الدرس في كتاب الصلاة 23، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام صلاة المريض وفقًا لكتاب عمدة الفقه، حيث يُشرح كيفية أداء الصلاة للمريض وكيفية التعامل مع العجز عن بعض أوضاع الصلاة. يُبيّن أيضًا أحكام الجمع بين الصلوات في حالة المشقة.
يشرح هذا الفصل كيفية صلاة المريض الذي له عذر شرعي، حيث يجوز له ترك بعض أركان الصلاة مثل القيام إذا كان يزيد من مرضه. يُشير إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين الذي بين كيفية الصلاة حسب الاستطاعة.
يتناول هذا الفصل حكم المغمى عليه وصلاته الفائتة، حيث اختلف العلماء في حكمه بين إلحاقه بالنائم أو المجنون. يُبيّن الراجح وهو التفصيل بحسب مدة الإغماء، وكيفية التعامل مع من يطول إغماؤه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِيَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الفقه، في كتاب الصلاة منه: قال: باب صلاة المريض. وبعضهم -أي من الفقهاء رحمهم الله تعالى- من يبويب في مثل هذا الباب بتبويب أعم، فيقولون: باب صلاة أصحاب الأعذار، فيدخل فيه المريض وغيره، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. فقوله رحمه الله تعالى: باب صلاة المريض، أي مدخل في الكلام على أحكام ومسائل صلاة المريض. ومعنى صلاة المريض: أي الصلاة التي يصليها المريض، أو الصلاة التي سببها المرض، أي كيف يصلي المريض حال كونه مريضًا. قال رحمه الله تعالى: والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه، صل جالسًا. فإن لم يطق، فعلى جنبه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». والحديث في صحيح البخاري. قال: فإن شق عليه، فعلى ظهره. وإن عجز عن الركوع والسجود، أومأ بهما. وعليه طيب. قال: أومأ بهما، وعليه قضاء ما فات من الصلوات في إغمائه. وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشاءين في وقت إحداهما. فإن جمع في وقت الأولى، اشترط نية الجمع عند فعلها، واستمرار العذر حتى يصلي الثانية منها، وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء. وإن أخر، اعتبر استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما، وأن ينوي الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها. ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر، ويجوز الجمع في المطر بين العشاءين خاصة. هذا الباب -كما ترون- ذكر فيه الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى صلاة أهل الأعذار، أي كيف يصلي أهل الأعذار -الأعذار الذين لهم أعذار معتبرة شرعًا- فابتدأ رحمه الله تعالى بالمريض. فقال: إذا كان القيام يزيد في مرضه، أي: ضابط المريض الذي له أن يترك بعض أركان الصلاة من قيام أو غير ذلك، هو كما ذكر رحمه الله تعالى: إذا كان القيام يزيد في مرضه، سواء كان في الحال أو كان في المآل. قال رحمه الله تعالى: صل جالسًا. قال: فإن لم يطق، فعلى جنبه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». هذا الأمر للوجوب، وقد مر معنا أن من أركان الصلاة القيام في أثناء القراءة. فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء في حديث عمران بن حسين، وكان عمران بن حسين مريضًا به بواسير -رضي الله عنه وأرضاه- فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». قال العلماء رحمهم الله تعالى في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صل قائمًا، فإن لم تستطع»: فيه أن المريض الذي به مرض ويخشى إن صلى قائمًا أن يزداد مرضه -إما في الحال وإما في المآل- فلو أن يصلي قاعدًا. وكذلك ذكر العلماء كذلك ضابطًا آخر في جواز الانتقال أو ترك ركن القيام، وذلك إذا حصلت المشقة العظيمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صل قائمًا، فإن لم تستطع». فالانتقال من القيام إلى القعود لمن كان مريضًا، بعدم الاستطاعة. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وعدم الاستطاعة ضابطها أن تكون به مشقة عظيمة، بحيث أنه إذا صلى قائمًا لم يعقل من صلاته شيئًا، أن يكون مجهودًا بالقيام بحيث أنه لا يدرك من صلاته شيئًا. قالوا: هذا إذا وصل حال إلى هذا الأمر، فلو أن ينتقل إلى القعود. قال رحمه الله تعالى: فإن شق عليه، فعلى ظهره. وإن عجز عن الركوع والسجود، أومأ بهما. الإيماء: الإشارة برأسه، إشارة خفيفة، بحيث يكون سجوده أخفض من ركوعه. قوله رحمه الله تعالى: وعليه قضاء ما فات من الصلوات في إغمائه. العلماء رحمهم الله تعالى مختلفون في حكمه، أي: هل هو ملحق بالجنون أم أنه ملحق بالنوم؟ الإغماء: العلماء رحمهم الله تعالى مختلفون في حكمه؛ لاختلافهم في إلحاقه بأصله. فمن ألحقه بالنائم، قال: إن المغمى عليه متى ما أفاق، فإنه يجب عليه أن يصلي الصلوات التي ذهبت عنه حال إغمائه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها حين يذكرها». والمغمى عليه في حكم النائم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المغمى عليه حكمه حكم المجنون، والمجنون مرفوع عنه القلم؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم المجنون حتى يفيق». قالوا: فالمغمى عليه زائل العقل تمامًا، فهو كالمجنون، فيلحق بالمجنون. وإذا كان كالمجنون، فإذا أفاق يصلي الصلاة الحاضرة -أي المدركة في الوقت- وليس عليه ما مضى من صلوات. والراجح -والله أعلى وأعلم- ما ذكره المحققون من العلماء رحمهم الله تعالى من تفصيل: وهو أنه إذا كان الإغماء مدة جرت العادة بأن ينامها الإنسان -عادة الناس أكثر ما ينام: يوم وليلة- فهذا حكمه كحكم النائم، أي: متى استيقظ وأفاق، قضى أو صلى ما فاتته من الصلاة حال إغمائه. وأما من استمر به الإغماء الأيام الكثيرة، بل والأسابيع، بل والأشهر، فهذا حكمه كحكم المجنون، متى أفاق صلى الصلاة الحاضرة، وليس عليه ما مضى من صلوات. هذا القول -والله أعلم- لعله الأقرب؛ إلحاقًا لكل شبيه بشبيه، فشبيه النائم يأخذ حكمه، وشبيه المجنون يأخذ حكمه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.