شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 2

الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أوقات الصلاة وفضل أدائها في أول وقتها مع بيان وقت صلاة الفجر

يتناول المقطع أهمية المواقيت الشرعية للصلوات الخمس ويستعرض حديث ابن مسعود في فضل الصلاة على وقتها. كما يوضح حديث عائشة رضي الله عنها عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الفجر بالغلس وحضور النساء متسترات مع ذكر خلاف العلماء في التغليس والإسفار.

مواقيت الصلوات الخمس عند النبي صلى الله عليه وسلم والجمع بين أحاديث الغلس والإسفار

يستعرض المقطع خلاف العلماء في وقت صلاة الفجر بين الغلس والإسفار ويرجح رأي الجمهور بالجمع بين الأحاديث بدخول الصلاة بغلس والخروج منها بعد الإسفار. ويوضح أوقات الصلوات الخمس النبوية وفق حديثي جابر بن عبد الله وأبي برزة الأسلمي مبيناً أن الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب عند وجوب الشمس والعشاء حسب حال الناس والفجر بغلس.

آداب الصلوات من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشاء والفجر

يوضح المقطع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تأخير صلاة العشاء وكراهيته للنوم قبلها والحديث بعدها إلا لمصلحة. كما يبين وصف صلاة الغداة وإطالة القراءة فيها بما يقارب الستين إلى المائة آية.

ختام الدرس والتمهيد للدرس القادم

يختتم الشيخ الدرس الحالي مشيراً إلى أن التعليق على الأوقات الخمسة وبقية أحاديث الباب سيأتي في الدرس القادم. ويختتم بالدعاء والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم.

  • 16 جمادى الأولى 1445هـ - 28/11/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول كتاب الصلاة، وابتداءً بأول أبوابه ألا وهو باب المواقيت. وقلنا: المواقيت جمع ميقات، وهو الزمن المحدد لأداء الصلاة فيه. ودخول وقت الصلاة هذا كما سبق معنا يعتبر شرطاً من شروط صحة الصلاة. وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه المغني: قال: أجمع المسلمون أن الصلوات الخمس مؤقته بمواقيت محددة. وسبق معنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾. وسبق معنا الإشارة إلى حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه أحمد والنسائي والترمذي: أن جبريل عليه السلام أتى وصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول، صلى به الصلوات الخمس في أول وقتها، ثم صلى به في اليوم الثاني الصلوات الخمس في آخر وقتها، ثم قال جبريل: «ما بين هذين وقت»، أي وقت الصلاة يبدأ من زمن صلاته بالأمس وينتهي في صلاته في اليوم الثاني. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: قال محمد البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر، أي الذي سيأتي معنا الإشارة إليه إن شاء الله عز وجل. وبدأ أحاديث المواقيت بحديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة على وقتها». لاحظ أهمية الصلاة وعظيم أدائها في وقتها المحدد لها شرعاً. قال: قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». وقدم بر الوالدين على الجهاد، وهذا يدل على عظم حق الوالدين. ولهذا لما جاء رجل من اليمن إلى المدينة يريد أن يجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «فارجع ففيهما فجاهد». قال: قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني. قال رحمه الله تعالى: قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمرطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن وما يعرفهن أحد من الغلس». وهذا الحديث يا إخوان موضوعه بيان متى كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الفجر. تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر»، أي يصلي صلاة الفجر، «فيشهد معه نساء من المؤمنات»، أي أنهن يحضرن إلى صلاة الفجر. وهذا فيه يا إخوان فيه جواز إتيان النساء إلى المسجد وحضور الصلاة فيها مع جماعة المسلمين، لكن بالشروط الشرعية: أن يخرجن متسترات وغير متعطرات. «متلفعات»: ومعنى متلفعات أي ملتحفات، «بمرطهن»: المرط هي عبارة عن أكسية كساء معلم، يعني فيه علامات معلم، وقد يكون من صوف وقد يكون من غيره. وهذا فيه يا إخوان أن النساء يخرجن إلى الصلاة وهن متحجبات متسترات. «ثم يرجعن إلى بيوتهن وما يعرفهن أحد من الغلس»: والغلس يا إخوان هو عبارة عن اختلاط ضياء الصبح بظلام الليل، يعني الدنيا غير واضحة، الصبح لم يسفر بعد. وهذا يا إخوان فيه استحباب إقامة صلاة الفجر بالغلس، يعني قبل أن يتضح الضو ويسفر الصبح. وهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها العلماء: صلاة الفجر هل تصلى بغلس، أي ولا زالت ظلمة الليل موجودة، أم أنها تصلى بالإسفار، يعني إذا أسفر الصبح أي انتشر وظهر؟ فمذهب الجمهور من أهل العلم هو أن الأفضل في صلاة الفجر التغليس، يعني استحباب أن يعجل بصلاة الفجر إذا تحقق طلوع الفجر، وهذا يسمى بوقت الغلس. واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة، منها حديث جابر بن عبد الله: قال جابر: «والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس، يصليها بغلس». وهكذا أيضاً في حديث أبي موسى الأشعري في صحيح مسلم: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن المواقيت، عن مواقيت الصلوات، فلم يرد عليه شيئاً، قال: «فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً»، أي بالغلس وما تبقى من الظلمة الموجودة. وخالف الحنفية والأوزاعي وغيرهم فقالوا بالإسفار، وأن صلاة الفجر بالإسفار إذا اتضح الضوء، قالوا هذا أفضل. وعمدتهم في هذا حديث رافع بن خديج رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر». أسفروا بالفجر يعني أخروا حتى يظهر الضوء كثيراً، قال: «فإنه أعظم للأجر». والحديث يا إخوان صحيح، الحديث صحيح، لكن حمله الجمهور من أهل العلم على أنه يدخل في الصلاة بغلس ويخرج منها إذا أسفر، وهذا فيه الجمع بين الأحاديث وهو الصحيح. فيدخل في الصلاة بغلس، أي دنيا مظلمة وضوء الفجر لم يظهر كثيراً، ويخرج من صلاة الفجر والدنيا قد أسفرت. وهكذا الجمهور حملوا الإسفار الوارد في الحديث السابق على تحقق طلوع الفجر، المقصود به أن تتحققوا من طلوع الفجر حتى لا يتعجل فتقع الصلاة في غير وقتها المحدد شرعاً. وكذا ذكر بعضهم أن المقصود به الليالي المقمرة التي يكون فيها القمر حاضراً، القمر حاضراً التي يصبح فيها القمر بدراً، فإن الفجر في الغالب قد يخفى لغلبة ضوء القمر. فيه هنا الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا يحث على تحري طلوع الفجر، تحري طلوع الفجر. وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: قال عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلّي الظهر بالهاجرة، يصلّي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحياناً وأحياناً». قال مفسراً لذلك: «إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخّر». قال: «والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس، يصليها بغلس». وهذا الحديث فيه بيان متى كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات الخمس. وقوله هنا: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة»، بدأ بصلاة الظهر ولم يبدأ بصلاة الفجر، ورد في أكثر الروايات، وجاء في بعض الروايات أنه بدأ بالفجر. وشيخ الإسلام ابن تيمية كان يرجح البدء بصلاة الفجر، لماذا؟ لأن البدء بصلاة الفجر يجعل صلاة العصر هي الصلاة الوسطى: فجر وظهر ثم عصر، فمغرب وعشاء. وعلى الصحيح يا إخوان في الصلاة الوسطى أنها صلاة العصر. وقوله هنا: «بالهاجرة» أي في شدة الحر بعد الزوال، أي بعد أن تزول الشمس عن وسط وكبد السماء إلى جهة المغرب، هنا يبدأ وقت صلاة الظهر. «والعصر والشمس نقية»: ومعنى نقية أي أنها صافية لم تصفر بعد. أن تراقب الشمس الساعة الثالثة عصراً، انظر إليها فإذا بها نقية صافية. طيب، انظر إليها الساعة الرابعة والنصف، الخامس إلا ربع، ترى أن لونها تغير فازداد صفرة. «وقوله والمغرب إذا وجبت»: ومعنى إذا وجبت أي إذا سقطت، والمراد ها هنا سقط قرص الشمس، أي اختفى وغاب. «والعشاء أحياناً وأحياناً»: إذا رآهم اجتمعوا عجل لأنه الأرفق بهم، وإذا رآهم أبطأوا أخّر لأنه الأحظ لهم وكذلك الأصلح لهم. «والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس، يصليها بغلس». قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي المنهال سيار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة؟ والمكتوبة أي المفروضة: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾. فقال أبو برزة الأسلمي: «كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدهض الشمس، حين تدهض الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية». ومعنى حية أي كما في حديث جابر: نقية صافية لم تصفر بعد. قال: «ونسيت ما قال في المغرب». من القائل؟ نسيت ما قال في المغرب، أهو أبو برزة الأسلمي أم راوٍ عنه وهو أبو المنهال سيار بن سلامة؟ نعم، أحسنت، أبو المنهال سيار بن سلامة يقول: نسيت ما قال في المغرب، أي ما قاله أبو برزة الأسلمي في وقت المغرب. «وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، التي تدعونها العتمة». والعتمة أي بمعنى الظلمة التي لا يرى الشخص فيها شيئاً في الغالب. «وكان يستحب» أي النبي صلى الله عليه وسلم «أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة». ولهذا في بعض الليالي كان يتأخر عليه الصلاة والسلام ثم يخرج على الناس فيقول: «إنها لوقتها، لولا أن أشق على الناس، لولا أن أشق على الناس». «وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها». الضمير يعود إلى ماذا؟ «وكان يكره النوم قبلها» يا أبا ناظم، «وكان يكره النوم قبلها» يا أبا ناظم، أي قبل أي قبل ماذا؟ أحسنت، قبل صلاة العشاء، قبل صلاة العشاء. قال: «والحديث بعدها» أيضاً الضمير يعود إلى ماذا؟ نعم يا محمد، صلاة العشاء، إلى صلاة العشاء. «كان يكره النوم قبلها»: ما هو السبب يا إخوان، يا أبا محمد؟ لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أو كان يكره النوم قبل صلاة العشاء؟ أحسنت، لألا يفوته العشاء، لألا يفوته العشاء. «وكان يكره الحديث بعدها» أي بعد صلاة العشاء، إلا ما كان فيه مصلحة يا إخوان، كالعلم والسمر على العلم، والسمر مع الضيف. جاءك ضيف، جاءك ضيف، طيب كيف تفعل معه؟ تعشق بعد المغرب؟ لا، بس صلي العشاء، ممنوع الكلام هذا الفراش؟ لا، السمر مع الضيف هذا مما جاءت به السنة أيضاً، السمر مع الأهل هذا أيضاً مما جاءت به السنة. فإذا كان هناك مصلحة أو منفعة فيجوز الحديث بعد صلاة العشاء. وإذا كان الحديث بعد العشاء قيل وقال وما لا فائدة وراءه، فهنا يا إخوان هذا يكره. وكان عليه الصلاة والسلام يكره الحديث بعدها أي بعد صلاة العشاء الذي ليس وراءه فائدة، وإنما لربما يضيع على الشخص قيام الليل، وهكذا النشاط لصلاة الفجر مبكراً، إلى غير ذلك من المصالح التي قد تفوت على الشخص بسبب الحديث بعد صلاة العشاء في غير ما فائدة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أفضل الصيام صيام داود، وأفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويفطر يوماً». ولهذا يا إخوان النوم المبكر يعتبر من الأسباب المعينة على النشاط لقيام الليل: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾، ﴿ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴾، معك النهار تحدث وعمل واصنع ما أباح الله لك، ما أباح الله لك. «وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المئة». وقوله: «وكان ينفتل من صلاة الغداة»: ما هي صلاة الغداة يا إخوان؟ صلاة الغداة ما هي يا أبا حمزة؟ نعم، صلاة الغداة... نعم، طيب يا أبا الفتح، عندك صلاة الغداة واضحة؟ باقي صلاة واحدة لم تذكر فما هي؟ ذكر الظهر والعصر... قال: «ونسيت ما قال في المغرب»، قال: «وكان يستحب أن يؤخر من العشاء»، وليس العشاء يا إخوان، تأخير العشاء هذا قد يسبب مشاكل، العشاء الأكل بالفتح والعشاء بالكسر هو الصلاة. قال: «التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة». عدنا إليك أبا الفتح، فما المقصود بصلاة الغداة التي كان يقرأ فيها بالستين إلى المئة، أي من ستين آية إلى مئة آية؟ صلاة... قلت الفجر، أحسنت، نعم هي صلاة الفجر تسمى بصلاة الغداة. «وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل منا جليسه»، وكانت المساجد ليس فيها مصابيح، ليس فيها مصابيح. «وكان يقرأ بالستين إلى المئة»، أي أنه كان يطيل في صلاة الصبح، صلاة الغداة، صلاة الفجر. ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾، أي تشهده الملائكة، أي تشهده الملائكة. يأتي معنا التعليق إن شاء الله عز وجل على هذه الأوقات الخمسة في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل، مع ما يتعلق ببقية أحاديث الباب. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.