الدرس في كتاب الصلاة 26، ألقاها
يتناول هذا الفصل شروط إتمام الصلاة للمسافر وحالات يجب فيها إتمام الصلاة مثل الصلاة خلف مقيم أو نسيان نية القصر. يشرح تفاصيل هذه الحالات والآراء الفقهية المختلفة حولها.
يتناول هذا الفصل حكم القصر في السفر حيث اختلف العلماء بين وجوب وإباحة واستدلوا بأدلة من القرآن والسنة. يشرح آراء الفقهاء المختلفة حول هذا الحكم.
يتناول هذا الفصل آراء الفقهاء في تحديد مدة السفر التي يباح فيها قصر الصلاة. يشرح رأي ابن تيمية الذي لم يحدد مدة معينة للقصر ويرى أن المسافر يقصر حتى ينوي الإقامة لأكثر من إحدى وعشرين صلاة.
يتناول هذا الفصل حكم صلاة من لم ينو الإقامة في بلد ما ولكنه متردد أو منتظر لأمر ما. يشرح أن حكم صلاته يرتبط بحالته هذه.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد بن قدامة رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الفقه، في كتاب الصلاة منه، في باب صلاة المسافر، قال: وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخا، وهي مسيرة يومين قاصدين، وكان مباحا، فله قصر الرباعية خاصة. تقدم الكلام على هاتين المسألتين في الدرس السابق. قال: إلا أن يأتم بمقيم، أو لم ينوي القصر، أو نسي صلاة حضر فيذكرها في السفر، أو صلاة سفر فيذكرها في الحضر، فعليه الإتمام. هذه جملة من المسائل ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في هذه الفقرة، أي بعد أن ذكر أن المسافر له أن يقصر. قال: إلا أن يأتم بمقيم، هذه مسألة، وهي أن المسافر إذا كان في سفر، فله أن يقصر من الصلاة، أي يصلي الرباعية ركعتين، مع التنبيه على أن القصر إنما يكون في الصلاة الرباعية، أي صلاة الظهر والعصر والعشاء. فإذا صلى مسافر خلف مقيم، إذا صلى مسافر خلف مقيم، يعني: لو أن إنسانا خرج من حضرموت، فذهب إلى صنعاء، هو مسافر، ذهب إلى صنعاء لغرض، هو مسافر، فإذا كان في بيته، أو في راحلته، صلى لوحده، فيصلي ركعتين، أي الرباعية. أما إذا صلى جماعة في المسجد، دخل المسجد فصلى مع المصلين، فهل له أن يصلي ركعتين أم يجب عليه أن يصلي أربع ركعات كصلاة إمامه؟ الجواب: أنه يجب عليه أن يصلي أربع ركعات، كصلاة إمامه، ولا يجوز له القصر في هذه الحالة. لما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: أن رجلا قال لابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: ما بالنا إذا صلينا في رحالنا صلينا ركعتين، وإذا صلينا مع الجماعة أتممناها؟ أي صلوها أربعا. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه هي السنة، أي سنة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: إلا أن يأتم بمقيم، أو لم ينوي القصر، وهذه مسألة فيها شيء من الخلاف. ومرد المسألة ومرجع المسألة إلى المسألة التي سيأتي ذكرها، وهي: هل القصر في السفر واجب أم أنه مباح؟ فمن قال بأنه مباح، اشترط النية لأجل تعيين إحدى الصلاتين، أي القصر أو الإتمام. قالوا: فإذا لم ينو، فيرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ قالوا: الأصل أن يصلي صلاة تامة، أي أن يتم صلاته أربع ركعات. وأما من قال بأن القصر في السفر واجب، أي ليس له أن يتم في السفر، قال: لا يحتاج إلى نية في تعيين الصلاة، لأن الأصل عندهم القصر. قال رحمه الله تعالى: أو نسي صلاة حضر فيذكرها في السفر، أو صلاة سفر فيذكرها في الحضر، فعليه الإتمام. هاتان مسألتان. المسألة الأولى: من نسي صلاة حضر، يعني: مثال ذلك إنسان في سفر، خرج، فما ذكر صلاة الحضر إلا وهو في السفر، مثلا نسي صلاة الظهر، فما ذكرها إلا وهو في السفر في صلاة العصر، فهل يصليها ركعتين أم يصليها أربعا؟ الصحيح من أقوال العلماء: أنه يصليها أربعا. وكذا العكس، إذا نسي صلاة سفر، صلاة في سفر، فلم يذكرها إلا في الحضر، يعني: إنسان كان مسافرا، فنسي صلاة الظهر، إما لانشغاله بتهيئة السفر أو ما شابه ذلك، فما ذكر إلا بعد أن وصل إلى بلده، فهل يصلي تلك الصلاة التي نسيها في السفر أربعا أم يصليها ركعتين؟ يصليها أربعا. قال رحمه الله تعالى: وللمسافر أن يتم، والقصر أفضل. وهذه مسألة أخرى، وهي التي أشير إليها قبل، وهي: هل القصر في السفر واجب أم أنه مباح، رخصة؟ أي: هل للمسافر أن يصلي ركعتين، أو أن يصلي أربعا؟ أم أنه يجب عليه أن يصلي ركعتين؟ خلاف بين العلماء. فكثير من العلماء رحمهم الله تعالى يرون أن القصر في السفر إنما هي رخصة، قالوا: إذا كانت رخصة، فهي من باب ماذا؟ من باب السنن، ومن باب المباحات، ومن باب الجائز، ليس من باب الواجب. واستدلوا على ذلك بأدلة، منها قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾، فرفع الجناح يدل على الإباحة. قال: ويدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم، حديث يعلى بن أمية، أنه سأل عمر، قال: أي سألوا عن هذه الآية، وأن الرخصة إنما كانت خشية الخوف من الكافرين. قال: فقد أمن الناس. فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: قد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي سألتني عليه، قال: فقال: «هذه صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». صدقة تقبل الله بها عليكم، فاقبلوا صدقة. قالوا: إذا كانت صدقة، فهي من باب الفضل والإحسان. قالوا: إذن هو مستحب وليس بواجب. وهذا القول ذهب إليه الجمهور من العلماء رحمهم الله تعالى، أي القول بأن صلاة السفر، أو قصر الصلاة في السفر، أنه على سبيل الرخصة والإباحة. وأن من صلاها تماما، فإن صلاته صحيحة. وذهب آخرون من أهل العلم رحمهم الله تعالى إلى القول بأن القصر في السفر واجب. واستدلوا على ذلك بما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاهم، في الصحيحين، قالت: «إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأتمت في الحضر، وبقيت في السفر»، أي بقيت في السفر على ما هي عليه، ركعتين ركعتين. قالوا: هذا يدل على أن الأصل في صلاة السفر ركعتين ركعتين. وإذا كان كذلك، فلا يشرع أن يصلي المسافر أربع ركعات. قالوا: وهذا أمر، وأمر آخر: الناظر في أحوال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أنه لم يتم في سفر قط، أي ما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا قط إلا وقصر فيه. قال رحمه الله تعالى: ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة، أي قدّرها العلماء رحمهم الله تعالى بأربعة أيام. قال: ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة، أتم. بمعنى أن من نوى أن يقيم في البلد المعينة، في بلدة نزل إليها، سافر إليها، أكثر من أربعة أيام، قالوا: يجب عليه أن يتم. ثم هل يتم بعد مضي الأربعة الأيام، أو بمجرد أن يصل إليها؟ كذلك قولان للعلماء رحمهم الله تعالى. وهذه المسألة هي من المسائل المشتهرة بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، التي وقع فيها الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، وهي: هل للسفر مدة معينة؟ بمعنى أن من نوى مدة معينة، فإنه يكون مسافرا، فإن زاد على هذه المدة، فإنه لا يكون مسافرا. أي: هل للسفر توقيت كما يقوله الفقهاء أم لا؟ هذه المسألة من حيث الجملة على قولين، من أهل العلم من قال: لا دليل على التوقيت. ومن أهل العلم من قال: بل المسافر له أن يقصر من الصلاة، لكن في مدة معينة. ثم اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في تحديد هذه المدة، بسبب اختلاف أنظارهم في الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصره للصلاة. فمن أهل العلم من قال: بأن المسافر له أن يقصر من الصلاة إذا مكث أربعة أيام في البلد الذي سافر إليها. رجل ذهب إلى صنعاء مثلا من حضرموت إلى صنعاء، أو من حضرموت إلى عدن، فهؤلاء الفقهاء يقولون: كم ستقيم فيها؟ إذا قلت: أقيم يومين، ثلاث، أربعة أيام، يقولون لك: تقصر. إذا قلت: أقيم فيها أسبوعا، يقولون: لا يجب عليك أن تتم. متى يتم؟ على قولين، منهم من يقول: بمجرد أن تصل. ومنهم من يقول: بعد أن تكمل أربعة أيام. هذا قول. وقول آخر: أكثر من أربعة أيام. جاءت أحاديث، لكن جاءت أحاديث أخرى تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث أكثر من أربعة أيام، ومع هذا قصر، كما جاء في حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة عشرا، يقصر فيها، أي في مكة، مكث عشرا في مكة، يقصر من الصلاة. قالوا: إذن فيه دلالة على أن المسافر إذا مكث عشرة أيام، فله أن يقصر. إذا زاد، يجب عليه أن يتم. قال آخر: لا، هناك أدلة أخرى تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث أكثر من ذلك، كم؟ خمسة عشر، سبعة عشر، تسعة عشر، إلى عشرين يوما. قالوا: إذا مكث عشرين يوما، كما جاء في حديث ابن عباس، له أن يقصر. إذا زاد على العشرين، فإنه يجب عليه أن يتم. ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا تحديد لمدة السفر، كما أنه لا تحديد لمسافة السفر. وهذا القول هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو الذي تدل عليه الآثار النبوية، والسلفية، إذ أن الشرع لم يحد حدا، ولم يذكر مدة للمسافر حتى يقصر من السفر. قال رحمه الله تعالى: ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة، أتم، وإن لم يجمع. وإن لم يجمع، بمعنى أنه إذا بقي مترددا، مسافرا، يقول: هو، ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة، أتم. وإن لم يجمع، لم ينو على الإقامة، ولكن يكون حاله كما يقول: كحال تاجر عنده بضاعة، يقول: متى ما أكملت هذه البضاعة، سأسافر. كم ستكتمل هذه البضاعة؟ يقول: الله أعلم، قد تكتمل بيوم، بيومين، بعشر، بعشرين، ما أدري متى تكتمل. تاجر عنده بضاعة، يقول: متى بعتها، سأرجع إلى بلدي. فمثل هذا يقول له: أن يقصر مطلقا، حتى يرجع إلى بلده. وكذلك من كان حاله كحال من لم يجمع على الإقامة في بلد ما، أي لم ينو الإقامة في بلد ما، وإنما هو متردد، وإنما هو منتظر لأمر، متى قضى، رجع إلى بلده. هذه جملة من المسائل المتعلقة بصلاة المسافرين. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.