ورائهم صفا لوحدها. المرأة صفا لوحدها، ليس عليها حرج أن تصلي منفردة. نهي عن صلاة المنفرد خلف الصف، هذا في حق الرجال، أما في حق النساء فلا بأس أن تصلي المرأة منفردة خلف الصف، فهي صف بنفسها. إذن، موقف النساء خلف الرجال، موقف النساء خلف الرجال. وفيه أيضا جواز صلاة المرأة مع إمام أجنبي، إذا وجد معها من يصلي معها من محارمها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهذه العجوز أجنبي، ومع ذلك صلت خلف النبي صلى الله عليه وسلم؛ لوجود أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وكذلك أيضا فيه أن من صلى جماعة في الصلاة النافلة، مثلا في النهار، فأقل ما يصلى أن يصلى ركعتين، أن تصلى هذه الصلاة ركعتين. قال: فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف.