كتاب الصلاة 9

كتاب الصلاة 9

الدرس في كتاب الصلاة 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الأذان برواية أبي محذورة والترجيع في الشهادتين

يروي أبو محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان متضمناً الترجيع في الشهادتين، وهو إخفاء الصوت ثم الجهر، وقد ذهب الجمهور إلى مشروعيته لزيادة الثقة في الحديث. خالف الحنفية والهادوية هذا الرأي متمسكين برواية عبد الله بن زيد، واختلف الرواة في عدد التكبيرات الافتتاحية بين مرتين وأربع.

عدد تكبيرات الأذان الأول ومشروعية التثنية في الإقامة

يناقش المقطع الخلاف في عدد التكبيرات في أول الأذان مرجحاً أنها أربع تكبيرات اعتماداً على أغلب الروايات، مع جواز الإتيان بها مرتين. يوضح معنى أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة بأن يأتي بألفاظ الأذان مثنى مثنى، ويفرد ألفاظ الإقامة إلا "قد قامت الصلاة" فتثنى.

اختلاف الفقهاء في صيغة ألفاظ الإقامة

يستعرض المقطع ثلاثة أقوال رئيسية في صيغة الإقامة: قول الهادوية بتثنية جميع الألفاظ، وقول مالك بإفرادها حتى "قد قامت الصلاة"، وقول الجمهور بإفراد الألفاظ مع تكرار "قد قامت الصلاة" فقط. يناقش أدلة كل فريق من السنة وعمل الأمصار، مع التعجب من تأخر ظهور هذا الخلاف الشديد رغم تواتر الممارسة في عصر الصحابة والتابعين.

اختلاف أدلة الفقهاء في الأذان والإقامة وتعدد الروايات

يوضح المقطع أن اختلاف الفقهاء في أدلة الأذان والإقامة ليس تناقضاً بل اختلاف تنوع، فكل رواية ثابتة تعتبر سنة. يستشهد بأمثال التشهد وصلاة الخوف، مؤكداً ثبوت الإقامة بالتثنية في حديث أبي محذورة.

  • 29 جمادى الآخرة 1446هـ - 30/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن أبي محذورة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال، أو أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه الأذان فذكر فيه الترجيع، خرجه مسلم، ولكن ذكر التكبير في أوله مرتين فقط، ورواه الخمسة فذكروه مربعا. قال: عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان، أي ألقاه صلى الله عليه وسلم عليه بنفسه، في قصة حاصلها أنه خرج أبو محذورة بعد الفتح إلى حنين هو وتسع من أهل مكة، فلما سمع الأذان أذن استهزاء بالمؤمنين، فقال صلى الله عليه وسلم: «قد سمعته في هولا تأذين إنسان حسن الصوت»، فأرسل إلينا رجلا رجلا رجلا، وكنت آخرهم، فقال حين أدن: «تعال»، فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي، وبارك علي ثلاث مرات، ثم قال: «اذهب فأذن عند المسجد الحرام»، فقلت: يا رسول الله، فعلمني، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان، فذكر فيه الترجيع، ولهذا يقولون: إن العلماء يقولون: إن حديث أبي محذورة أثبت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي علمه، وفيه الترجيع. الترجيع معناه: يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله» بصوت منخفض، معناه: مرتين مرتين بصوت منخفض، ثم يقولها بصوت مرتفع. قال: فذكر فيه الترجيع في الشهادتين، ولفظه عند أبي داود: «ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، تخفض بها صوتك». قيل: المراد أن يسمع من بقربه، وقيل: والحكمة في ذلك أن يأتي بهما أولا بتدبر وإخلاص، ولا يأتي كمال ذلك إلا مع خفض الصوت. قال: ثم ترفع، قال: ثم ترفع صوتك بالشهادة: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله». قال: فهذا هو الترجيع الذي ذهب جمهور العلماء إلى أنه مشروع لهذا الحديث الصحيح، وهو زيادة على حديث عبد الله بن زيد، وزيادة العدل مقبولة. وإلى عدم القول به ذهب الهادوية وأبو حنيفة وآخرون، عملا منهم بحديث عبد الله بن زيد الذي تقدم. قال: أخرجه مسلم، ولكن ذكر التكبير في أوله مرتين فقط، لا كما ذكره عبد الله بن زيد آنفا، فذكر أربع تكبيرات، وبهذه الرواية عملت الهادوية ومالك وغيره. ورواه -أي حديث أبي محذورة هذا- الخمسة وأهل السنن الأربعة وأحمد، فذكروه -أي التكبير في أول الأذان- مربعا، كروايات حديث عبد الله بن زيد. قال ابن عبد البر في الاستذكار: التكبير أربع مرات في أول الأذان محفوظ من رواية الثقات من حديث أبي محذورة ومن حديث عبد الله بن زيد، وزيادة يجب قبولها. قال: وعلم أن ابن تيمية في «المنطقة» نسب التربيع في حديث أبي محذورة إلى رواية مسلم. ابن تيمية -أي أبو البركات- والمصنف لم ينسبه إليه، بل نسبه إلى رواية الخمسة. فراجعت صحيح مسلم وشرحه، فقال: إن أكثر أصوله فيها التكبير مرتين في أوله. وقال القاضي عياض: إن في بعض طرق الفارسي لصحيح مسلم ذكر التكبير أربع مرات في أوله. وبه تعرف أن المصنف اعتبر أكثر الروايات، وابن تيمية اعتمد بعض طرقه، فلا يتوهم المنافاة بين كلام المصنف وابن تيمية. فالترجيع يكون سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويكون في التكبير أربعا، هذا الثابت أربعا. لو أتى بها مرتين إن شاء الله ما في شيء، لكن الأفضل -لأن أكثر الحديث والروايات فيها أربع- يكبر أربع تكبيرات. وإنما جاءت التثنية في الإقامة، جاءت التثنية معناها: ثنتين في الإقامة. قال: قال عن أنس رضي الله عنه: قال: «أمر بلالا أن يشفع الأذان شفعا، ويوتر الإقامة إلا الإقامة»، يعني: إلا «قد قامت الصلاة»، متفق عليه، ولم يذكر مسلم الاستثناء. قال: وعن أنس: «أمر» بضم الهمزة، «أمر بلال» مبني للمجهول، لما لم يسمى فاعله بني كذلك للعلم بالفعل، لمن لم يسمى فاعله. وهنا سقطت هذه الكلمة: «فإنه لا يأمر». قال: لما لم يسمى فاعله بني كذلك للعلم بالفعل، فإنه لا يأمر في الأصول الشرعية إلا النبي عليه الصلاة والسلام، ويدل له الحديث الآتي قريبا. قال: بلال نائب الفاعل، «أن يشفع» بفتح أوله، الأذان يأتي بكلماته شفعا، أي مثنى مثنى، أو أربعا أربعا، فالكل يصدق عليه أنه شفع. قال: وهذا إجمال بينه حديث عبد الله بن زيد وأبي محذورة، فشفع التكبير: أن يأتي به أربعا أربعا، وشفع غيره: أن يأتي به مرتين مرتين، وهذا بالنظر الأكثر، وإلا فإن كلمة التهليل في آخره مرة واحدة اتفاقا. قال: وقوله: «ويوتر بالإقامة» يفرد ألفاظها إلا الإقامة، بين المراد بها: يعني إلا «قد قامت الصلاة»، يعني يأتي بها مرتين، فإنه يشرع أن يأتي بها مرتين ولا يوترها، متفق عليه، ولم يذكر مسلم الاستثناء، يعني قوله: «إلا الإقامة». فاختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال: الأول: للهادوية، فقالوا: تشرع تثنية ألفاظ الإقامة كلها، لحديث: «أن بلال كان يؤذن الأذان والإقامة»، وأيضا جاء في حديث أبي محذورة تثنية الإقامة، يقول: «الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح». قال: «أن بلال كان يثني الأذان والإقامة»، رواه عبد الرزاق ودارقطني والطحاوي، إلا أنه قد ادعى فيه الحاكم الانقطاع، وله طرق فيها ضعف. قالوا: بالجملة لا تعارض رواية التربيع في التكبير رواية الإفراد في الإقامة لصحتها، فلا يقال: إن تثنية ألفاظ الإقامة زيادة عدل فيجب قبولها، لأنك قد عرفت أنها لم تصح، بل كما قلنا صحت في حديث أبي محذورة رضي الله تعالى عنه، لأنه قد عرفت. والثاني: لمالك، فقال: تفرد ألفاظ الإقامة حتى «قد قامت الصلاة». والثالث: الجمهور، أنها تفرد ألفاظها إلا «قد قامت الصلاة» فتكرر، عملا بالأحاديث الثابتة في ذلك. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا، معنا بالتصريح أنه النبي صلى الله عليه وسلم، أي أن «أنس» بالبناء للفاعل وهو النبي عليه الصلاة والسلام، أمر بلالا، وإنما أتى به المصنف ليفيد أن الحديث الأول المتفق عليه مرفوع، وإن ورد بصيغة البناء للمجهول. قال: اختلاف السند في تثنية الأذان. قال: وجرى العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن وديار مصر ونواحي الغرب إلى أقصى حجر من بلاد الإسلام، ثم اقتدى من قبلهم بأئمتهم. قلت: وكأنه أراد باليمن من كان فيها شافعي المذهب، وإلا فقد عرفت مذهب الهادوية وهم سكان غالب اليمن. وما أحسن ما قاله بعض المتأخرين: وقد ذكر لخلاف في ألفاظ الأذان، هل هو مثنى أو أربع -أي التكبير في أوله- وهل فيه ترجيع الشهادتين أو لا، والخلاف في الإقامة. قال: لما نقضت هذه المسألة من غرائب الوقائع، يقل نظيرها في الشريعة بل وفي العادات، وذلك أن هذه الألفاظ في الأذان والإقامة قليلة محصورة معينة، يصاح بها في كل يوم وليلة خمس مرات على مكان، وقد أمر كل سامع أن يقول كما يقول مؤذن، وهم خير القرون في غرة الإسلام، شديدين المحافظة على الفضائل، مع هذا كله لم يختلف الصحابة ولا التابعون واختلافهم فيها، ثم جاء الخلاف الشديد في المتأخرين. ثم كل من المتفقهين أدلة أدلة، مثبتي أدلة بشيء صالح، عجيب، الله أدلة بشيء صالح في الجملة، وإن تفاوت، وليس بين الروايات تنافٍ لعدم الممانعة من أن يكون كل سنة، كما نقول، أو كل سنة كما نقول، وقد قيل في أمثاله كألفاظ التشهد وصورة صلاة الخوف: معناه أنه من اختلاف التنوع، وكله سنة. هذا إذا ثبت، لكن أيضا ثابت كما قلنا: الإقامة التثنية ثابتة في حديث أبي محذورة. طيب، إن شاء الله نكتبه.