الدرس في كتاب الصلاة 1، ألقاها
يتناول شرح كتاب الصلاة للإمام ابن قدامة معنى الصلاة لغة وشرعا وأدلتها من القرآن والسنة وإجماع الأمة. فرضت الصلاة خمس مرات يوميا وجحد وجوبها يعتبر كفرا.
اختلف الفقهاء في حكم تارك الصلاة بين كفر أكبر وفسق، واستدل كل فريق بأدلة من الأحاديث. شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن التارك للصلاة بالكلية كافر.
الصلاة تجب على المسلم العاقل البالغ ولا تجب على الصغير أو المجنون. تأخير الصلاة بدون عذر حرام وتستوجب العقوبة لمن يتركها تهاونا.
اختلف العلماء في صحة الصلاة بعد خروج وقتها بين القول بالصحة مع الإثم وعدم الصحة. شيخ الإسلام ابن تيمية يرى عدم صحتها لمن تعمد التأخير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفَّق ابن قدامة رحمه الله في كتابه «عمدة الفقه»: كتاب الصلاة. وكما مرَّ معنا في أوائل كتاب الطهارة أن الكتاب بمعنى المكتوب ها هنا، وهو مأخوذٌ من الكتب، أي الجمع، لأن الكتاب يجمع فيه أبواب من صنفٍ واحد أو مباحث من جنسٍ واحد، فيجمع في ذلك المكان، فيسمى ذلك كتابًا. قال رحمه الله تعالى: كتاب الصلاة. والصلاة في اللغة، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لها معان، من أشهرها هو الذي عليه أكثر أهل اللغة، وكذا أن الصلاة بمعنى الدعاء. وهل الصلاة الشرعية هي من قول عن هذا المعنى، أم أنها على بابها وإنما ذكرت معها أركانها وشروطها وواجباتها، فقيدت ما أطلقه المعنى اللغوي؟ وما شابه ذلك، الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أن الصلاة بمعنى الدعاء، وهي على بابها؛ لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين: إلى دعاء مسألة، وهو دعاء العبد ربه جل وعلا جلب نفع أو دفع ضر، أو دعاء عبادة، وهو التقرب إلى الله جل وعلا بطاعة الله جل وعلا. وكلا المعنيين بينهما تلازم، فدعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، ودعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة. وإذا علم هذا، علم أن الصلاة بمعناها الشرعي لا تخرج عن هذا المعنى، إذ أن الإنسان، إذ أن المصلي من أول صلاته إلى أن يقضيها وهو في دعاء، إما في دعاء عبادة من قيام، ركوع، سجود إلى غير ذلك، وإما في دعاء مسألة وثناء على الله جل وعلا، فهو في دعاء. والصلاة شرعا، عرفها العلماء رحمهم الله تعالى بأنها العبادة التي شرعها الله جل وعلا بأوصاف مخصوصة من ركوع وسجود وقراءة وذكر وغير ذلك، في أوقات معلومة، أي المفروضة. وما عداها، فمنها ما هي من ذوات الأسباب، ومنها ما هي مؤقتة بأوقات، ومنها ما هي مطلقة. قال رحمه الله تعالى: كتاب الصلاة. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الصلاة أول ما فُرِضَت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنها فُرِضَت عليه قبل الإسراء، وكانت إنما هي صلاتان: ركعتان في أول النهار، وركعتان في آخر النهار. ثم فُرِضَت عليه الصلوات الخمس في ليلة الإسراء، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة المتكاثرة في الصحيحين وغيرهما، من حديث أنس، ومن حديث طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم: أن الصلوات الخمس فُرِضَت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى كذلك: متى كانت ليلة الإسراء؟ فقيل: أنها بعد البعثة بسنتين، وهذا قول ضعيف. وقيل: بخمس، وهو كذلك. وقيل: قبل الهجرة بسنتين، وهذا قول الأكثر. وقيل: بخمس سنين. قوله رحمه الله تعالى: كتاب الصلاة. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، كغيره من الفقهاء، أردف بكتاب الصلاة بعد كتاب الطهارة؛ وذلك لمعنى، وذلك المعنى أنه بعد أن قدم الشرط، أتى بالمشروط، وهو الصلاة. فتقديم الطهارة من باب تقديم الشرط على العبادة، وهذا من هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له». فالصلاوات الخمس واجبة على كل مسلم عاقل بالغ، إلا الحائض والنفساء. فمن جحد وجوبها لجهله، عُرِّف ذلك. وإن جحدها عنادا، كفر. الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى افتتح كتاب الصلاة بحديث عبادة بن صامت رضي الله عنه وأرضاه، من ذكر وجوب الصلوات الخمس، وأن الله تبارك وتعالى كتبهن على العباد، فهن مفروضات بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. الكتاب: ربنا تبارك وتعالى، في آيات كثيرة يأمر عباده بإقامة الصلاة، فيقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، في آيات كثيرة من ذلك، أي في أمر الله جل وعلا العباد بأن يقيموا الصلاة. قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، فدل هذا على أن الصلاة واجبة بنص القرآن. وكذلك بنص السنة النبوية، من ذلك ما ذكر هاهنا في حديث عبادة بن الصامت، وهو حديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، وشيخنا العلامة الوادعي رحمه الله. والشاهد منه: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة». وجاء كذلك في الصحيحين، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، حينما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». وقال: «فإنهم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم بأن الله افترض عليهم خمس صلوات في يوم وليلتهم». خمس صلوات في يوم، أو قال: في اليوم والليلة. وكذلك يدل على فرضيتها ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، صوم رمضان». الحديث. الشاهد: «بني الإسلام على خمس». وجاء كذلك في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه، في سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن أركان هذا الدين، أو عن مراتب هذا الدين، وقال فيه: «ما الإسلام؟» قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا». فدل ذلك على فرضية الصلاة وأنها مفروضة. وقد نقل الإجماع غير واحد، من ذلك: بل وجوب الصلاة، كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: من الأمور المعلومة في دين الله جل وعلا بالضرورة، أي لا يسع أحدا جهلها؛ لأنها من أمور الدين، من أمور دين الله جل وعلا الظاهرة الجلية التي لا يسع أحدا جهلها. فإن وجد إنسان يجهلها، إما لحداثة عهده بإسلام، أو لبعده عن العلم وبلاد الإسلام، فمثل هذا، كما ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: بأنه يعرف ويعلم. فإن رجع، فبها ونعمة. وإن أصر على عدم الوجوب، كفر بذلك. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى استدل بهذا الحديث، أو في استدلاله بهذا الحديث، دلالة على مصيره إلى أن ترك الصلاة تحت مشيئة الله جل وعلا؛ لأنه استدل بهذا الحديث، وفيه قال: «كان له عهد عند الله: خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد، لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له». وهذه المسألة: مسألة شهيرة بين الفقهاء، وقع فيها الخلاف قديما، وهي مسألة حكم تارك الصلاة. بعد أن اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على أن من ترك الصلاة جحودا وإنكارا لوجوبها، بأنه كافر، وأنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، قتل ردة وكفرا، والعياذ بالله. واختلفوا فيمن أقر بوجوبها، ولكنه تركها تكاسلا وتهاونا: هل يكون ذلك كافرا أم لا؟ خلاف مشهور بين العلماء رحمهم الله تعالى. فنقل إجماع الصحابة على أن تاركها كافر، على أن تاركها كافر. وذهب إلى القول بأنه كافر كفرا أكبر: جماعة من الأئمة رحمهم الله تعالى، منهم أحمد في رواية، وإسحاق، وطائفة من الفقهاء رحمهم الله، نصوا على أن تارك الصلاة كافر كفرا أكبر، أنه كافر كفرا أكبر. ثم اختلفوا في ما هي أو ما هو المعتبر في كونه تاركا، في كونه تاركا؟ فمنهم من قال: إذا ترك صلاة حتى يأتي وقت الأخرى، يكون كافرا. ومنهم من قال: إذا ترك صلاة لا تجمع مع أختها عمدا، حتى خرج الوقت، فإنه يكون كذلك. ومنهم من قال: بل إذا ترك ثلاث صلوات متتاليات، فإنه يكون تاركا. ومنهم من ذهب إلى غير ذلك. وهؤلاء يستدلون بأدلة ظاهرها يدل على كفر تارك الصلاة، منها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة»، كما في مسلم، من حديث جابر. وجاء في حديث بريدة عند أصحاب السنن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». قالوا: هذه نصوص صريحة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخبر فيها بأن من ترك الصلاة بأنه كافر. وجاء كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث معاذ، ومن حديث غيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك الصلاة فقد بريئت منه الذمة». هو حديث حسن بمجموع طرقه. قالوا: فهذه أدلة تدل على أن ترك الصلاة يكون كافرا، بتركه للصلاة يكون كافرا بتركه للصلاة. وذهب الجمهور من الفقهاء، أصحاب المذاهب المشتهرة: المالكية، مالك، الشافعية، أحمد في رواية، وكذلك أبو حنيفة، إلى أن ترك الصلاة ليس بكافر كفرا أكبر، ولكنه كفرا أصغر، أي فاسق، وليس بكافر. واستدل على ذلك بأدلة، منها هذا الحديث المذكور بين أيدينا. وهذا الحديث نوقش باعتبار أن المقصود ليس الترك، وإنما المقصود التفريط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حافظ عليهن»، أي حافظ على واجباتها في أوقاتها، لا أنه تركها تركا كليا. والجمهور رد هذا الرد بأن المحافظة يستفاد منها عدم المحافظة. وليقال لمن قصر في واجباتها، أو قصر في بعض واجباتها: بأنه يحصل لهم ما يحصل مما تقدم في كلام الطائفة الأخرى. واستدل كذلك بأدلة كثيرة كذلك في الباب، منها: أي من أدلة، إلى جانب ما تقدم ذكره: أدلة النجاة بلا إله إلا الله، وأن من قال: لا إله إلا الله، فإن لا إله إلا الله منجية لهم في الدنيا، باعتبار عصمة الدماء، وفي الآخرة، باعتبار كذلك أنه لا يخلد في النار، أو لا يدخل النار، يعني إما أن لا يدخل أصلا، أو لا يخلد، من كان من أهل لا إله إلا الله، كما في حديث صاحب البطاقة. في الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: في أن رجلا يؤتى به يوم القيامة، فتوضع صحائف سيئاته في كفة من كفتي الميزان، فيقال له: هل عملت خيرا؟ هل لك من حسنة؟ فيقول: لا. فيقال: لو بلى، إن لك عندنا اليوم حسنة. فتخرج له بطاقة فيها: لا إله إلا الله. قالوا: ظاهر الحديث أنه ليس له حسن قط، فهو ليس من أهل الصلاة. لو كان من أهل الصلاة، لقيل له: لك حسنة لا إله إلا الله، ولك حسنة الصلاة، وما شابه ذلك. لكن ما ذكرت إلا حسنة لا إله إلا الله. ولما وضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، طاشت بها صحف السيئات، وثقلت لا إله إلا الله. قال: فدل على أن لا إله إلا الله منجية العبد بإذن الله رب العالمين جل وعلا. وأن العبد يكون بها مسلما، ولو لم يكن من أهل الصلاة، ولو لم يكن من أهل الصلاة لم يكن مصليا. والحاصل: أن في المسألة خلافا مشهورا بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، قديما وحديثا، في هذه المسألة الشهيرة الكبيرة. ومما استدل به هؤلاء أيضا، أي الجمهور: أنه لا يعرف على ممر التاريخ: أن إنسانا مات على ترك الصلاة، أي وهو تارك للصلاة، وأنه لم يورث، وأنه لم يصل عليه، وأنه لم يدفن في مقابر المسلمين. قال: فدل ذلك على أن الأمة من قرون متتابعة: على أن تارك الصلاة ليس بمرتد، ولا يعامل معاملة الكافرين. فاستدل بهذه الأمور، وهذه الوقائع: على أن تارك الصلاة ليس بكافر، بهذه الاعتبارات. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى له قول متوسط بين القولين، وهو أن ظواهر الأدلة والنصوص الصريحة الواضحة تدل على أن تارك الصلاة كافر. وإذا نظرنا في الأدلة الأخرى، وجدت كذلك أنها لها قوة ومكانة. فلذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلاما معناه: متى يقال للرجل بأنه تارك؟ هل بمجرد تركه للصلاة الواحدة، أو لصلاتين، أو لثلاث، أو لتركه للصلوات بالكلية؟ الذي مال إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وجنح إليه: أن المقصود بالتارك: التارك بالكلية، لا من صلى تارة وترك تارة، يعني معنى هذا: أن من صلى تارة وترك تارة أخرى، بأن هذا لا يقال فيه بأنه كافر؛ لأنه ليس بتارك للصلاة؛ لماذا؟ لأنه يصلي تارة، ويترك تارة. وإلى هذا القول مال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، ومن المعاصرين: العلامة العثيمين، رحمه الله الجميع. قوله رحمه الله تعالى: «فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم عاقل بالغ، إلا الحائض». فالصلوات الخمس واجبة على من؟ على كل مسلم. فقولهم: على كل مسلم، هل يفهم منها بأن الكافر لا تجب عليه الصلاة؟ الجواب الصحيح من أقوال العلماء: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، إلا أنهم لا تصح منهم، أو لا يصح منهم شيء من الأعمال والعبادات إلا بشرطها، وهو الإسلام. لكن ثمرة ذلك: بأنهم إذا ماتوا وهم على الكفر، عذبوا بسبب كفرهم، وعذبوا بسبب تركهم لأوامر الله جل وعلا، فهم مخاطبون بفروع الشريعة بهذا الاعتبار. قال رحمه الله تعالى: واجبة على كل مسلم؛ لماذا؟ لأن الصلاة عبادة، والعبادة مفتقرة إلى الإخلاص والنية، وهذه لا تكون إلا من مسلم. ولأنها الشرط الأصل في صحة العبادة، أي كون المتعبد لله جل وعلا مسلما. قال: على كل مسلم عاقل، العاقل: خرج المجنون؛ فإنه غير مخاطب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «والمجنون حتى يعقل». هذا من حيث الدليل، ومن حيث المعنى: أن العقل هو مناط التكليف، فمتى فقد العقل، فقد تعلق الحكم أو الأحكام بذلك العبد. وقوله: بالغ، كذلك خرج من لم يكن بالغا، خرج من لم يكن بالغا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «وعن الصبي حتى يحتلم»، وفي رواية: «حتى يبلغ». وهذا أمر آخر، باعتبار المعنى، قال: أن الصغير لا قصد له صحيح. بقي: قد يقول قائل: فكيف نجمع بين هذا، وبين أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأولياء، الآباء: بأن يأمر أبناءهم بالصلاة وهم أبناء عشر، في قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء عشر». فهل هذا الأمر يقتضي الوجوب أم لا؟ هذه مسألة من المسائل الأصولية التي يذكرها الأصوليون في كتب أصول الفقه، وهي: هل الأمر بالأمر بالشيء واجب على الآمر والمأمور به؟ أم هناك تفصيل؟ الصحيح: أن هناك تفصيل، وهو أن الأمر بالأمر بالشيء، إن كان ذلك الأمر متوجهًا إلى أن يبلغه المأمور، المأمور إلى من أمر، فهنا يكون الأمر واجبا على من أمر، باعتبار أنه يجب عليه التبليغ، والآخر باعتبار أن الأمر متوجه إليه. مثال ذلك: ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر: من الخطاب حينما طلق امرأته، فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مره أن يراجعها». الحديث. فالأمر ها هنا لعمر بأن يأمر ابن عمر، فالأمر لعمر: أمر بالإبلاغ، والأمر إلى ابن عمر: أمر بامتثال الأمر. فإذن الأمر في هذه الصورة: أمر للآمر، وأمر كذلك لمن أمر بأن يأمره، لمن أمر أن يأمره. الحالة الثانية: أن الخطاب يكون متوجهًا إلى الآمر دون المأمور به، أن يكون الخطاب أو الأمر متوجهًا إلى الآمر، لا إلى من أمر بأمره، يعني الخطاب متوجهًا إلى المخاطب، متوجهًا إلى من أمر، لا إلى من أمر بأن يبلغه. مثل حديث: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». فالأمر ها هنا: مروا لمن أمر، للآباء بأن يأمروا أبناءهم. لكن الأمر ها هنا: هل هو أمر إيجاب أم أنه أمر آداب، تعويد، تأديب، تهيئة؟ قالوا: الأمر: أمر تأديب وتهيئة وتعليم. فإذا لا يكون واجبا على الأبناء امتثال الصلاة. بقي: هل واجب على الآباء؟ قولاء العلماء: فكثير من أهل العلم قالوا: بأن هذا الأمر من الآباء على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب. وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك الأمر من الآباء للأبناء: أنه على سبيل الوجوب، لظاهر الأمر. والأولون قالوا: إذا كان المأمور به مستحبا، فمن باب أولى أن يكون الآمر به، الأمر في حقه مستحبا. فعلى كل: أن هذه الصورة، الأمر بالأمر بالشيء على الحالة الثانية: لا يكون أمرًا، أو لا يكون واجبًا على من أمر بتبليغه لذلك الأمر، أو من أمر بأمره بذلك الأمر. فمن شرط الصلاة: فالصلاوات واجب على كل مسلم كما تقدم، عاقل كما تقدم، بالغ. وهل معنى هذا: أن الصغير صلاته لا تصح؟ هل معنى هذا: أن الصغير إذا صلى صلاة لا تصح، باعتبار أن هذا من شروطها؟ الجواب: ليس كذلك. لكن باعتبار: هل تجب عليه؟ هل تجب على الصغير الذي لم يبلغ الصلاة؟ الجواب: لا. لكن هل تصح منه؟ الجواب: نعم. يعني تصح منه إذا كان عاقلا مميزا يحسن الصلاة. ولا تجب عليه، بمعنى أنه يثاب على فعلها، ولا يعاقب على تركها؛ أنه يثاب على فعلها على الصحيح من أقوال العلماء، ولا يعاقب على تركها؛ يعني لو أن طفلا ابن سبع، ثمان، تسع سنين، عشر سنين، كان يصلي، هل يثاب على هذه الصلاة أم لا؟ الصحيح من أقوال العلماء: أنه يثاب عليها. إذا تركها، هل يعاقب على تركها أو يستحق العقاب على تركها؟ الجواب: لا؛ لماذا؟ لأن الصلاة لا تجب عليه؛ لأن الصلاة لا تجب عليه. قال رحمه الله تعالى: على كل مسلم عاقل بالغ، إلا الحائض والنفساء، كما تقدم: من أن الحائض لا يجب عليها الصلاة، وكذا النفساء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أليست المرأة إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟» كما في الصحيح من حديث أبي سعيد. قال: «فمن جحد وجوبها لجهله». جحد وجوبها لجهله، إما لأنه في بادية بعيدة عن الإسلام، أو لحداثة عهده بالإسلام، أو أنه في بلدة بعيدة لا يعلم شعائر الإسلام، ليس فيها شعائر الإسلام ظاهرة. فمثل هذا يعرف، يعلم. فإن أقر بوجوبها بعد التعليم، فالحمد لله. وإن جحدها بعد ذلك عنادا، كفر؛ لأنه جحد وجوب الصلاة. ومن جحد وجوبها، فإنه كافر إجماعا. قال رحمه الله تعالى: «ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها إلا لعذر، جمعها أو مشتغل بشرطها». فإن تركها تهاونا بها، استتيب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل. قوله رحمه الله تعالى: «ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها إلا لعذر، جمعها». بمعنى أن الإنسان مثلا لو كان في وقت صلاة الظهر، أخرها حتى دخل وقت العصر، ما حكم هذا التأخير؟ حكمه أنه آثم؛ لأنه آثم؛ لماذا؟ آثم؛ لأن الصلوات لها أوقات معينة، يجب على المسلم أن يصلي كل صلاة في وقتها المعين، بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم علم أصحابه مواقيت الصلاة: أن الظهر وقتها من كذا إلى كذا، العصر من كذا إلى كذا، المغرب وهكذا، العشاء وهكذا، الفجر. وذكر أن هذه هي أوقات الصلوات، هذه أو تلك هي أوقات الصلوات. فمن صلى الصلاة في غير وقتها، أو تعمد خروج وقتها من دون أن ينوي أن يجمعها مع أختها مما كان مما كان من الصلوات التي يصح جمع إحدى الصلاتين إلى الأخرى، فإنه يكون آثما بذلك التأخير، يكون آثما بذلك التأخير. ثم هل تصح منه الصلاة إذا صلى؟ أم لا؟ خلاف بين العلماء، أي بمعنى: لو أن إنسان تعمد مثلا ترك صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، يعني بعض الناس بعض الموظفين أو بعض الناس من طلاب المدارس أو الجامعات، تجده يضبط المنبه على وقت العمل أو على وقت الدراسة، دون أن يضبطه على وقت صلاة الفجر. هذا إذا قام لذلك الوقت، قام لذلك الوقت وقد فاتته صلاة الفجر، فهل له أن يصلي الفجر؟ وهل تصح منه صلاة الفجر؟ أم لا؟ قولان للعلماء من أهل العلم. قالوا: له أن يصلي الفجر، وتصح منه صلاة الفجر، وهو آثم على التأخير، لكن تصح منه الصلاة. وهذا القول: قول الجمهور. وذهب جماعة من أهل العلم آخرون إلى أن الصلاة لا تصح منه؛ لأنه صلى الصلاة في غير وقتها لغير عذر. والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من أن من فعل ذلك، تعمد تأخير وقت الصلاة حتى خرج وقتها، فإنه لا يصح منه الصلاة، لا تصح منه الصلاة، ولو صلاها مرات وكرات. وكذلك مما يستدل به أولا: ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». الحديث. فالشاهد: أن التفريط، فمن وقع منه ذلك فهو مفرط آثم، فهو مفرط آثم. قال رحمه الله تعالى: «إلا لعذر، جمعها». إلا في هذه الحالة: لو أن إنسان نوى أن يجمع صلاة صلاة الظهر إلى العصر، فخرج وقت الظهر، فهل يأثم بذلك؟ الجواب: لا يأثم؛ لماذا؟ لأنه نوى أن يجمع الصلاة مع الصلاة الأخرى، وهذا الفعل لا بأس به إن كان نادرا. هذا الفعل لا بأس به إن كان نادرا، لظاهر حديث ابن عباس في صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير عذر ولا مطر. وفي بعض الرواية: أن ابن عباس قال: «أراد أن يخفف عن أمته». فقال علماء رحمهم الله تعالى: هذا يحمل على الصور النادرة، أحيانا لا بأس أن يفعل الإنسان هذا إن احتاج إلى ذلك، يكون مثلا مشغولا عنده أعمال، فاحتاج إلى الجمع بين الصلاتين أحيانا لا بأس. مثلا إنسان جاء على سفر، يعرف أنه مثلا سيسافر من بلده مثلا في الظهر، لكن سيصل إلى المنطقة الأخرى أو إلى البلد الأخرى في العصر، يقول: سأجمع الظهر مع العصر، لا بأس. لا بأس في ذلك؛ لأجل هذا المعنى، ورووه. قال رحمه الله تعالى: «أو مشتغل بشرطها». مشتغل بشرطها: كان يكون إنسان مثلا كان يبحث عن الماء، قيل له: بأن الماء في الكمآن فلاني، ذهب إلى الماء يبحث، فمثلا تأخر حتى أخرج الماء، توضأ، خرج الوقت، ماذا يصنع هذا؟ هل هذا آثم؟ الجواب: ليس بآثم؛ باعتبار أنه كان حريصا على الصلاة، ولكن تتبع أراد أن يفعلها بشروطها، فتأخر بسبب شغله بشرط. أو أن إنسانا مثلا نام، ما استيقظ إلا قبل الوقت مثلا بخمس دقائق، فإذا توضأ خرج الوقت، فماذا يصنع؟ هل يتوضأ؟ أو يصلي بغير طهارة؟ أو يتيمم؟ الصحيح من أقوال العلماء: أنه يتوضأ. فإن خرج الوقت وهو منشغل بالطهارة، فإنه لا يأثم؛ لأنه منشغل بشرطها. قال: «فإن تركها تهاونا بها». أي ترك الصلاة تهاونا بها، لا جحودا، استتيب ثلاثا. ثلاثا: قيل: ثلاث مرات. وقيل: ثلاثة أيام، هو الأظهر. قالوا: فإن تاب وإلا قتل. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا المقام نبه على فائدة هي فقهية، وكذلك عقدية. هذه الفائدة: عندما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: فإذا وصل أو بلغ بالإنسان هذا الحال: أن قيل له: إما أن تصلي وإما أن تضرب عنقك، قال: فيأبى حتى تضرب عنقه، قال: فمثل هذا لا ينبغي أن يشك في كفره، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف. ومن قال من الفقهاء: بأنه ليس بكافر، فقد دخلت عليه شبهة الإرجاء. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.