الدرس في كتاب الصلاة 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُنبه إلى خطورة مجالسة أهل الأهواء وتأثيرهم السلبي على عقيدة المسلمين. يحث على الابتعاد عنهم حفاظًا على الدين والعقيدة.
يشرح حديث أنس بن مالك حول ألفاظ الأذان والإقامة، ويبين أمر النبي بلالًا بشأن تثنية الأذان وإفراد الإقامة. يوضح الخلاف بين أهل العلم في ذلك.
يفسر الحكمة من تثنية الأذان وإفراد الإقامة، حيث الأذان يُشفع لتنبيه الناس بدخول وقت الصلاة، والإقامة تُوتر لأن الناس موجودون بالفعل.
يبدأ بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن التبريك والتكريم للنبي. يشمل الدعاء النبي وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الصلاة: حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا حماد بن زيد بن درهم. وحدثنا يحيى بن يحيى، هو التميمي، قال: أخبرنا إسماعيل بن علية، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، جميعًا عن خالد الحذاء. وخالد الحذاء هو ابن مهران، أبو المنازل. وقيل له الحذاء، ليس نسبة إلى صناعة الحذاء أو تصليحه، وإنما كان يجلس عند الحذائين، كان يجلس عند الحذائين، فقيل له الحذاء، قال: عن أبي قلابة، وهو عبد الله بن زيد الجرمي، وهو إمام في السنة، في الحديث، كان شديدًا على أهل الأهواء، كان يقول: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تخالطوهم، فإني لا آمن أن يضلوكم أو يلبسوا عليكم كثيرًا مما تعلمون. وكان يقول: إذا رأيت صاحب هوى في طريق، فخذ في غيره. يعني كن على بعد من أهل الأهواء حتى يسلم قلبك وتسلم عقيدتك. والقلوب ضعيفة، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله: القلوب ضعيفة والشبه خطافة. كم من إنسان ربما يكون على خير وعلى صلاح واستقامة، فيجالس أهل الأهواء فيتأثر بهم، فيتأثر بهم. وكما قيل: من جالس جانس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». يتبه هريرة رضي الله عنه. وله في السنن: فالمجالسة تؤثر، تؤثر. إذا جالس الإنسان من كان على عقيدة صحيحة ومنهج صحيح ومنهج مستقيم، تأثر بهم وكان مثلهم. ومن جالس أهل الأهواء ومن كان على عقيدة باطلة وفاسدة، تأثر بهم. فلذلك يحرص المسلم على سلامة دينه وسلامة عقيدته بالبعد عن أهل الأهواء ومن كان على عقيدة باطلة وعقيدة فاسدة. ذكروا عن مادح عبد الرحمن الملجم الذي قتل عليًا رضي الله عنه، خارجي، عبد الرحمن الملجم الخارجي قتل عليًا رضي الله تعالى عنه، علي بن أبي طالب. عمران بن حطان كان من أهل السنة، تزوج امرأة خارجية، أي على عقيدة الخوارج، فتأثر بها حتى صار من أهل الخوارج. ولما قتل عبد الرحمن الملجم الخارجي عليًا رضي الله عنه، مدحه عمران بن حطان بقوله: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا، إني لا أذكره يومًا فأحسبه أو فالبرية عند الله ميزانا. هكذا يمدح قاتل علي رضي الله عنه. انظروا إلى الهوى كيف يؤثر بصاحبه، كيف يؤثر بصاحبه. فلذلك يبتعد المسلم وطالب العلم عن أهل الأهواء، وخاصة إذا كان في بداية الطلب وليس عنده من العلم ما يفند به شبه القوم ويرد به على باطلهم، فإنه سيتأثر بهم، وربما يأتون له بشبه لا يعرف الجواب عنها فيتأثر بها. فسلامة القلب لا يعدلها شيء. الإمام ابن قيم رحمه الله كان كثيرًا ما يأتي شيخ الإسلام فيسأله عن بعض الشبه التي تعرف عليها. وابن قيم في أول أمره كان عنده شيء من التصوف والتأثر بشيء من ذلك، فكان يأتي شيخ الإسلام يسأله. فقال له شيخ الإسلام ناصحًا له: اجعل قلبك -قال- لا تجعل قلبك كالإسفنجة، لا تجعل قلبك كالإسفنجة تمص ما وقعت عليه، ولكن اجعل قلبك كالزجاج، إذا وقع عليه شيء انزلق. يعني لا يجعل قلبك يشرب الشبه، كلما وقعت شبه سمعت وتأثرت بها، تذهب تبحث عن جواب لدفعها. لكن اجعل قلبك كالزجاج، ما يضرك شيء، كلما وقع شيء انزلق، لأنه أملس لا يثبت فيه شيء. أما الإسفنجة تمص، إذا وضعت في ماء أو شراب مصت هذا الماء والشراب، لكن الزجاج لا يتأثر بشيء، فبذلك يسلم قلبك، يسلم قلبك من الأهواء. قال: عن نبي قلابة، عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. زاد يحيى في حديثه عن ابن علية: فحدثت به أيوب، فقال: إلا الإقامة. هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أن بلالًا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، يشفع الأذان يعني بأن يكون الأذان مثنى يكرر ألفاظ الأذان، ويوتر الإقامة أي وحدًا يذكر ألفاظ الإقامة من غير تثنية إلا الإقامة، يعني إلا قوله: قد قامت الصلاة، فهذه يثنيها فيقول مرتين: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. فهذا الحديث فيه بيان ألفاظ الإقامة، والذي عليه جمهور أهل العلم أن ألفاظ الإقامة أحد عشر لفظة أو جملة، أحد عشر كلمة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. هذه أحد عشر جملة هي ألفاظ الإقامة، وهذا الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة. وأما ما يتعلق بالأذان فسيأتي في الحديث الذي سيذكره المؤلف رحمه الله بعد ذلك. وبعض أهل العلم ذهب إلى تثنية الإقامة، وهذا قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله، يذهب إلى تثنية الإقامة فيجعل الإقامة كالأذان في ألفاظها، يجعل الإقامة كالأذان في ألفاظها. ولا تجدون بعض في بعض الدول التي هم متأثرون بمذهب الإمام أبي حنيفة، عند الإقامة يثنون الإقامة، في الهند مثلًا، حين صلينا عند بعضهم فكان يثني الإقامة على مذهب أبي حنيفة. وكما سمعنا: جمهور أهل العلم على عدم تثنية ألفاظ الإقامة، وهذا الذي عليه جمهور العلماء. وقول أنس رضي الله عنه: «أمر بلال»، قول الصحابي: أمرنا أو نهينا، فهذا له حكم الرفع، هذا له حكم الرفع. وعلى هذا جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء والأصوليين، على أن قول الصحابي: أمرنا أو نهينا، أن له حكم الرفع، كقول الصحابي: أمر رسول الله أو نهى رسول الله. فقوله: «أمر بلال» يعني أمره النبي عليه الصلاة والسلام، أمره النبي عليه الصلاة والسلام، فالآمر والناهي هو النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، ما الحكمة من شفع الأذان وإيطار الإقامة؟ الحكمة من ذلك أن الأذان يحتاج به إلى تنبيه الناس وإخبارهم بدخول وقت الصلاة وندائهم إلى الصلاة، فاحتيج إلى التكرار حتى يحصل في ذلك كمال التبليغ. وأما الإقامة فهي إعلام بإقامة الصلاة والناس موجودون، فلا يحتاج إلى أن يكرر ألفاظ الإقامة، فاكتفي بذكرها من غير تثنية. فإن قال قائل: أليس المقيم يقول: الله أكبر، الله أكبر؟ أليس هذا تثنية؟ لماذا لا يقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله؟ يقول: إن ذكر التكبير في الإقامة بالتثنية هو بالنسبة للأذان وتر، لأن الأذان فيه التكبير على جهات التربيع، يكرر فيه التكبير أربع مرات، فذكر التكبير في الإقامة مرتين يعتبر هذا بالنسبة للأذان ليس تربيعًا وإنما يعتبر وترًا. وقال: هل هناك ذكر عند إقامة الصلاة؟ الجواب: لا تقول كما يقول المقيم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول». والأذان يطلق على الأذان المعروف الذي يعلن به عند دخول وقت الصلاة، وهكذا أيضًا الإقامة تسمى أذانًا، الإقامة تسمى أذانًا. لقوله صلى الله عليه وسلم: «بين كل أذانين صلاة»، «بين كل أذانين صلاة». الأذان الأول: الإذان المعروف، والأذان الثاني: هي الإقامة. فعلى هذا تتابع المقيم في ألفاظ الإقامة وتكتفي بذلك. أما ما ورد أن تقول عند الإقامة عند قول: قد قامت الصلاة: قامها الله وأدامها، هذا ليس بثابت، هذا ليس بثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارًا أو يضربوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء، يعني يجعل له علامة يعرف أن هذا وقت الصلاة، فذكروا أن ينوروا نارًا، يعني بعضهم أشار بذلك أن يشعلوا نارًا فيعلم بهذا أنه قد دخل وقت الصلاة حتى يجتمعوا لها، أو يضربوا ناقوسًا كالنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، يعني حتى يكون علامة على وقت الصلاة والاجتماع لها. قال: وحدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا خالد الحذاء بهذا الإسناد. لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا بمثل حديث الثقفي، غير أنه قال: أن يوروا نارًا. يعني بالواو أن يوروا نارًا، يوروا يعني يوقدوا، بمعنى يوقدوا كما في قول الله جل وعلا: ﴿فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ يعني توقدون. قال: وحدثني عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد وعبد الوهاب بن عبد المجيد، هو الثقفي، قال: حدثنا أيوب، وهم لابي تميم السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أنس. وأيوب من أثبت الناس في أبي قلابة، قال: عن أبي قلابة، عن أنس، قال: لأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. طيب الله صلى الله وسلم على نبي محمد وآله وصحبه أجمعين.