كتاب الصلاة 13

الدرس في كتاب الصلاة 13، ألقاها

أركان الصلاة وفرقها عن الواجبات

يشرح الفرق بين أركان الصلاة وواجباتها، حيث أن الأركان لا تصح الصلاة بدونها، بينما الواجبات تجبر بسجود السهو عند تركها سهوًا. كلا منهما يبطل الصلاة عند تركه عمدًا.

تعداد أركان الصلاة وواجباتها

يعدد أركان الصلاة مستندًا إلى حديث المسيء في صلاته، ويبين واجبات الصلاة مثل تكبيرات الانتقال والتسميع والتحميد والتسبيح في الركوع والسجود.

سنن الصلاة ومستحباتها

يشرح أن ما عدا الأركان والواجبات فهو سنن، مثل القراءة والتسبيح أكثر من مرة والدعاء في السجود. كما يبين حكم مستحبات الصلاة وعدم تأثير تركها على صحة الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله في كتابه «عمدة الفقه»: باب أركان الصلاة وواجباتها، أي أن هذا الباب عقده الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى. قال: باب أركان الصلاة ولبيان واجباتها، والفرق بين الركن والواجب أن الركن داخلٌ في ما هي الشيء وحقيقة الشيء، ومنه يتكون ذلك الشيء، بخلاف الواجب فإنه ليس كذلك. يعني: مثال ذلك أركان الصلاة، أي ما هي الأمور التي هي حقيقة الصلاة وتتكون منها الصلاة، وبوجودها توجد وبعدمها تنعدم. سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا ذكر أركان الصلاة، ومنها مثلًا الركوع، الركوع ركن من أركان الصلاة، وإذا رأينا ونظرنا إلى الركوع رأيناه من ما هي الصلاة، أي داخل في حقيقة الصلاة وما هيتها. بخلاف الواجبات، الواجبات لا تكون من ما هي الشيء، مثل: الجلسة أو التشهد الأول، التشهد الأول هو من الصلاة لكن ليس من أركانها، لذا من تركه ناسيًا ساهيًا صحت صلاته، بخلاف ترك الركن فإنه لا تصح صلاته إلا بالإتيان به. هذا هو الفرق الثاني بين الركن والواجب، فالواجب إذا تركه الإنسان ساهيًا فإنه يجبر، يعني إذا كان في صلاة يجبر بأن يسجد سجدتين لسهو كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. فهذان فرقان، ويجتمعان أي الواجب والركن أن من تركهما عمدًا يأثم، مع العلم أن تركهما عمدًا عالما ذاكرًا فإنه يأثم على ذلك، فهم يجتمعان في هذا المعنى. ويجتمعان أيضًا في معنى ثاني، وهو أن من تركهما عمدًا بطلت صلاته، الركن والواجب من تركهما عمدًا بطلت صلاته، على ما سيأتي معنا بإذن الله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: باب أركان الصلاة وواجباتها، قال: أركانها إثنا عشر، أي أركان الصلاة إثنا عشر: القيام، أي القيام عند تكبيرة الإحرام ولقراءة الفاتحة، هذا القيام ركن من أركان الصلاة. قال: وتكبيرة الإحرام كذلك، تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، وهي التي يفتتح بها الصلاة ويدخل بها في الصلاة. قال: وقراءة الفاتحة كذلك، لما تقدم معنا في إحداث كثيرة من أن قراءة الفاتحة في الصلاة أنها ركن من أركان الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» كما في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه. قال: والركوع كذلك ركن من أركان الصلاة، والرفع منه كذلك، والسجود والجلوس بينه، والطمأنينة في هذه الأركان، الطمأنينة أو الطمأنينة في الأركان السابقة: في القيام، في الركوع، في الرفع من الركوع، في السجود، في الرفع من السجود، ثم في السجود الثاني وهكذا. قال: والتشهد الأخير والجلوس له، والتسليمة الأولى، وترتيبها على ما ذكرناه، أي على ما تقدم في الباب السابق في صفة الصلاة. قال: فهذه الأركان لا تتم الصلاة إلا بها، وتقدم ذكر أحكام هذه الأركان في الباب السابق وبيان كونها أركانًا. فهذه الأركان كما يقول فقهاء رحمهم الله تعالى: عمدة العلماء رحمهم الله تعالى في كونها أركانًا هو حديث المسيء في صلاته، وهذا الحديث كما مر معنا متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وجاء كذلك خارج الصحيح عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه وأرضاه، وجملته أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل أعرابيًا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه، فصلَّ ركعتين، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام، ثم قال له: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، أي لم تصل. فرجع الرجل فصلَّ ركعتين، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم قال له: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، فرجع فصلَّ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم قال له: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي»، حينها قال ذلك الرجل: يا رسول الله، والله لا أحسن غيرها فعلمني. قال: العلماء رحمهم الله تعالى: فقول: «فعلمني»، أي فعلمني الصلاة الصحيحة المجزئة التي إذا صليتها صحت مني صلاة، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «إذا قمت إلى الصلاة إذا قمت إلى الصلاة» فيه دليل على أن من أركان الصلاة القيام. جاء في حديث رافع خارج الصحيح أنه قال له: «إذا أردت الصلاة فتوضأ كما أمرك ربك، فاغسل وجهك ويديك إلى المرفقين وامسح برأسك ورجليك، ثم كبر للصلاة»، أو قال: «ثم قم فكبر للصلاة، ثم قرأ، ثم قرأ ما تيسر من القرآن»، قال: «ثم أركع»، هذا متفق عليه. «ثم أركع حتى تطمئن راكعًا، ثم أرفع حتى تطمئن قائمًا، ثم أسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم أرفع حتى تطمئن جالسًا، ثم أسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. قال: فهذه أركان الصلاة، هذه أركان الصلاة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وواجباتها سبعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، وهي التي سماها الفقهاء تكبيرات الانتقال، فتكبيرات الانتقال من واجبات الصلاة وليست من أركانها. قال: والتسبيح في الركوع والسجود مرة، أي مرة واحدة في الركوع ومرة واحدة في السجود. قال: والتسميع، أي أن يقول: «سمع الله لمن حمده»، وهذا واجب في حق الإمام وفي حق المنفرد، أما في حق المؤتم بغيره فإنه لا يجب عليه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين وهو يعلمهم كيفية الائتمام بالإمام: «إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فقال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد». فإذا قال: «سمع الله لمن حمده»، فقولوا: «ربنا ولك الحمد»، ما قال: «سمع الله لمن حمده»، فدل على أن من كان مؤتمًا بغيره فإنه لا يجب عليه أن يقول: «سمع الله لمن حمده»، وإنما يقولها الإمام، ويشتركان هو والإمام في قول: «ربنا ولك الحمد»، يشتركان هو والإمام أي الإمام والمؤتم في قولهما: «ربنا ولك الحمد». فالتسميع كما سمعتم هو خاص بالإمام أو بالمنفرد، أما من كان مؤتمًا بغيره فإنه لا يجب عليه. وأما التحميد فإنه واجب على الإمام والمؤتم بغيره، وكذلك المنفرد. قال: والتحميد في الرفع من الركوع، أي والتحميد بعد الرفع من الركوع، قوله: فيه، يعني بمعنى: بعد أن يرفع من الركوع، بقول: «سمع الله لمن حمده»، يقول بعد ذلك: «ربنا ولك الحمد». قال: وقول: «رب اغفر لي» بين السجدتين، كذلك من واجبات الصلاة، والتشهد الأول والجلوس له كذلك، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير. فهذه إن تركها عمدًا بطلت صلاته، وإن تركها سهوًا سجد لها، وما عدا هذا فسنن لا تبطل الصلاة بتركها، ولا يجب السجود لها، ولا يجب السجود لسهوها. قوله: واجبات وسبعة إلى آخره، الأصل في هذا الباب، أي في بيان واجبات الصلاة، هو قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، والحديث رواه البخاري من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه وأرضاه. هذا هو الأصل في بيان واجبات الصلاة، فما جاء بيانه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من هيئة الصلاة وكيفية الصلاة وصفة الصلاة، فإنها من واجبات الصلاة، لأن أفعاله في هذه الحالة مبينة للواجب، وما كان بيانًا للواجب فهو واجب. هذا الذي عليه جماهير الأصوليون، الذي عليه جمهور الأصوليين، من أن ما كان بيانًا لواجب من أفعاله فإنه يكون واجبًا، بل بعضهم حكى عليه الاتفاق. قال رحمه الله تعالى: وما عدا هذا، أي ما عدا الأركان والواجبات من أفعال الصلاة وأقوالها، قال: فسنن، منها كما سمعتم: القراءة، قراءة سورة أخرى مع سورة الفاتحة، منها التسبيح أكثر من واحدة في الركوع والسجود، منها كذلك الطمأنينة الزائدة على الواجب، كذلك من مستحبات الصلاة، كذلك الدعاء في السجود، والدعاء في آخر التشهد، وما شابه ذلك مما ورد عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من أفعاله، فإن هذا يكون من مستحبات الصلاة. ومستحبات الصلاة من فعلها أثيب عليها، ومن تركها عمدًا أو سهوًا لا يضر صلاته ذلك الترك. والله تعالى أعلم وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على