كتاب الصلاة 22

الدرس في كتاب الصلاة 22، ألقاها

شروط إمامة الصلاة وضوابطها

لا تصح إمامة من لا يحقق شروط الصلاة، مثل المرأة للرجال أو من به سلس البول أو الأمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة. يجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم والمفترض بالمتنفل.

كيفية اصطفاف المأمومين خلف الإمام

يشرح المقطع آراء الفقهاء حول كيفية اصطفاف المأمومين خلف الإمام، ويستند إلى أحاديث نبوية لتدعيم آراء الفقهاء حول مواضع الوقوف للمأموم الواحد أو الجماعة.

مواضع وقوف المأمومين وتفاصيل خاصة

يتناول أحكام وقوف المأمومين خلف الإمام، ويشرح المواضع الصحيحة والخاطئة مستدلاً بالأحاديث النبوية، مع توضيح أحكام خاصة بوقوف المرأة والرجال العراة والخنثى.

ترتيب أصناف المصلين وخاتمة الدرس

يتم تقديم الرجال في الصلاة ثم الصبيان ثم الخنثى ثم النساء، وقد تم تأجيل بعض المسائل إلى درس لاحق، وختم الدرس بذكر الله والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الإمام موافق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الصلاة منه، في باب الإمامة، قال رحمه الله تعالى: ولا تصح إمامة المرأة، أي لا تصح إمامة المرأة بالرجال. وجاء في ذلك حديثٌ، ولكنه لا يصح، رواه ابن ماجه من حديث جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تؤمنا امرأة الرجل»، ولكنه حديثٌ لا يصح. ولكن جاء في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة». فلا تصح صلاة المرأة بالرجال لنقصان المرأة ولعدم أهليتها للإمامة. قال رحمه الله تعالى: ولا من به سلس البول، كذلك من به سلس البول لا تصح إمامته بغيره من الرجال ممن عافاهم الله جل وعلا من ذلك؛ لأن صاحب سلس البول -كما علل ذلك الفقهاء- أنه أخل بشرط الطهارة؛ لأنه لا يستطيع أن يمسك البول. ولكنه رخص له بأن يصلي على هذه الحالة من باب قول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. لكن لا يصلي من نقص عليه شرط أو نقص عليه ركن -كما مر معنا في إمامة الجالس- إلا أن لا يوجد إلا هو، عند مثله، أي إنسان به سلس بول بين قوم بهم سلس بول، أو رجل مقعد بين قوم مقعدين، يصلي بهم على حالهم. أما إذا كان الإمام في صفة نقص، وغيره أكمل من فليصلي من كان كامل الشروط والواجبات؛ لأن هذه إمامة، والأصل في الإمامة أن يقوم بها الأقوم والأكمل -كما مر معنا-. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالْأُمِّيُ»، والأمي هو الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها إلا بمثلهم. كذلك الأمي -وهو الذي لا يستطيع القراءة- أو يخل بالقراءة، فإنه لا يصلي إماما بالناس؛ لأنه ناقص الصفة في أمر الإمامة، ولأن من كان هذا حاله وعادته أنه ربما قصر في الأركان، أو لم يأت بالقراءة على وجهها، وربما أفسد القراءة إذا قال: «أو يخل بحرف منها»، سواء أن يسقط حرفا من سورة الفاتحة أو يقرأها على غير ما أنزلها الله جل وعلا، كقراءة بعضهم: «إياك» أو «صراط الذين أنعمت عليهم» ليس «أنعمت»، تجده يقول: «صراط إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم» من المنعم هو ليس الله جل وعلا، هذا إخلال بقراءة الفاتحة. فمثل هذا لا يصلي بالناس، ولا تصح صلاته إلا كما قال رحمه الله تعالى: «إلا بمثلهم»، أي المرأة تصلي بمثلها، ومن به سلس البول يصلي بمثله، والأمي يصلي بمثله؛ لأن غيره ناقص، فيشترك مع غيره في هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم، والمفترض بالمتنفل. أما ائتمام المتوضئ بالمتيمم فصحيح؛ وذلك لأن المتيمم العادم للماء كالمتوضئ القادر على استعمال الماء، والتيمم أيضا -على الصحيح من أقوال العلماء عند فاقد الماء أو عدم القادر على استخدام الماء- طهارة. يقول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾. فهي طهارة جعلها الله جل وعلا بدلا من الماء لمن لم يقدر على الماء أو على استخدامه. وجاء في ذلك أيضا حديثٌ من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، أنه خرج في غزوة ذات السلاسل فأجنب، فتيمم وصلى بأصحابه من غير أن يغتسل. فلما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال له -أو عاتبه النبي صلى الله عليه وسلم-: «يا رسول الله، إني سمعت الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾»، قال: «فخشيت على نفسي الهلكة» -أو كما قال-. فأقره على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث محل وخلاف بين العلماء من أهل العلم، منهم من يحسنه، ومنهم من يتوقف في تحسينه. والعلامة الألباني رحمه الله تعالى يصحح هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: ويجوز ائتمام المفترض بالمتنفل. كذلك يجوز ائتمام المفترض بالمتنفل، أي إذا جاء إنسان وقد صلى الناس، فوجد إنسانا فطلب منه أن يصلي به ممن قد صلى مع القوم، فإن صلاة ذلك المفترض خلف ذلك المتنفل صحيحة. يدل على ذلك ما جاء في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي -أو أن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه- كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينطلق إلى قومه فيصلي بهم العشاء الآخرة. والشاهد أنه يصلي أولا مع النبي صلى الله عليه وسلم -وهي الفريضة- ثم يصلي بأصحابه متنفلا، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك، فأقره صلى الله عليه وسلم، فدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. ويدل عليه كذلك ما جاء في السنة من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه، فأتى رجل وقد صلى القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «من يقوم -أو من يتصدق- على هذا؟» فقام أحد فصلى بذلك الرجل. والشاهد أن المصلي قد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون صلاته بذلك الرجل صلاة مفترض خلف متنفل، فدل هذا على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. قال: وإذا كان المأموم واحدا وقف عن يمين الإمام. فإن وقف عن يساره أو خلفه وحده لم تصح صلاته، إلا أن تكون امرأة فتقف وحدها خلفه. وإن كانوا جماعة وقفوا خلفه. طيب، هذه مسائل، وهذه مسائل في ماذا؟ في كيفية اصطفاف المأموم مع الإمام. فذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن المأمومين إذا كانوا جماعة، لا خلاف بينهم في أنهم يصلون وراء الإمام خلف الإمام. وإذا كانوا رجالا ونساء، صلى الرجال خلف الإمام والنساء خلفهم. فإذا كان المأموم واحدا، صلى عن يمين الإمام، أي وقف عن يمين الإمام محاذيا للإمام. لا كما يفعله بعض الناس اليوم، تجد الإنسان إذا صلى الرجل برجل آخر، تجد المأموم يتأخر قليلا، هذا ليس بصواب. بل الصواب أن يقف المأموم موازيا محاذيا لإمامه. يدل على هذا ما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي من الليل، فقام ابن عباس يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأسه فأداره من ورائه فأقامه عن يمينه. وجاء كذلك في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، قال: فقام على يساره، قال: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده فأوقفه عن يمينه. والشاهد أن الإمام إذا صلى برجل واحد فقط، وقف ذلك المأموم على يمين الإمام. بقي إذا كان رجلان، أين يقومان؟ ذهب الجمهور إلى أنهما يقومان خلف الإمام. واستدلوا على ذلك بما جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما السابق الذكر، فيه: قال «فأوقف عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فوقف عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي بقي جابر عن يمينه، وجبار عن يساره، قال: «فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأيدينا فدفعنا إلى الخلف». فدل ذلك على أن المأمومين إذا صلي بهم إمام واحد، فإنهما يقومان خلفه. ويدل على ذلك أيضا ما جاء في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، قال: «صليت أنا واليتيم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعجوز وراءنا». أشهد منه أنه صلى هو واليتيم خلف الإمام. فإذا كان اثنين، صليا خلف الإمام. وإذا كانت معهم امرأة -ولو كانت من ذوات المحارم- صلت وراءهم. وذهب الحنفية إلى أنهما إذا كانا اثنين، فإنهما يقومان عن يمين الإمام وعن شماله. واستدل على ذلك بما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أنه صلى بالأسود وعلقمة، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وقال: «هذه السنة» -أو قال-: «كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم». والحديث مختلف في رفعه ووقفه. والناظر في طرق الحديث يترجح عنده -والله أعلى وأعلم- الوقف. إلا أن العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتاب "إرواء الغليل" رجح أن الحديث صحيح على الوجهين، أي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أنه موقوف على عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما. فإذا كان مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال العلماء: يحمل ذلك على أن المكان كان ضيقا. وإذا كان المكان ضيقا، فإن المأمومين يقوم أحدهما عن يمين الإمام والآخر عن يساره. وأما إذا كان متسعا، فإن المأمومين يقومان وراءه -كما في حديث أنس- وكذلك كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهم جميعا. وهذا هو الأقرب جمعا بين الحديثين. قال رحمه الله تعالى: فإن وقف عن يساره -أو فذ وحده- لم تصح صلاته. ومعنى هذا أن الإمام إذا صلى برجل واحد، فإنه لا يجوز أن يصلي خلف الإمام منفردا. أو إذا جاء إنسان والصف قد امتلأ، فليس له أن يصلي منفردا خلف الصف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». بعض العلماء رحمهم الله تعالى استثنوا من ذلك حالة، وهي ما إذا كان المسجد قد علم أنه لا يزيد على الموجود، كأن يكون مسجد حارة معروفة أن المسجد يمتلأ، فجاء إنسان أراد أن يدخل بين الصفوف ما وجد، فهو بين أمرين: بين أن يترك الجماعة، وبين أن يصلي منفردا خلف الصف وحده. ذهب بعض أهل العلم قالوا: إذا كانت الحالة كذلك، فإنه له أن يصلي وحده؛ لأن هذا يكون من باب الضرورات. قال رحمه الله تعالى: إلا أن تكون امرأة فتقف وحدها خلفه، أي إذا صلى رجل بامرأة -طبعا من ذوات المحارم؛ لأن اختلاء الرجل بالمرأة الأجنبية منهي عنه- فتقف خلفه. وهذا المعنى يدل عليه ما تقدم: جاء في حديث أنس أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم هو واليتيم، قال: «والعجوز وراءنا». وجاء في بعض الرواية أنها أمه -أم سليم- وفي بعض الرواية أنها جدته. وكلاهما محرم له. ومع هذا جاءت السنة بأن تصلي المرأة وراء الرجل. قال: وإن كانوا جماعة وقفوا خلفه. أي كان الرجال جماعة وقفوا خلفه. الإمام مصطفى -كما تقدم ذكره- قال: فإن وقفوا عن يمينه أو عن جانبيه صحت صلاتهم. فإن وقفوا قدامه أو عن يساره لم يصح. يقول: فإن وقفوا عن يمينه -وهذا يحمل على إذا كان المكان مزدحما ضيقا- فإنهم يقفون عن يمينه. فإذا ضاق اليمين، فلهم أن يصلوا كذلك عن جانبيه -عن يمينه وعن شماله- قال: «صحت صلاتهم». قال: فإن وقفوا قدامه أو عن يساره ابتداء لم يصح؛ لأنه يختل معنى الإمامة؛ لأن الإمامة فيها معنى من معاني التقدم. فإذا تقدم المأموم على الإمام اختلت الإمامة، ولم يصر الإمام في الحقيقة إماما؛ إذ تقدم عليه المأموم. وكذلك إن صلى عن يساره عالما لذلك لغير حاجة؛ لأنه عمل عملا ليس عليه أمر نبينا صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». قال: وإن صلت امرأة بالنساء قامت معهن في الصف وسطا. أي المرأة إذا صلت بالنساء جماعة، تكون المرأة وسط النساء، لا تكون أمامهم كما يفعل الرجال، بل تقف وسط النساء. يدل على هذا أن أم سلمة رضي الله عنها، وكذلك عائشة رضي الله عنهن جميعا، كانت إحداهن إذا صلت بالنساء وقفت في وسط النساء. قال: وكذلك إمام الرجال العراة يقوم وسطهم. هذا على قول أن إمام الرجال العراة إذا كانوا كلهم عراة واحتاجوا إلى إمامة، وقف إمامهم وسطهم؛ لأجل أن لا ينظروا إلى عورته. قال: وإن اجتمع رجال وصبيان وخنثى ونساء، تقدم الرجال، ثم الصبيان، ثم الخنثى، ثم النساء. الرجال لما تقدم؛ ثم الصبيان؛ لأنهم من الرجال؛ ثم الخنثى؛ لأنه مشترك بين الرجولة والأنوثة؛ فيقدم على الأنوثة المحضة؛ ثم النساء. طيب، هذه جملة من المسائل. وما تبقى من المسائل نؤخر إلى درس لاحق بإذا شاء الله جل وعلا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على