كتاب الصلاة 2

الدرس في كتاب الصلاة 2، ألقاها

مشروعية الأذان والإقامة

الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس للرجال، والراجح أنهما واجبان في كل جماعة أو مسجد يُصلى فيه. يناقش المقطع حكم الأذان بين الوجوب والاستحباب.

أحكام الأذان وشروط المؤذن

يناقش أحكام الأذان والإقامة، ويشير إلى أن الأذان خاص بالرجال، ويتناول شروط المؤذن مثل الأمانة والعلم بالأوقات. يستحب أن يكون المؤذن قائمًا عند الأذان.

آداب الأذان وسننه وكيفيته

يتناول آداب الأذان وسننه، مثل أن يكون المؤذن قائمًا ومتطهرًا، ويؤذن على مكان عالٍ مستقبل القبلة. يشرح كيفية التفات المؤذن أثناء الأذان.

دعاء بعد الأذان

يتضمن دعاء يتألف من تسبيح الله وتمجيده والاستغفار والتوبة إليه، ويُختتم بشكر الله. يُظهر الدعاء توبة صادقة واستغفارًا وتسبيحًا لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه "عمدة الفقه" باب الأذان والإقامة، أي مدخل في أحكام مسائل الأذان والإقامة. والأذان لغة الإعلام، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إعلامٌ من الله ورسوله. وشرعًا هو النداء للصلوات بألفاظ مخصوصة. والإقامة نداءٌ خاص في أو لإقامة الصلاة. قال: وهما مشروعان باب الأذان والإقامة. قال: وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء. هاتان مسألتان: الأولى أن الأذان مشروعٌ، وأنه خاصٌ بصلوات الخمس. فضمن هذه المسألة مسألة، أي أن الأذان مشروع. وقوله رحمه الله تعالى: مشروعٌ، أي شرعه لنا ربنا تبارك وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولا يقصد بالمشروع الذي يقابل الممنوع، أي الذي يقابل الذي بمعنى المباح. لا يقصد بالمشروع الذي هو بمعنى المباح، وإنما يريد ما هو أعم من ذلك. ومعنى هذا أن الأذان مشروعٌ، أي شرعه الله جل وعلا على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والأذان اختلف العلماء رحمهم الله تعالى: هل هو من الواجبات أم أنه ليس من الواجبات، أي من المستحبات؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أن الأذان واجبٌ لجميع الصلوات، أي الصلوات الخمس. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الأذان مستحبٌ. ومن أهل العلم من ذكر أن الأذان إنما هو من فروض الكفايات، بمعنى إذا قام في البلد الواحدة أذانٌ فإن ذلك يكفي غيرها. والراجح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن الأذان واجبٌ في كل الجماعات، أو قول: المسجد الذي يُجمَّع فيه. فإذا كان في البلدة الواحدة عدة مساجد، وكانت متباعدة بحيث لا يصل أذان أحدها إلى الآخر، فكما سمعتم ذهب جماعةٌ من العلماء رحمهم الله تعالى إلى وجوب ذلك على أصحاب هؤلاء المساجد. من قال بالوجوب استدل على ذلك بأدلة، منها: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان إذا أراد أن يغزو قومًا فأراد أن يصبحهم انتظر، فإذا سمع الأذان تركهم، وإذا لم يسمع الأذان أغار عليهم. فدل هذا الحديث -كما قال من قال من العلماء- إلى أن الآذان شعيرةٌ ظاهرةٌ جعلها الله جل وعلا فيصلٌ بين معرفة البلد المسلمة والبلد الغير مسلمة. فمن علامات البلد المسلمة أنه يؤذَّن فيها، فلا تُقاتل. والغير مسلمة لا يؤذَّن فيها، فتُقاتل. لهذا قال من قال من العلماء: وهذا الحديث من أظهر الأدلة على وجوب الأذان. إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله فيصلًا بين الإسلام، أو بين البلدة المسلمة وبين البلدة الغير مسلمة. وكذلك مما استدل به القائلون بالوجوب: ما جاء في حديث مالك بن الحويرث عند البخاري رحمه الله تعالى: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حينما علَّمهم ما علَّمهم من أمور دين الله جل وعلا ومنها الصلاة، قال له: «وَإِذَا كُنْتُمَا فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةِ» أي كلم مالك بن الحويرث وصاحبه، قال: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمَا». وما جاء عند أبي داود وغيره من حديث أبي الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «ما من ثلاثة في قرية أو قال في بدو تحضر الصلاة فلم يؤذن فيها إلا استحوذ عليهم الشيطان». قالوا: واستحواذ الشيطان يدل على أن تركهم للأذان سبباً للمعاصي، سبباً لكونهم عصاة، وكون الشيطان قد استحوذ عليهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فهذه جملة من أدلة استدل بها من استدل من العلماء رحمهم الله تعالى على وجوب الأذان. ومن ذهب إلى الاستحباب استدل على ذلك ببعض الأدلة، منها: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في بعض سفراته أنه جمع بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين. قالوا: فهذا فيه دلالة على أنه ترك أحد الأذانين لإحدى الصلاتين، فدل ذلك -قالوا- على أن الأذان ليس بواجب. على أن الأذان ليس بواجب، هذا ليس بصواب. بل أجيب عنه بأن هذا يكون مخصوصًا في حالة السفر، أن هذا يكون مخصوصًا في حالة السفر، أن الإنسان إذا كان في سفر وأراد أن يجمع بين الصلاتين فليؤذن أذانًا واحدًا، ويقم للصلوات بإقامتين، كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحاصل من هذا -كما قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى- مثل هذه المسألة، أي مسألة وجوب الأذان، لا ينبغي أن يكون فيها خلاف لظهور أدلتها، ولأنها من أشهر شعائر هذا الدين. وهذا يعني من أشهر شعائر هذا الدين، لماذا؟ لأن بلاد الإسلام تعرف بالأذان، كما تقدم في الحديث السابق. قوله رحمه الله تعالى: وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، هذا كذلك هو الصحيح الذي عليه العلماء رحمهم الله تعالى، من أن الصلوات الخمس هي التي يؤذن لها، وما عداها من الصلوات فإنهم لا يؤذن لها. يعني مثلًا صلاة العيدين، مثلًا صلاة الكسوف الخسوف، إلى غير ذلك، لا يؤذن لها بالأذان الشرعي المعروف بألفاظه المخصوصة. بل وصلاة العيدين أصلا لا يؤذن لها. فالأذان إنما هو خاص بالصلوات الخمس. ومن باب الفائدة ذكر بعض أهل العلم خلافًا في ابتداء الأذان، فمنهم من ذهب إلى أن الأذان أول ما شرع في أوائل البعثة، في أوائل البعثة حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في أوائل البعثة صلاتين، واحدة في أول النهار، وأخرى في آخر النهار. وهذا القول من ذهب إليه استدل بأحاديث في ذلك جاءت في الباب، وكلها لا تصح. لذا كان الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن الأذان إنما شرع عقب شرعية الصلوات الخمس. قوله رحمه الله تعالى: وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء. وقوله: للرجال دون النساء، أي أن الأصل في الأذان أنه خاص بالرجال دون النساء، لأن الأذان فيه إعلاء الصوت بالنداء، والمرأة لا يجوز لها أن ترفع صوتها حتى يسمعها الرجال إلا لحاجة بشروط وضوابط. فرفع الصوت ينافي مسألة الستر الواجبة في أمر النساء، لأن الأصل في النساء الستر في أصواتهن، وفيما يظهر من زينتهن إلى غير ذلك. فالنداء ينافي الستر، لذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: النداء أو الأذان خاص بالرجال دون النساء، فلا يشرع للمرأة أن تؤذن للرجال. بقي: هل للمرأة إن كانت في مكان فيه نساء في جماعة نساء. هل لها أن تؤذن أم لا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية ذلك، إلى مشروعية ذلك، لكن لا ترفع صوتها. استدلالًا بما جاء في ذلك من بعض الآثار من نساء الصحابة رضي الله عنهن: أنهن كن يفعلن ذلك. فبالنسبة للنساء: إن حصل أن النساء اجتمعن -مثلًا- في مكان خاص، فأردن أن يصلين في ذلك المكان، فلا بأس أن تؤذن إحداهن على سبيل لا على سبيل الوجوب، ولكن على سبيل المشروعية، ولا ترفع صوتها بالنداء، وإنما تسمع من حولها من النساء. قال رحمه الله تعالى: والأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه. والإقامة إحدى عشرة كلمة. وهذا قول في المسألة، أي أن الأذان له أوصاف. فمن أهل العلم من قال: أنه خمس عشرة كلمة، بناء على ما جاء في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه وأرضاه، الذي رأى الأذان. وفيه أنه قال: يعني في بعض الألفاظ: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله». هذه صفة، يعني الصفة الأولى -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- أن يكبر في أول الأذان «الله أكبر الله أكبر»، ثم يبدأ فيقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله» إلى آخر الأذان. هذه صفة وكيفية من كيفيات الأذان. والصفة الثانية والكيفية الثانية: أن يبدأ الأذان بأربع تكبيرات، بأربع تكبيرات: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله» إلى آخر الأذان. هذه كيفية ثانية، كذلك ثبتت فيها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والكيفية الثالثة: أن يكبر أربع تكبيرات في أول الأذان، مع الترجيع في التشهد، مع الترجيع في التشهد. معناه الترجيع: أن يؤذن «الله أكبر الله أكبر الله أكبر»، ثم يخفض صوته يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله»، ثم يرفع صوته: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله». هذا يسمى ترجيعًا. وقد ثبتت فيه كذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما جاء في حديث أبي محذورة عند أبي داود والترمذي وغيرهما، بإسناد ثابت إلى أبي محذورة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم علمه الأذان، وعلمه الترجيع في الأذان. فهذه كيفية ثلاث في الأذان، بأيها فعل فقد أصاب السنة. والخلاف الموجود في هذه المسألة -كما يقول علماء- هو من خلاف التنوع، يجوز للإنسان أن يؤذن تارة بهذا النوع من الأذان، وتارة بالنوع الآخر، وتارة بالنوع الثالث، وكل ذلك واسع. وكل ذلك قد ورد به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبأيها فعل فقد أصاب أنها من سنن التنوع، الذي للإنسان أن ينوع، أن يفعل فيها ما شاء، لأن الكل قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والإقامة إحدى عشر كلمة، كلمة الإقامة -كما هو معلوم- لا يكرر الألفاظ: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله» إلى آخره. «حي على الصلاة، حي على الفلاح، قامت الصلاة، قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله». لا يكرر إلا في أولها: «الله أكبر الله أكبر»، ثم يذكر بقية الأذان مع الإقامة. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يكون المؤذن أمينًا، صيتًا، عالما بالأوقات. أن يكون أمينًا: بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤذن مؤتمن»، أي مؤتمن على أوقات الناس في صلواتهم. قال علماء: وأيضًا مؤتمن باعتبار أن المؤذنين كانوا في الزمن الأول يصعدون على الأماكن المرتفعة، فربما وقعت أبصارهم على بعض عورات المسلمين. لذا نبههم وذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم مؤتمنون، أي في حفظ أبصارهم أن تنطلق في عورات المسلمين. فيكون على هذا هم مؤتمنون باعتبارين: مؤتمنون باعتبار أوقات الصلوات، فإنهم يعلمون الناس بدخول الوقت. وإذا سمع الناس المؤذن قد أذن بادروا بالصلوات. ومن كان صائمًا أفطر في المغرب، ومن كان في الفجر ترك الأكل والشرب. فهم مؤتمنون على أوقات الصلوات ودخولها، فيجب أن يكون المؤذن أمينًا. قال: وينبغي أن يكون المؤذن أمينًا، وأن يكون صيتًا. قوله: أن يكون صيتًا، لأن هذا المعنى هو معنى الأذان، معنى الأذان الإعلام، فيحتاج إلى أن يكون المؤذن ذا صوت قوي، يسمع الناس ذلك الصوت، ولو كانوا بعيدين. وفي أيامنا هذه مع وجود المكبرات قد يكون الأمر في هذا الوصف واسعًا، لأن المكبرات اليوم تقوم مقام الصوت الرفيع وزيادة. قال رحمه الله تعالى: عالما بالأوقات، أي كذلك ينبغي له أن يكون عالما بالأوقات، متى يدخل وقت صلاة الفجر، متى يدخل وقت صلاة الظهر، وهكذا بقيت الصلوات. إذ لو لم يكن كذلك حصل التخليط في أوقات الصلوات. وفي هذه الأيام في الأزمان المتأخرة صار الناس يعتمدون على ما يوجد في التقاويم للصلوات. وقد ذكر بعض أهل الخبرة: أن الموجود الذي نزل مؤخرًا الذي يعتمد على خطوط الطول والعرض، فيه شيء من المقاربة للصواب، أو قول: مقارب جدًا لأوقات الصلوات الشرعية. فإذا كان كذلك فمن لم يكن عنده خبرة أو علم من المؤذنين فإنه يعتمد على هذه التقاويم في الأذان. قال: ويستحب أن يؤذن قائمًا. يستحب أن يؤذن قائمًا: لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال في حديث ابن عمر: حينما اختلف -حينما يعني- كان الناس في أول الأمر -كما جاء في حديث ابن عمر- في الصيحين، قال: كان الناس في أول الأمر -أي أول ما نزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة- كانوا يتحينون وقت الصلاة، أي يقدرون إذا قرب الوقت يدخلون المسجد ينتظرون حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فيصلوا من غير أذان. فحصل -كما يقال- شيء من حرج لهم. فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: يا رسول الله لو أنه ينادى للصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، قم يا بلال فنادي بالصلاة». أشهد في قول: «قم». فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على أن المؤذن يؤذن وهو قائم، لقوله: «قم يا بلال فأذن». ومن باب الفائدة: حديث ابن عمر الراوي في الصيحين، ظاهره أن عمر رضي الله عنه وأرضاه هو أول من أمر بالنداء للصلاة. والأمر كذلك، لكن هل هو أول من أمر، أو رأى، أو قول: أول من أمر بالأذان بالألفاظ الشرعية المعروفة أم لا؟ الصواب الذي دلت عليه الأحاديث الكثيرة: أن أول من رأى الأذان هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه وأرضاه، فإنه هو الذي رأى الأذان. وقد كان رآه عمر قبل ذلك، ولكنه لم يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. فلما ذهب عبد الله بن زيد فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رأى في المنام رجلًا يقول له: قل: نادي. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سمع، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا بأن يؤذن بما ذكره عبد الله بن زيد بن عبد ربه. حتى إن عمر لما سمع ذلك خرج فزعًا، فقال: «قد رأيت ذلك قبل ليال، قد رأيت ذلك قبل ليال». فالشاهد من هذا: أن العلماء رحمهم الله تعالى قالوا: قول عمر: «لو ينادى للصلاة»، قالوا: يحمل على أنه نداء عام، ليس النداء المعروف، ليس الأذان المعروف. يعني كأن ينادي إنسان يقول: «قد حان وقت الصلاة، قد حان وقت الصلاة»، ليس بالأذان المعروف. فأول من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ الأذان المشهورة المعروفة هو عبد الله بن زيد بن عبد الرب. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يكون المؤذن أمينًا، صيتًا، عالما بالأوقات. ويستحب أن يؤذن قائمًا لما تقدم، متطهرًا. لأنه فيه ذكر. ويستحب في المؤذن أو فيمن كان يذكر الله جل وعلا أن يكون على طهارة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: حينما مر به الرجل وهو يبول، فلم يرد عليه السلام حتى ضرب يديه بالحائط، ثم مسح بكفيه وجهه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: «إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة». ففيه دلالة على أنه يستحب أن يذكر الله سبحانه وتعالى على طهارة. ومن ذلكم الأذان. وقد جاء في ذلك حديث رواه الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤذن إلا متوضئ». وهو حديث ضعيف، الراجح فيه الوقف -كما قال ذلك غير واحد من الحفاظ. وقوله رحمه الله تعالى: على موضع عال، لأن على موضع عال مستقبل القبلة. لأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم بلال وابن أم مكتوم كانا رضي الله عنهما يصعدان على بيت امرأة من الأنصار، وكان من أوسع وأطول دور الأنصار. فكان يصعدان عليها ويؤذنان عليها. فهذا فيه دلالة على أنه يستحب أن يؤذن في الأماكن العالية. هذا من حيث الدليل. ومن حيث المعنى قالوا: لأنه أبلغ في إيصال الصوت إلى الأماكن البعيدة، كلما كان النداء من مكان مرتفع، كلما كان أبلغ في إيصال الصوت إلى أماكن مرتفعة. ويغني عنه في هذه الأزمان -بحمد الله جل وعلا- هذه المكبرات. هذه المكبرات -بحمد الله جل وعلا- في هذه الأيام أغنت عن هذا الأمر. فالمكبرات موضوع في أماكن مرتفعة، ويبلغ مداها إلى أماكن بعيدة، قد لا يصلها الصوت المجرد. فعلى هذا فيقال: بأن هذه المكبرات قامت مقام الارتفاع، ومقام كذلك إعلاء الصوت. قوله رحمه الله تعالى: مستقبل القبلة، لما جاء كذلك في أحاديث، هذا معنى من أن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا أذنوا استقبلوا القبلة، كما في حديث معاذ وغيره عند البيهقي وغيره. قال رحمه الله تعالى: فإذا بلغ الحي على، وهذا الأسلوب يسميه العلماء: نَحْتًا. «الحي على» قال: فإذا بلغ «الحي على» التفت يمينًا وشمالًا، ولا يزيل قدميه، ويجعل إصبعيه في أذنيه، ويترسل في الأذان، ويحذر الإقامة. لما جاء في حديث أبي جحيفة في الصيحين، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء من أدم، وأذن بلال -أي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: «فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا، يمينًا وشمالًا»، يقول: «حي على الصلاة، حي على الفلاح». أشهد: يمينًا وشمالًا. ففي تحريك العنق عند قول: «حي على الصلاة، حي على الفلاح». وقال بعض أهل العلم: بأن الحكمة من تحريك العنق عند النداء بـ «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، هو إبلاغ الصوت عن اليمين وعن الشمال، النداء بالصلاة عن اليمين وعن الشمال. وهل ينادي «حي على الصلاة» المرتين من جهة اليمنى، و«حي على الفلاح» من الجهة اليسرى أم ماذا يصنع؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: في ذلك هيئات. إما أن يقول: «حي على الصلاة، حي على الصلاة» على جهة اليمنى، ثم يقول: «حي على الفلاح، حي على الفلاح» من جهة اليسرى، أي هو مائل إلى جهة اليسرى. هذه هيئة. وهيئة ثانية: أن يقول: «حي على الصلاة» من الجهة اليمنى، ثم يقول: «حي على الصلاة» من الجهة اليسرى، ثم يقول: «حي على الفلاح»، ثم يقول: «حي على الفلاح»، وهو مائل إلى الشمال. إلى الشمال. والأمر في ذلك واسع، وهو مفهوم من حديث أبي جحيفة في قول بلال: «فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا، يمينًا وشمالًا»، «حي على الصلاة، حي على الفلاح». لأن هذا محتمل: أن يكون قال: «حي على الصلاة» مرتين عن يمينه، ثم قال: «حي على الفلاح» مرة عن شماله. ومحتمل أن يكون نادى باليمين، ثم المرة الثانية في الشمال، وكذلك الفلاح: «حي على الفلاح» باليمين، ثم بالشمال. والأمر في ذلك واسع. وكذلك قال: ويترسل في الأذان، أي إذا أذن يترسل. ويحضر الإقامة، أي إذا كان في الإقامة يأتي بها سريعًا، بخلاف الأذان، فإنه يسترسل فيه، بخلاف الإقامة فإنه يحضرها حضورًا. وقد جاء في ذلك حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بلال، إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحضر». والحديث في ضعف، لكن معين الأحاديث تدل على هذا. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.

شاركنا على