شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 4

الدرس في شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 4، ألقاها

مفهوم الإيمان وتفاضله في القلب

يتناول شرحًا لتفاضل الإيمان في القلب، حيث يبين أن الإيمان يزيد وينقص بحسب الأعمال الصالحة والمعرفة بالله. يُوضح أن الإيمان ليس ثابتًا بل يتغير بفعل الطاعات والمعاصي.

أدلة تفاضل الإيمان من القرآن والسنة

استدل الإمام أبو عبيد على أن الإيمان يتفاضل ويزيد وينقص بالآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾. وأكد أن الإيمان ليس مجرد تصديق بل هو عمل ونية وقول.

شروط لا إله إلا الله وأهميتها في تحقيق الإيمان

يشرح مفهوم الإيمان وأنه يشمل الاعتقاد بالقلب والقول باللسان والعمل بالجوارح، ويؤكد على أهمية النطق بالشهادتين وتحقيق شروط لا إله إلا الله لتحقيق الإيمان. يُذكر أن شروط لا إله إلا الله تشمل العلم واليقين والإخلاص.

معنى الإيمان بمقتضى لا إله إلا الله وزيادة الإيمان ونقصانه

يشرح معنى الإيمان بمقتضى لا إله إلا الله ويبين أهمية الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ويؤكد أن الإيمان يزيد وينقص بحسب الأعمال، وهو مذهب أهل السنة والجماعة المدعوم بالكتاب والسنة والإجماع.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. ألست ترى أنها هنا منزلا دون منزل الله أعلم بإيمانهن؟ فإن علمتموهن مؤمنات كذلك. ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فلولا أن هناك موضع مزيد ما كان لأمره بالإيمان معنا. ثم قال أيضًا: «ألف لام ميم» بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: «ومما يبين لك تفاضله في القلب» يبين تفاضل الإيمان، وأن الإيمان يتفاضل، أي: يزيد وينقص في القلب. وهذا التقرير منه رحمه الله تعالى تقرير لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في باب الإيمان، وهو أن الإيمان يزيد وينقص، بل في قلب العبد يتفاضل. في قلب العبد يتفاضل، بل رب عمل يعمله العبد مرة، فَيَجعل الله جل وعلا في قلبه من الإيمان ما لا يجعله فيه إذا عمله مرة أخرى، ولم يكن ذلك العمل كالمرة الأولى. وهذا يجده كل إنسان، إنسان أحيانًا يقرأ القرآن بتمعن، بتدبر، ويقظة، بعيدًا عن الغفلة، فيجد من الأثر في قراءة القرآن ما الله جل وعلا به عليم. ومرة أخرى ربما قرأ، وكان فيه ما فيه من المشاغل، أي: عنده من المشاغل ما يشعر بذاك الشعور الذي شعر به في المرة الأولى، مع أنه قد يكون قرأ سورة نفسها، الآيات نفسها، قرأها، وجد الأثر مرة، ولم يجده مرة أخرى. هذا يدل على ماذا؟ يدل على تفاضل في الإيمان، وأن الأعمال تؤثر على قلب العبد، وعلى مراتب الإيمان، وعلى منازل الإيمان في قلب العبد. وهذا لا ينكره أحد منصف، لا ينكره أحد منصفًا مع نفسه أولًا، ومنصفًا مع خصمه ثانيًا؛ لأن كل إنسان يشعر بماذا؟ باللذة والحلاوة. الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، زادتهم إيمانًا، يشعرون بهذه الزيادة، وبهذه اللذة، وبذلك الاطمئنان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، وجد بهن حلاوة الإيمان. الحديث له ماذا؟ منطوق ومفهوم، معناه أن من لم يكن من لم يتحلى بهن لم يذق تلك الحلاوة، بل من تحلى بهن فحلاوته حلاوة الإيمان في قلبه. ماذا تتفاوت؟ في نفسه وتتفاوت مع غيره. وهذا الأمر ليس فقط في أمر يعني كما يقال التصديق في أمر المعرفة، في كل عمل من أعمال القلوب، فهو قابل لماذا؟ لزيادة والنقصان. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه. ما هو هذا التقرير، أن كل أعمال القلوب قابلة لماذا؟ لزيادة والنقصان. المعرفة قابلة لزيادة والنقصان، التصديق قابل لزيادة والنقصان، والنقصان، الإقرار قابل لزيادة والنقصان، وكل عمل قابل لزيادة وماذا؟ والنقصان من عمل القلب. وهذا كما سمعتم، هذا لا ينكره عاقل. المسلم نفسه في باب المعرفة مثلًا، في أول أمره، في بداية أمره، يعلم أشياء يجد بها ما يجمع الإيمان. كلما تعلم زادت معرفته، أو لا؟ هيا جماعة، زادت معرفته. كما مر معنا: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، زادتهم تصديقًا، زادتهم معرفة، زادتهم حبًا، تعظيمًا، إجلالًا، ثقة، حسن ظن بالله، محبة، رهبة، خشية، إلى غير ذلك من أعمال القلوب، زادتهم إيمانًا. فكل عمل من أعمال القلب قابل لماذا؟ للزيادة، كما أنه قابل كذلك لماذا؟ للنقصان. وهذه حجة دامغة لأهل الأهواء والبدع، سواء كانوا من المرجئة، سواء كانت المرجئة الغلاة، أو كانوا من المرجئة الذين هم دون ذلك. المرجئة الغلاة، أو المرجئة الذين يسميهم العلماء مرجئة الفقهاء. ولو في المقابل أيضًا رد على هؤلاء المرجئة، ورد كذلك على الوعيدية؛ لأن الجميع متفقون في أصل واحد، مختلفون في تطبيقه. أي: المرجئة، أي: المرجئة بطوائفها، والوعيدية بطوائفها، أي: الخوارج والمعتزلة، ومن تفرع عنهم. طرفاء نقيض في باب الإيمان. الخوارج والمعتزلة في جهة، وعيدية يعني. وفي باب الإيمان ماذا؟ عندهم لا ينفع مع الإيمان معصية. وفي الطرف الآخر ماذا؟ المرجئة بأنواعها، وأشكالها، وأصنافها، عندهم ماذا؟ لا يضر مع الإيمان معصية. لا ينفع، لا يضر، طرفين نقيض. لماذا؟ لأن عندهم أصل، لأن عندهم أصل واحد ثابت. ما هو هذا الأصل؟ هذا الأصل المتفق عليه بينهم، بين هاتين الطائفتين المنحرفتين، أن الإيمان كتلة واحدة، لا يتجزأ، ولا يتبعض، ولا يتفاضل، ولا يتفاضل الإيمان، لا يتفاضل، ولا يتجزأ، ولا يتبعض. إما أن يكون، إما أن يوجد كتلة واحدة، وإما أن يذهب كذلك ماذا؟ كتلة واحدة. ما يبقى في القلب. فالمرجئة نظر إلى ماذا؟ نظر إلى أدلة التوحيد، وإلى أن المعاصي لا تخرج الإنسان من ماذا؟ من الإيمان. نظر إلى أن المعاصي لا تخرج الإنسان من ماذا؟ من الإيمان. أدلة فيها أن مثلًا مر معنا في مسألة تلك الزكاة: أنه إما إلى جنة وإما إلى نار. قالوا: إذن لم يتبع عنه الإيمان من فعل كذا، من فعل كذا. مثلًا النبي صلى الله عليه وسلم حينما أُتي بشارب الخمر فضرب، فلعنه بعضهم، قال: «لا تفعل؛ فإنه يحب الله ورسوله». قالوا: هذا شارب خمر فاسق، ومع هذا قال: «لا تقولوا: إنه يحب الله وماذا؟ ورسوله». قالوا: إذن لا يضر مع الإيمان معصية. أنت مؤمن، افعل ما تفعل، المعاصي ما دمت عندك الإيمان. ما هو الإيمان عندهم؟ يعني كما يقال أخف المرجع عندهم الإيمان تصديق مع النطق. يقول: عندك الإيمان الذي هو التصديق القلب، إذن افعل ما شئت، إيمانك ثابت كإيمان جبريل عليه السلام بماذا؟ لأن الإيمان كالكتلة الواحدة لا يتجزأ ولا يتبعض. في الطرف الآخر الوعيدية، في الطرف الآخر الوعيدية، نظروا إلى أدلة ماذا؟ الوعيد. قالوا: كيف يكون مؤمنًا من ارتكب معصية وكبيرة؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قتال المؤمن كفر»، «سباب المؤمن ماذا؟ فسوق»، «وقتاله كفر»، كما في الصحيح. الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن». الاخير: «لا حيث» في هذا الباب. قالوا: إذن يسلب عنه الإيمان بالمعصية. فقالوا ماذا؟ لا إيمان مع معصية. واضح. لا إيمان مع المعصية. ما هو السبب؟ أن الإيمان لا يتجزأ ولا يتبعض، شيء واحد لا يتجزأ، لا يتفاضل. إما أن يوجد سالمًا من القوادح، وإما إذا قدح فيه شيء منه ذهب كله. واضح. جماع لذلك احتاج أئمة السنة، ومنهم الإمام أبو عبيد، إلى تقرير هذه المسألة العظيمة، مسألة ما تتفاضل الإيمان، وأن الإيمان يتفاضل، وأن الإيمان كذلك كما أنه يزيد كذلك ينقص، وأن له درجات، وأن له منازل، وأن كل عمل من أعمال القلوب هو قابل لماذا؟ لزيادة، كما أنه قابل للنقص. واستدل على ذلك بالآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. فالله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾، وصفًا بماذا؟ بالإيمان. واضح. قال ماذا؟ ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. واضح. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾، امتحنوا ماذا؟ امتحنوا إيمانهن. واضح. فدل على أن الامتحان في إيمان أي: الإيمان ماذا؟ إيمان أولئك المهاجرات رضي الله عنهن وأرضاهن. لذا قال: «ألست ترى أنها هنا منزلا دون منزل الله أعلم بإيمانهن». واضح. جماعة. منزلا غير منزلا. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾، فإن علمتموهن مؤمنات. هل؟ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ كقول: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾. واضح. جماعة. لا. الوصف الثاني أكمل، أو الأول؟ هيا جماعة. الثاني. الثاني أكمل في ماذا؟ في الإيمان. فدل على أن الإيمان إيش؟ يتفاضل. على أن الإيمان يتفاضل. قال: وكذلك مثل قولهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. خطاب لمن؟ للمؤمنين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أليس هم مؤمنين بالله ورسوله؟ ولا يكونوا مؤمنًا إلا بالإيمان بالله ورسوله؟ نعم، أو لا؟ نعم. طب فلماذا الأمر الآخر؟ لماذا الأمر الآخر؟ كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: فيه ماذا؟ لاستمراره. لاستمراره في ماذا؟ في الإيمان بالله ورسوله. وأن ذلك من أسباب ماذا؟ من أسباب استقامة الإيمان، وزيادته. إيمان بالله ورسوله، كل ما جاء عن الله آمنا به، كل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا به. هذا يزيد الإيمان، أو لا يزيد الإيمان؟ إذا الإيمان يتزايد، يزيد وينقص ويتفاضل. فلولا أن هناك موضع مزيد ما كان لأمره بالإيمان معنا. ثم قال أيضًا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. والخطاب هنا لمن؟ للمؤمنين. ﴿أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. امتحان ماذا؟ للإيمان. ليس الإيمان مجرد ماذا؟ إقرار من لسان، مجرد تصديق، بل هو يتفاوت، وبتفاوته يتفاوت ماذا؟ أصحابه عند الله جل وعلا في الدنيا، أو في الآخرة؟ فضل. قال رحمه الله: «وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾». مفهوم. «ومن الناس» إيش؟ من ليسوا كذلك. واضح. «من الناس من يقول آمَنَّا فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ». هل هؤلاء مثل الذين إذا أوذوا ما ازدادوا إلا إيمانًا؟ هيا جماعة. الجواب: لا. الجواب: لا. فرق بين هؤلاء وهؤلاء. تفضل. قال رحمه الله: قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. إنما أسلوب إيش؟ أسلوب حصر. وهؤلاء «ومن الناس من يقول آمَنَّا فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ». وقال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَتْهُ حَسَنَةٌ اطْمَأَنَّ بِهَا وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «بعض الناس ليس عندهم من التصديق إلا أدنى»، أدنى، أدنى. ما ينجيهم، ما ينجيهم. به يسمون ماذا؟ مؤمن. قال: «فهؤلاء إذا ماتوا والحالة كذلك ماتوا على الإيمان». وإذا فتنوا، إن قلبوا على وجوههم، فخسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، والعياذ بالله. واضح. جماعة. ومر معنا معنى حروب الردة قريبًا. مسألة حروب الردة، وأن من الناس من كان هذا حالهم. مات النبي صلى الله عليه وسلم، أصابتهم فتنة، فماذا؟ فانقلبوا على وجوههم، إلا من رحم الله. وأهل الإيمان ثابتون، أهل الإيمان الصحابة، كبار الصحابة، أجلة الصحابة، كلهم ماذا؟ بقوا على ما هم عليه. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. ففرق بين هؤلاء، وبين من يعبد الله على إيش؟ على حرف. وبين من إذا فُتِن جعل فتنة الناس كعذاب الله. فرق بين هؤلاء وهؤلاء، أم لا؟ فرق عظيم بين هؤلاء وهؤلاء. فضل. قال رحمه الله: «وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. أفلست تراه تبارك وتعالى قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يرضَ منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر». وهذه حجة بينة في أنه لا بد من عمل، لا بد في الإيمان من عمل. ما يأتي إيمان مجرد قول، مجرد إقرار دون أن يكون هناك ماذا؟ عمل. عمل القلب. قال الله جل وعلا كما مر معنا: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، على يقين. لا بد من تعظيم، محبة، إجلال لله رب العالمين تبارك وتعالى. توكل عليه، حسن ظن به جل وعلا. وعلى وإلى جانب كذلك ما يظهر ذلك من أعمال ماذا؟ الجوارح. واضح. فضل. قال رحمه الله: «فأي شيء يتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهاج السلف بعده، الذين هم موضع القدوة والإمامة؟» وهذا كما ذكر. فأي شيء يتبع بعد كتاب الله؟ أي: كأنه يقول: هذه النصوص من كتاب الله تدل على ماذا؟ بأهل السنة والجماعة، وأنه الحق. وكذلك سنة رسول الله، وكذلك منهاج السلف. ورضي الله عن السلف. انظر هذا الإمام كيف يربط الناس بماذا؟ بالكتاب والسنة، وماذا؟ وبمنهاج السلف. قال: «ومنهاج السلف بعده، الذين هم موضع القدوة والإمام». وهذا والفيصل بين أهل السنة والجماعة، وبين غيرهم. أهل السنة والجماعة يقولون: كتاب الله، وسنة رسوله، على فهم من؟ على فهم السلف الصالح. غيرهم يقولون ماذا؟ يقول: نحن رجال، وهم رجال. كتاب وسنة، لكن ماذا؟ نحن رجال، وهم إيش؟ وهم رجال. فرق، أم ليس هناك فرق؟ فرق كفرق بين السماء والأرض. هذا هو الفيصل بين أهل السنة والجماعة، وبين غيرهم. أهل السنة والجماعة متبعون، غير مبتدعين. غيرهم مبتدعون، غير متبعين. هذا هو الفرق. تفضل. قال رحمه الله: «فالأمر الذي عليه السنة والجماعة، ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصنا في كتابنا هذا». وهذا يدلنا على ما تقدم ذكره، من أن ما يذكره أبو عبيد القاسم بن سلام هو عقيدة أهل السنة والجماعة على مر العصور إلى عصره. فهو يقول: «الصحابة»، يعني السلف، «منهاج السلف بعدهم». السلف الصحابة، كما ذكر وأشار إلى ماذا؟ إلى أثر الصديق مع الصحابة في مسألة حروب الردة، وإلى أثر ابن مسعود السابق، وإلى غير ذلك مما ذكره. ثم ذكر كذلك ها هنا ماذا؟ أن الأمر كذلك عند العلماء الذين أدركهم، وهم من طبقة تابعين التابعين. أي: أدرك طبقة تابعين التابعين، فهم على هذا الأمر، هم على هذا الأمر. فضل. قال رحمه الله: «فالأمر الذي عليه السنة عندنا، ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصنا في كتابنا هذا: أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا». ومعنى هذا: أن الإيمان اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. لا بد من هذا. لا بد من اعتقاد الذي حقيقته ماذا؟ تصديق وإقرار. لا بد كذلك من ماذا؟ من قول بالنطق بالشهادتين. ولا بد كذلك من ماذا؟ من عمل. عمل القلب وهو الأصل، وعمل الجوارح. طيب. قال رحمه الله: «أنه - أي: الإيمان - بالنية والقول والعمل جميعًا، وأنه درجات بعضها فوق بعض». يعني الأصل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أنه قال: «مثل الأعضاء مع القلب كمثل الجند مع الملك». واضح. الملك، الجنود مع الملك كيف يفعلوا؟ اتركوا. كذلك القلب مع ماذا؟ مع الأعضاء، هو الذي يحركها. فضل. قال رحمه الله: «إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان، وأنه درجات، وأنه درجات بعضها فوق بعض». إلا أن أولها، أي: أعظمها. قال: «وأعلاها أولها؛ لأن لا إله إلا الله هي التي تدخل إنسان في الإيمان، وهي التي تخرجه منه». إذا أتى بها مستوفية الشروط نفعته، وإذا أتى بما ينقضها خرج عن الإيمان، وعن مسمى. لا يقال بأنه مؤمن، بل يقال بأنه مرتد، والعياذ بالله. قال: «إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان». ومعنى أولها الشهادة باللسان: ليس مجرد الشهادة يثبت له الإيمان ظاهرا وباطنًا. واضحة. جماعة. ليس مجرد النطق باللسان بلا إله إلا الله باللسان دون القلب يثبت له ماذا؟ الإيمان الثابت ظاهرا وباطنًا. ولكن بقول لا إله إلا الله يثبت له أحكام ماذا؟ الإسلام الظاهرة. إذا قال إنسان: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله»، هنا يكف عنه، لا يقتل، وتثبت له ماذا؟ أحكام الإسلام الظاهرة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، في بعض الروايات: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على من؟ إلا بحقها، وحسابهم على الله». هذا في أول أمر، يكف عنه. وكما جاء في حديث أسامة حينما قتل المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله. قال: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» فقال: «إنما قالها تعود». قال: «أشككت عن صدره؟» قال: «أصل أن يكف ولو كان في أرض معركة، ولو كان قد ... كما جاء في بعض الأحاديث من حديث المقداد: قال: «يا رسول الله، أرأيت رجلا مشركًا قال: ضرب يدي فقطعها، فاستعاذ خلف شجرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. قال: فضربت عنقه». كيف أكون أنا؟ قال: «تكون بمنزلتك منه قبل أن يقولها»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ما معنى «بمنزلتك منه»؟ أي: بمنزلتك من قتل مؤمن. إذا قتلك هو سيكون قتل إيش؟ قتل مؤمن. فكذلك إذا قتلته تكون قتلت ماذا؟ قتلت مؤمنًا. واضح. جماعة. بمعنى أنه يثبت له أحكام الإيمان والإسلام الظاهرة. لذا قال ها هنا: «أولها وأعلاها الشهادة باللسان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءًا». أي: جعل إيمان بضعة وسبعين جزءًا، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. واللفظ هذا لفظه مسلم في بعض رواياته. قال: «فإذا نطق بها القائل، نطق بماذا؟ بلا إله إلا الله». لكن لا إله إلا الله وحده تكفي. قال: «وأقر بما جاء من عند الله». انظر الإقرار أين محله؟ اللسان والقلب. ها. جماعة. الإقرار محله أين؟ القلب. إذا كان كذلك. قال: «لازمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله». إقرار تبعه بعمل. لذا أهل السنة والجماعة يقولون: بأن من نطق بلا إله إلا الله مجرد لا إله إلا الله لا تنفعه، إلا أن يقولها مستوفية ماذا؟ الشروط. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن شروط لا إله إلا الله سبعة، وزاد بعضهم ثامنًا. يعني جمعها القائل بقوله ماذا؟ «علم، يقين، إخلاص، وصدقك مع محبة، والقياد، والقبول لها». وزيد ثامنها: «الكفران منك بما سوى الإله من أشياء قد أُليها». ومعنى «قد كمل»: معنى استكمالها، أي: اجتماعها في العبد. معنى استكمالها: اجتماعها في العبد، والتزامه بها، بدون مناقضة منه لشيء منها. وليس المراد عد ألفاظها، وحفظها. ليس المراد عد ألفاظها، وماذا؟ وحفظها؛ إذ قد يحفظها، ويأتي بما ينقضها. وقد يأتي بمقتضاها، وإن لم يحفظها. فكثير من العوام لا يعلمون شروطها من حيث الألفاظ. لو ذكر له، وقيل له: ما شروط لا إله؟ قد لا يعلمها. هل نقول: لا تنفعه؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه قد عمل بمقتضاها. العبرة بماذا؟ العلم الإجمالي، والعمل بمقتضاها، وأن لا يأتي بما يناقضها. لذا قال الإمام أبو عبيد ها هنا ماذا؟ قال: «فإذا نطق بها وأقر بما جاء من عند الله». انظر: «أقر بما جاء من عند الله». كلام دقيق، رحمه الله. أي: مجرد النطق؟ لا. يكفي. كما تقدم معه في فصول الكتاب في بداية الأمر: النطق متى ينفع؟ في بداية الأمر. إقرار، نطق مع إقرار القلب، تصديق. هذا ينفع. ثم بعد ذلك لابد أن يذعن، أن يستيقن، يعني العلم: أن يعلم أنه لا إله إلا الله. أن يستيقن كذلك، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، على يقين. على يقين كذلك. إخلاص. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ أَلَا لِلَّهِ الدِينُ الْخَالِصُ﴾، كما قال الله جل وعلا في الآية الأخرى. وصدقك: أن يكون كذلك ماذا؟ صادقًا في لا إله إلا الله. لا يكون كاذبًا، كفعل المنافقين الذين قالوا: «نشهد إنك لرسول الله». والله يشهد: «إن المنافقين لَكاذِبُونَ». كذبة. واضح. ما نفعهم لا إله إلا الله. لماذا؟ لأنهم كذبة. فلا بد من تصديق كذلك. محبة. قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، أشد حبًا لله. فلا بد من محبة لله جل وعلا. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، إن كنتم محبة صادقة. فهذه من آثار المحبة: أن يطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال كذلك: وانقياد. أن يكون إنسانًا ماذا؟ منقادًا لأوامر الله تبارك وتعالى، غير متمرد عنها. أي: ملتزم. ملتزم بماذا؟ التزام إقرار. وإلا كان مقصرًا في العمل، لكن المقصود بالانقياد ماذا؟ أن هذا واجب عليَّ، هذا أمرني به ربي جل وعلا. منقاد. وإن كان قد يحصل منه تقصير أو تفريط. واضح. قال كذلك: والقبول. والقبول لها، أي؟ القبول للا إله إلا الله، وما تضمنته، وما اقتضته، وما دلت عليه. لا إله إلا الله من ماذا؟ مما أمر الله جل وعلا به، أو نهى الله جل وعلا عنه. أي: إيمان بمقتضى لا إله إلا الله. قال: «وزيد ثامنها: الكفران منك بما سوى الإله من الأشياء قد أُليها». لقبول الله جل وعلا. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، بالعروة الوثقى. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. قال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. واضح. فهذا لابد من الكفر بكل ما يعبد سوى الله جل وعلا. لذا قال رحمه الله: «وأقر». «فإذا نطق بها القائل وأقر بما جاء من عند الله». لازمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله: أن يكون مؤمنًا كامل الإيمان. قال: «ولا على تزكية النفس». أي: ليس هذا من باب تزكية النفس، كما قال من منع الاستثناء في الإيمان. بعضهم قال: يعني أنك إذا قلت: «أنا مؤمن». إذا قلت: «أنا مؤمن»، هذا أنت تزكي نفسك. هذا ليس من هذا الباب. واضح. جماعة. أي: ما ذكره الله جل وعلا ليس من هذا الباب. إنما ذكر الله جل وعلا: أن من اتصف بهذه الأوصاف فهو ماذا؟ فهو مؤمن. يستحق الثناء والمدح. لكن المؤمن عن نفسي ما يقول: «أنا مؤمن» على سبيل ماذا؟ التفاخر والعجب. كما سيأتي معنا في مسألة الاستثناء إن شاء الله. قال: «وكلما ازداد لله طاعة وتقوى ازداد به إيمانًا». وهذا دلنا على ماذا؟ على أن الأعمال، سواء كانت أعمال القلوب، أو أعمال الجوارح، هي من أعظم الأسباب في ماذا؟ في زيادة الإيمان. وكذلك في المقابل في إيش؟ في نقصانه. من أتى بها على الكمال ازداد، ومن قصر ونقص فيها كان سببًا لنقصان إيمانه. فالحاصل من هذا: أن الأمر كما ذكره رحمه الله تعالى: من أن الإيمان يتفاضل، ويزيد، وينقص. وعلى هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله، والإجماع. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على