كتاب الصلاة 27

الدرس في كتاب الصلاة 27، ألقاها

مقدمة في صلاة الخوف ومشروعيتها

يشرح المقطع صلاة الخوف ومشروعيتها من الكتاب والسنة وإجماع السلف، ويذكر بعض أحكامها وطرق أدائها. يبين آراء بعض العلماء في صلاة الخوف واختلافهم حول استمرار مشروعيتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

كيفية أداء صلاة الخوف في مختلف الحالات

تصلى صلاة الخوف بأي هيئة حسب حالة القتال والعدو، وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم سبع صفات لها. شرع الله هذه الصلاة تخفيفًا على أهل الإسلام، وأجاز أداؤها في أي هيئة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أداء الصلاة في حالة الخوف الشديد وتأخيرها عن وقتها

في حالة الخوف الشديد، يصلي المسلم على أي هيئة، واختلف العلماء في تأخير الصلاة عن وقتها، حيث ذهب البعض إلى جواز التأخير بينما ذهب الجمهور إلى وجوب أداء الصلاة في وقتها بقدر الاستطاعة.

ختام وتأكيد على أهمية الدعاء للنبي

ينهي النص بالتوكيد على علو الله تعالى وعلمه، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاحترام والتقدير للنبي والالتزام بالآداب الإسلامية في التعامل معه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة رحمه الله في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب الصلاة منه: «باب صلاة الخوف». والباب كما مر معنا مرارًا بمعنى المدخل، وهو تارة يراد به المدخل الحسي، وهو الباب الذي يدخل منه ويخرج، وتارة يراد به المدخل المعنوي، وهو المقصود هاهنا. وقوله رحمه الله تعالى: «باب صلاة الخوف»، أي مدخل في الكلام على أحكام ومسائل صلاة الخوف. وقوله رحمه الله تعالى: «باب صلاة الخوف»، صلاة الخوف ها هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، والمعنى باب الصلاة التي سببها الخوف. قال رحمه الله تعالى: «وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمختار منها أن يجعلها الإمام طائفتين، طائفة تحرس والأخرى تصلي معه ركعة، فإذا قام إلى الثانية نوت مفارقته وأتمت صلاتها وذهبت تحرس، وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية، فإذا جلس للتشهد قامت فأتت بركعة أخرى وينتظرها حتى تتشهد معه، ثم يسلم بها. وإن اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا إلى القبلة وإلى غيرها، يؤمنون بالركوع والسجود، وكذلك كل خائف على نفسه يصلي على حسب حاله، ويفعل كل ما يحتاج إلى فعله من هرب أو غيره». ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في هذه الجمل جملة من المسائل المتعلقة بصلاة الخوف. أولها قوله رحمه الله تعالى: «وتجوز صلاة الخوف»، أي أن صلاة الخوف مشروعة وجائزة. ودليل ذلك الكتاب والسنة، وكذلك إجماع السلف من حيث الجملة على مشروعيتها. أما الكتاب، فقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ الآية. وأما السنة، فقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه صلى بأصحابه صلاة الخوف على هيئات متنوعة. وقد تكون في بعضها مختلفة، وسبب ذلك كما يقول علماء رحمهم الله تعالى يعود إلى تنوع أسباب تلك الصلاة وأحوال المحاربين فيها. والإجماع نقلوا بعضهم عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، خاصة عن الصحابة، وإلا فقد وقع خلاف في بعض تابعي التابعين. أي خالف أبو يوسف من الحنفية، فقال بأن صلاة الخوف إنما كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: أما بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي لهم إمامين، يصلي لهم أي المقاتلين إمامان. والصحيح الأول لما تقدم، والدليل على الخصوصية يحتاج إلى برهان ودليل، ولا سيما وأن الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم صلوا صلاة الخوف. قال رحمه الله تعالى: «على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم»، هذه هي المسألة الثانية. أن صلاة الخوف تصلى على أي هيئة كانت. وقبل هذا معنى صلاة الخوف أن يخرج المسلمون مثلًا في قتال مع الكافرين أو مثلًا مع البغاة، فيتواجهون ويتصافون، فتحضر الصلاة، فماذا يصنعون؟ شرع الله جل وعلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم تخفيفًا لهم هذه الصلاة، أي صلاة الخوف عند الخوف من العدو أن يبطش بهم، أن تحصل منه نكاية بالمسلمين. شرع الله جل وعلا هذه الصلاة تخفيفًا على أهل الإسلام. وكما قال علماء رحمهم الله تعالى: أن هذه الصلاة أصلها ومبناها على التخفيف، لذا الناظر في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صلاته، صلاة الخوف بأصحابه، يجدها متنوعة، حتى ذكر العلماء رحمهم الله تعالى سبع صفات لصلاة الخوف. واختلاف تلك الصفات كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى لاختلاف حال القتال وحال العدو، يعني تارة العدو يكون أمامهم بينهم وبين القبلة، وتارة يكون العدو خلفهم على خلاف القبلة، أي والقبلة في الأمام، كيف يصلون؟ يحتاج إلى أن يصلوا إلى القبلة. فيقوم الصف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصف آخر يكون وجهته إلى جهة العدو، صف يواجه العدو وصف يصل إلى جهة القبلة. وهكذا تختلف صور صلاة الخوف باختلاف أحوال القتال، لذا قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي من صلاها على الهيئة الأولى أو الثانية أو الثالثة إلى السابعة، فإنه فعل المأمور وفعل المطلوب. قال رحمه الله تعالى: «والمختار منها أن يجعلها الإمام طائفتين»، أن يجعل الجيش على طائفتين، طائفة تحرس وأخرى تصلي معه. أي يجعل الجيش على طائفتين أو صفين، الطائفة الأولى تصلي معه، وسأتي معنا أنها تصلي معه ركعة واحدة، والأخرى تبقى حارسة. قال: «فإذا قام إلى الثانية نوت مفارقته وأتمت صلاتها وذهبت تحرس، وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية، فإذا جلس للتشهد قامت فأتت بركعة أخرى وينتظرها حتى تتشهد ثم يسلم بها». هذه صفة من صفات صلاة الخوف، هناك صفات أخرى وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «خمسة أو ستة أحاديث». قال رحمه الله تعالى: «وإن اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا إلى القبلة وإلى غيرها، يؤمنون بالركوع والسجود، وكذلك كل خائف على نفسه يصلي على حسب حاله، ويفعل كل ما يحتاج إلى فعله من هرب أو غيره». هذه كذلك مسائل أخرى. يقول رحمه الله تعالى: «وإن اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا إلى القبلة»، أي صلوا فرادى، الراجل أي الذي يمشي على رجله، والذي هو راكب يصلي راكبًا، كل بحسب أحواله، هذا متى؟ يقول: إذا اشتد الخوف، يعني مثلًا عند التحام الجيشين، هنا يكون الخوف شديدًا. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «يصلي على أي هيئة كانت، يومئون بالركوع والسجود». بل قال بعض أهل العلم: إن ما استطاع ذلك لشدة الحرب أو لشدة الخوف، قال: «يصلي على أي هيئة كانت». وذهب بعض الأئمة رحمه الله تعالى في مثل هذه الحالة إلى أنه إذا اشتد الخوف جدًا وحصل الالتحام بين الجيشين، أن الغالب في مثل هذه الحالة أن يحصل ذهول، وأن يحصل نسيان، ولا يستطيع الإنسان أن يصلي الصلاة بوصفها. قالوا: في مثل هذه الحالة له أن يؤخر الصلاة، ولو خرج وقتها، واستدلوا على ذلك بما حصل من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يوم الخندق، إذ صلى العصر بعد أن غربت الشمس. وكذلك استدلوا على ذلك بما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في زمن عمر. كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: «أنهم في يوم فتح تستر أخروا صلاة الفجر، يعني حصل التحام وقتال بينهم وبين الكافرين في وقت صلاة الفجر، قال: فما صلينا الفجر إلا بعد أن فتح التستر، بعد أن انتصف النهار». الشاهد من هذا أنهم صلوا الفجر في ذلك الوقت. قالوا: فإذا كان الأمر كذلك، فلهم أن يفعلوا مثل ذلك إذا حصل مثل ذلك. هذا القول ذهب إليه جماعة أو بعض أهل العلم، منهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية عنه، وكذلك البخاري رحمه الله تعالى، وغيرهما من الأئمة رحمهم الله تعالى. وذهب الجمهور إلى أن الصلاة تصلى في وقتها على أي هيئة كانت، أي أن الأركان تتساقط باعتبار قول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فيصلي بقدر استطاعته، لكن في الوقت. وما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى والبخاري، بالنظر إلى قواعد الشريعة العامة، يجد أنه أقرب إلى مقاصد الشريعة. وقوله رحمه الله تعالى: «وإن اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا إلى القبلة وإلى غيرها»، أي تسقط الشروط، ومن الشروط استقبال القبلة، مع أن استقبال القبلة في صلاة الفريضة واجبة، لكن في وقت اشتداد الخوف لو أن يصلي على أي هيئة كان. قال: «وكذلك كل خائف على نفسه يصلي على حسب حاله، ويفعل كل ما يحتاج إلى فعله من هرب أو غيره»، أي دافع إن استطاع، وإن استطاع الهرب هرب، ويصلي على أي هيئة كانت، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على