الدرس في كتاب الصلاة 28، ألقاها
تناول المقطع أحكام صلاة الجمعة ووجوبها على المسلمين مستندًا إلى الكتاب والسنة والإجماع. كما ناقش الشروط الواجب توافرها فيمن تجب عليه صلاة الجمعة.
تجب صلاة الجمعة على سكان القرى المستوطنين فيها وليس على الرحل. يشترط أن يكون السكان مقيمين في القرية وفي مسافة قريبة من مكان إقامة صلاة الجمعة.
ناقش المقطع أعذار عدم حضور صلاة الجمعة مثل المرض والمطر والخوف، واستدل بالأدلة الشرعية. كما ذكر أن بعض الفئات مثل المرأة والعبد والمسافر لا تجب عليهم الجمعة.
المريض لا تجب عليه الجمعة، لكن إذا حضرها وصلّى مع الناس أجزأته وصحّت منه صلاتهم. الحكم يشمل المريض وغيره من الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الحضور.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة، رحمه الله تعالى، المقدسي في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الصلاة منه، قال رحمه الله تعالى: باب صلاة الجمعة. والباب، كما مر معنا مرارًا، بمعنى المدخل، وهو مدخل معنوي، هاهنا الباب هو الذي يدخل منه ويخرج منه. وقوله رحمه الله تعالى: باب صلاة الجمعة، أي مدخل الكلام على أحكام ومسائل صلاة الجمعة. قال رحمه الله تعالى: كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إذا كان مستوطنًا ببناء بينه وبينها فرسخ فما دون، إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف. وإن حضروها أجزأتهم، ولم تنعقد بهم إلا المعذور إذا حضرها، وجبت عليه وانعقدت به. في هذه الفقرة جملة من المسائل المتعلقة بأحكام صلاة الجمعة، أولها: على من تجب صلاة الجمعة؟ أي من يلزمه صلاة الجمعة؟ وقوله رحمه الله تعالى: كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة، فيه إشارة منه إلى حكم صلاة الجمعة. وصلاة الجمعة واجب بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فلقول الله جل وعلا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. ووجه أخذ الوجوب من هذه الآية مأخوذ من جهتين: أولها قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فهذا أمر بسعي إلى الصلاة، والأمر في الأمر أنه للوجوب. والأمر الثاني، والوجه الثاني، في قول الله جل وعلا: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، والبيع مباح، والنهي عنهم لا يكون إلا لشيء واجب. والنهي عنهم، أي في ذلك الوقت، في وقت صلاة الجمعة، لا يكون إلا لشيء واجب، إن واجب، فعلم من ذلك أن صلاة الجمعة واجبة بدليل الكتاب، بهذه الآية، من وجهين. وأما السنة، فلحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عند مسلم، وكذلك جاء بنحوٍ من حديث ابن عمر رضي الله عنهم جميعًا، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليطبعن الله على قلوبهم، فليكونن من الغافلين». وهذا، كما ترون، نهي شديد عن ترك صلاة الجمعة، فدل هذا الحديث أيضًا على وجوبها. وهي، كما سمعتم، واجبة بإجماع العلماء من حيث الجملة. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الوجوب، هل هو وجوب على الأعيان أم أنه وجوب على الكفايات؟ الذي عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى أنه واجب على الأعيان ممن توفرت في حقهم شروط صلاة الجمعة. أما من ليس كذلك، أي لم يكن من أهل الجمعة، أي ممن تجب عليه الجمعة، فإنه لا يجب عليه. وسيأتي الكلام بإذن الله تبارك وتعالى على شروط من تجب عليه الجمعة. وقوله رحمه الله تعالى: كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة، فيه دلالة على أن الجمعة تجب على من تجب عليه صلاة الصلوات الأخرى، أي أن يكون مسلمًا، أن يكون عاقلًا، أن يكون بالغًا، إلى غير ذلك من شروط الصلاة المكتوبة. وزيد في صلاة الجمعة شروطًا، منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف ونزاع بين العلماء رحمهم الله تعالى. من هذه الشروط قال: إذا كان مستوطنًا ببناء. إذا كان مستوطنًا ببناء، ومعنى مستوطنًا، معناه أن الجمعة تجب على من كان مقيمًا. وأما من لم يكن مقيمًا، فإنها لا تجب عليه، أي المسافر لا تجب عليه الجمعة. وسيأتي بإذن الله تبارك وتعالى دليل ذلك. وقوله رحمه الله تعالى: إذا كان مستوطنًا ببناء، بمعنى إذا كان في قرية. ومعنى إذا كان في قرية، والبناء يختلف باختلاف عادات الناس، فرب قرية يكون بناؤها من طين، وأخرى من حجارة، وأخرى من قصب، وأخرى من غير ذلك، فتختلف القرى من حيث البنيان باختلاف عاداتها. في العبرة من ذلك أن تكون قرية، وأن يكون أهلها مقيمين فيها. ومعنى مقيمين فيها، لا يكونون ممن يرتحلون لتتبع الماء في الصيف في بلد، وفي الشتاء في بلد أخرى، أو ما شابه ذلك كحال الرحل، ولكن يكونون مستقرين مستوطنين في تلك القرية. فإن كانوا كذلك، فإنها تجب عليهم الجمعة. بخلاف من كان يترحل، أي كان مثلًا في قرية في بلد، فإذا كان موسم المطر في قرية أخرى انتقل إلى الأخرى، إذا كان شدة حر في قرية انتقل إلى أخرى في مكان بارد، وهكذا. هذا يسمى مترحل، هذا يكون مترحلًا، ولا تجب عليه الجمعة. لا تجب عليه الجمعة، لكن إذا حضرها، كما يقول علماء، أجزأته ذلك. أي صلاة الجمعة، لكن مع هذا، من كان هذا حاله من أهل ممن يسمى عندنا بالرحل، فمثل هؤلاء إذا كانوا يسمعون النداء وكانوا كذلك قريبين من المصر، ولا حرج عليهم في حضور الجمعة، فإنهم يحضرون لعموم قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ولعموم كذلك قوله صلى الله عليه وسلم لذلك الأعمى، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: فأجب». وهذا من هذا الباب، ما دام أنهم يسمعون النداء، فإنهم يجيبون. قال رحمه الله تعالى: إذا كان مستوطنًا ببناء. قلنا: خرج ما لم يكن مستوطنًا ببناء. وهل من شرط البناء؟ أي لابد أن يكون البيت مبنيًا. بمعنى إذا لم يكن البيت مبنيًا، كأن يكون مثلًا البيت من خيام، لكن مثلًا عادت تلك القرى كل بيوتها من خيام، لكنهم لا يترحلون. هل هؤلاء تجب عليهم الجمعة أم لا؟ الجواب: نعم تجب عليهم الجمعة، لأن العبرة بالإقامة، ليس بكون القرية مبنية ببناء. بل العبرة أن تكون قرية استوطنها من استوطنها ممن حل فيها. لكن قوله رحمه الله تعالى: مستوطنًا ببناء، أن هذا هو الغالب، وهذا هو الأكثر، هذا هو الغالب، وهذا هو الأكثر في حي القرى، أنها تكون مبنية، سواء كانت من لبن، سواء كانت من حجارة، من خشب، إلى غير ذلك، المهم أنها تكون مبنية. بخلاف أصحاب الخيام، يكونون في الغالب الأكثر أصحاب ترحل، أصحاب ترحل. لكن كما ذكر من ذكر من العلماء أن العبرة بالإقامة، ولو كانوا أصحاب خيام، كأن يكون إنسان ليس عنده مال للبناء، ولكن عنده خيمة يسكنها ويقطنها هو وأولاده، لا يترحل ولا ينتقل. أو أن تكون قرية مثلًا قد عرفت بالهزات والزلازل، فلا يستطيعون البناء بسبب ذلك، أو غير ذلك من أسباب التي قد تكون أسبابًا لأجل أن تكون بيوتهم من خيام. قال رحمه الله تعالى: بينه وبينها فرسخ فما دون. بينها أو بينه وبينها فرسخ فما دون، أي بينه وبين هذه القرى فرسخ فما دون. والفرسخ قدر بما يساوي خمسة آلاف وخمسمائة وأربعة وأربعين مترًا، يعني بحدود كم؟ بحدود خمسة كيلو ونصف. قالوا: إذا كان إنسان في قرية، لكن بيته، أبيته، يبعد من القرية هذه المسافة فما دونها، قالوا: فإنه كذلك تجب عليه الجمعة. لماذا تجب عليه الجمعة؟ قالوا: لأن مثل هذا يعتبر من أصحاب القرية. من جهة، ومثل هذا جرت العادة أن المؤذن ذي الصوت الرفيع إذا أذن في وقت صحو، ليس فيه ريح، وليس فيه شيء من الحواجز أمامه، بأن صوتهم يصل إلى مثل هذه المسافة. فإذا كان كذلك، فتقدر المسافة بهذا المقدار. ولو قال قائل: ولو قال قائل أن العبرة ببلوغ الصوت المعتاد لكان حسنا، أخذًا بعموم قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، بمعنى أن من سمع النداء وجب عليه أن يسعى لحضور الجمعة. والأمر الثاني مما استدل به أولًا، أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يحضرون الجمعة، فيأتون من العوالي، وهي منطقة أو مكان في المدينة، قالوا: تبعد بنحو هذه المسافة، تبعد من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذه المسافة. ومع هذا كانوا يحضرون الجمعة، فدل على أن من كانت منازلهم وبيوتهم بنحو ذلك، أي بنحو هذه المسافة، وجبت عليهم الجمعة. وكما سمعت، من العبرة ببلوغ الصوت الرفيع المعتاد. قال رحمه الله تعالى: إلا المرأة، أي المرأة لا تجب عليها الجمعة، وهذا محل اتفاق. والعبد، وهذا على قول الجمهور. والمسافر، كذلك محل اتفاق بين العلماء. وكذلك المعذور بمرض أو مطر أو خوف. المعذور بمرض، لعموم قول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، أدلة المشقة رفع المشقة والحرج، هذا من حيث العموم. ومن حيث الخصوصيات، دليله الخاص كذلك. أو مطر أو خوف. المطر، بعضهم حدد المطر بما يكون به بلل الثياب، أما إذا كان شيء يسير لا أثر له، قالوا: فمثل هذا لا يمنع من حضور الجمعة. ومن باب أولى إذا كان مطرًا غزيرًا، أنه يمنع أو يعتبر عذرًا من أعذار حضور صلاة الجمعة. قال: أو خوف. والخوف، كما يقول علماء رحمه الله تعالى، قد يكون الخوف على نفسه، كأن يطلبه عدو، سواء كان إنسانًا أو كان سبعًا أو غير ذلك، فمثل هذا لا تجب، أو يكون معذورًا من حضور الجمعة لأجل هذا المعنى. أو أن يكون مثلًا خائفًا على ولده، أن يكون خائفًا على ولده، يكون ولده مثلًا في مكان يحتاج من الأب أن يكون موجودًا فيه، إذ لو ذهب الأب لكان ذلك سببًا لهلاك الولد أو لضرر الولد. أو أن يكون فقد ولده، أن يكون فقد ولده، فهو يبحث عنه في ذلك الوقت رجاء يجده. قالوا: هذا أيضًا من أعذار الخوف. وكذلك منه، قالوا: أن يكون خائفًا على ماله، أن يكون خائفًا على ماله، يكون عنده مال مثلًا، سواء كان تجارة أو كان غير ذلك من أنواع المال، ويخشى إن صلى الجمعة أن يضيع ذلك المال أو أن ينهب أو يسرق ذلك المال. فمثل هذا، قالوا: هذا يعتبر كذلك خائفًا، وله أن يتخلف عن الجمعة. وهذا قد تكون أمور طارئة، هذه الأمور قد تكون طارئة، ليست مستمرة. هذه الأمور طارئة، لا يأتي إنسان ويقول: أنا عندي محل تجاري أخاف عليه، ويترك جمعة بعد جمعة، هذا يخشى أن يدخل في الحديث: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليطبعن الله على قلوبهم، فليكونن من الغافلين». لكن أحيانًا يعني قد يكونوا كذلك. فقالوا: فمثل هذا لا بأس أن يتخلف عن الجمعة، ولا يتخلف عنها بغير عذر، إلا من كان مريضًا، نسأل الله لنا وله العافية. طيب، قوله رحمه الله تعالى: إلا المرأة، إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف. من حيث الدليل الخاص على ذلك، ما رواه الإمام أبو داود وغيره بإسناد صحيح، صححه العلامة الألباني، من حديث طارق بن شهاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض». إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض. فمثل هؤلاء لا تجب عليهم الجمعة. فمثل هؤلاء يعتبرون من أهل الأعذار. فالمرأة لا تجب عليها الجمعة، لكن إن حضرت صلاة الجمعة، ما حكم صلاتها؟ صلاتها صحيحة. كذلك المريض، الأصل أنه لا تجب عليه الجمعة، لكن إن حضرها مثلًا حمل حتى أتي به إلى المسجد وأقعد، وصل الجمعة مع الناس، أجزأته ذلك وصحت منه صلاتهم. وكذلك غيره. قال رحمه الله تعالى: وإن حضروها أجزأتهم. طيب، نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.