كتاب الصيام 9

الدرس في كتاب الصيام 9، ألقاها

أحكام وفضل الاعتكاف

الاعتكاف يصح في أي وقت ولا يوجد حد أدنى لمدته، والأفضل أن يكون في العشر الأواخر من رمضان. يصح الاعتكاف ولو لساعة واحدة لعدم وجود دليل يحدد مدة معينة.

مستحبات الاعتكاف وآدابه

من مستحبات الاعتكاف التفرغ للعبادة وذكر الله وقراءة القرآن في العشر الأواخر من رمضان. يبدأ الاعتكاف في هذه الفترة ويُنصح بالاجتهاد فيه.

مبطلات الاعتكاف وأحكامها

يبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد لغير حاجة، الجماع أو الإنزال بشهوة، ذهاب العقل، والحيض والنفاس. هذه الأمور تعتبر من مبطلات الاعتكاف.

أثر الردة على الاعتكاف والعبادة

الردة تنافي العبادة وتسبب حبوط العمل إذا مات الإنسان عليها، بينما لا تبطل العبادة إذا تاب الإنسان قبل الموت. العبادة لا تبطل إلا بالموت على الردة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي الكلام على المسألة الأولى والمسألة الثانية من مسائل الاعتكاف. ونأخذ بإذن الله جل وعلى في هذا اليوم ما تبقى من أحكام الاعتكاف المذكورة في هذا الكتاب. قالوا: المسألة الثالثة: زمان الاعتكاف ومستحباته وما يباح للمعتكف. واحد: زمن الاعتكاف ووقته: المُكْثُ في المسجد مقدارا من الزمن هو ركن الاعتكاف، فلو لم يقع المُكْثُ في المسجد لم ينعقد الاعتكاف. وفي أقل مدة الاعتكاف خلاف بين أهل العلم، والصحيح إن شاء الله أن وقت الاعتكاف ليس لأقل حد، فيصح الاعتكاف مقدارا من الزمن. إلا أن الأفضل أن لا يقل الاعتكاف عن يوم وليلة؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه الاعتكاف فيما دون ذلك. هذه أولى هذه المسألة، وهي ما هو زمن الاعتكاف ووقته؟ وكما ذكرها هنا أن المعتبر والذي عليه حقيقة الاعتكاف هو المُكْثُ في المسجد مدة من الزمن. ثم إن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في مقدار هذه المدة. فمن أهل العلم من قال بأن أقل المدة أن تكون عشرة أيام لصنيع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ومداومته على ذلك. ومن أهل العلم من رأى بأن الاعتكاف يصح بأقل من ذلك. ثم من قال بأقل من ذلك، فمنهم من قال بأن الاعتكاف لا يكون بأقل من يوم وليلة، وهذا بناء على من شرط في الاعتكاف الصيام. ومن قال واشترط في الاعتكاف الصيام، قال أيضا: يجزئ من ذلك ولو ساعة من نهار. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الاعتكاف يصح كذلك، وأقله أن يكون بليلة أو بيوم أو بليلة. والأظهر والله أعلى وأعلم أن الاعتكاف جاء في كتاب الله جل وعلا مطلقا لم يحد، وكذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء مطلقا، فلم يحد أي لم يحده نبينا صلى الله عليه وسلم بحد محدود. فقال مثلا: لاعتكاف بأقل من يوم وليلة أو بأقل من ليلة أو بأقل من كذا وكذا، بل جاء من فعله صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف، وجاء كذلك من فعل أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم اعتكفوا. وإذا كان أمر كذلك، فالقاعدة عند العلماء أن ما جاء مطلقا في شرع ولم يحد بحد فإنه يرجع في ذلك إلى العرف. فلذا قال من قال من أهل العلم: بأن الاعتكاف يصدق على أقل مدة يصدق فيها بأن الإنسان كان فيها معتكفا. قلت هذه المدة وكثرت. وقد جاء عن يعلى بن أمية الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: إني لأمر على المسجد فأمكث فيه، وما أريد إلا الاعتكاف. قال: فأمكث فيه ساعة. ففيه دلالة على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهموا أن الاعتكاف يكون ولو بساعة. بمعنى أن إنسانا لو نوى أن يعتكف في المسجد من الظهر إلى العصر، فيصدق عليه في هذه الحالة بأنه معتكف، وينال بإذن الله جل وعلا أجر المعتكف. وذلك لما تقدم من أنه لم يأتي دليل يحد زمنا معينا مخصوصا للاعتكاف. وإذا كان كذلك، فإنه يصدق على ما يكون في العرف بأنه اعتكف ومعتكف، وذلك بأدنى المكث؛ لأن حقيقة الاعتكاف كما مر معنا: لزوم المسجد لشخص مخصوص في زمن مخصوص بقصد التعبد. فمن توفرت فيه هذه الشروط يكون بذلك معتكفا ولو كما سمعتم: اعتكف ساعة من النهار. وهذا هو الأظهر من أقوال أهل العلم، والله تعالى أعلى وأعلم. فعلى هذا القول كما سمعتم: لو أن إنسانا جاء صلاة الظهر فنوى أن يعتكف من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، هل يصدق في حقه أن يقال بأنه معتكف؟ الجواب: نعم. لما تقدم ذكره، وما كان عطاء ربك محصورا. لم يأتي دليل يحدهم بحد معين، بل اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعتم عشرة أيام، وجاء عن صحابي غير ذلك. وجاء كذلك في الصحيح من حديث ابن عمر أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نذر أن يعتكف ليلة في البيت الحرام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أوفي بنذرك. وجاء كما سمعتم عن يعلى بن أمية أنه قال: إني أمكث الساعة في المسجد، لا أريد، بذلك إلا الاعتكاف. فدلنا صنيع هذا الصحابي مع ما تقدم ذكره على مشروعية الاعتكاف أقل مدة يصدق في العرف أنها اعتكاف. والله تعالى أعلى وأعلم. المسألة: أو قال: وأفضل الأوقات: وأفضل أوقات الاعتكاف العشر الأواخر من رمضان؛ لحديث عائشة رضي الله عنها السابق: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله. وهذا كما ذكر: أن الأفضل أن أفضل الاعتكاف ما كان يعتكفه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يعتكف العشر الأخير من رمضان، أي دائما على ذلك. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه في بعض الأزمان اعتكف العشر الوسطى من رمضان، ثم اعتكف العشر الأخيرة، وداوم على ذلك، أي داوم على اعتكاف العشر الأخيرة من رمضان حتى توفاه الله جل وعلا؛ كما جاء في حديث عائشة عند البخاري ومسلم رحمهم الله تعالى. فإذا من السنن المؤكدة: الاعتكاف في العشر الأخيرة من رمضان. وتعلمون ما في العشر الأخيرة من رمضان من الفضل، حتى إن بعض أهل العلم قالوا: إن القسم في قول الله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، المقصود بالليالي العشر: هي الليالي العشر الأخيرة من رمضان. وكون الله جل وعلا يقسم بها يدل على أن لها مكانة علية عند الله رب العالمين؛ لأن الله جل وعلا لا يقسم إلا بمعظم. والله جل وعلا يقسم بمخلوقاته، ويحلف بما شاء من مخلوقاته سبحانه وتعالى، وليس لأحد من الخلق أن يحلف إلا بالله رب العالمين. وكما ذكر من فضائل العشر: كما هو معلوم فيها ليلة القدر، فيها ليلة القدر التي أخبر الله جل وعلا بأنها خير من ألف شهر. ليلة واحدة قال الله جل وعلا عنها بأنها خير من ألف شهر. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 1]. انظر إلى واسع فضل الله جل وعلا عليك أيها العبد، إن وفقك الله جل وعلا لقيام هذه الليلة، ولعبادة الله جل وعلا في هذه الليلة، ولطاعة الله جل وعلا في هذه الليلة، كيف أن الله جل وعلا رتب على عبادتك في هذه الليلة من الثواب العظيم: كأنك عبدت الله جل وعلا ألف شهر. فاحمدوا الله جل وعلا على هذا الخير، وعلى هذا العطاء الواسع من الله رب العالمين، واحرصوا على نيل هذه الفضائل، وهذه النفحات من الله رب العالمين سبحانه وتعالى. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لطاعته. قال رحمه الله تعالى: فإن اعتكف في غير هذا الوقت جاز ذلك، لكنه خلاف الأولى والأفضل. كما سمعتم: أن الاعتكاف يجوز في أي وقت من الأوقات، ولكن أفضل أن يعتكف في العشر من رمضان، أي العشر الأخير من رمضان. قالوا: ومن نوى الاعتكاف، ومن نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، صلى الفجر من صبيحة اليوم الحادي والعشرين في المسجد الذي ينوي الاعتكاف فيه، ثم يدخل في اعتكافه، وينتهي بغروب شمس آخر يوم من رمضان. وهذه مسألة كذلك يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي متى من نوى أن يدخل مثلا أن يعتكف العشر، متى يبدأ دخوله إلى معتكفه؟ من أهل العلم من قال: بأنه يبدأ دخوله إلى معتكفه من غروب شمس تلك الليلة، أو قل: من غروب شمس اليوم الأول، ودخول ليلة ذلك اليوم الذي أراد ابتداء الاعتكاف منه. يعني مثلا: أراد الإنسان أن يعتكف العشر الأخير من رمضان، متى يدخل؟ يدخل بعد غروب شمس يوم عشرين من رمضان، يدخل في معتكفه، أي يدخل إلى المسجد، ويبقى في معتكفه إلى غروب شمس آخر يوم من رمضان. هذا قول لأهل العلم. وقول آخر لأهل العلم: بأنه يبقى إلى طلوع الفجر من يوم عيد الفطر. ومن أهل العلم من يقول: بأن الوقت يبدأ من صبيحة ذلك اليوم الذي أراد أن يعتكف فيه. فمثلا: إن أراد أن يعتكف العشر، فإنه يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر، ويخرج من معتكفه كذلك. منهم من قال: بغروب شمس آخر يوم من رمضان، ومنهم من قال: بصبيحة يوم عيد الفطر. والأظهر والله أعلى وأعلم: بأن الدخول يكون من غروب شمس يوم العشرين من رمضان؛ لأن اليوم يدخل بليلته، بمعنى أن الليلة تكون سابقة على اليوم. فمن نوى الاعتكاف اعتكاف العشر، فإنه يبدأ بالدخول من المغرب، يصلي المغرب، ثم يدخل إلى معتكفه؛ ولأن هذه الليلة، أي ليلة إحدى وعشرين، هي من الليالي الوتر التي يحتمل أن تكون هي الليلة التي لأجلها يعتكف المعتكفون، ويحرص العابدون، أي يحتمل أن تكون ليلة القدر. وقد وافق ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الليلة. جاء في حديث أبي سعيد في صحيح البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف لهم ليلة القدر، وأنه وصف لهم مما وصف لهم: أنه رأى أنه يسجد على ماء وطين. قال أبو سعيد: فلما كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم من معتكفه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على ماء وطين. ففيه دلالة على أن ليلة القدر ربما تكون في ليلة إحدى وعشرين. فإذا كان الأمر كذلك، فكما سمعتم: أن المعتكف إذا أراد اعتكاف العشر، فإنه يبتدئ الدخول من المغرب من أول ليلة من ليالي العشر، من مغرب يعني يدخل في ابتداء الليلة من أوائل الليالي العشر، ويكون ذلك بخروج يوم العشرين، وبدخول ليلة واحد وعشرين. والخروج يكون بالغروب أيضا: بغروب شمس آخر يوم من رمضان؛ لأنه بذلك يكون قد اكتمل اعتكافه عشر ليال من رمضان. وبعض أهل العلم من باب الاستحباب والفضل قالوا: وإن تأخر إلى صلاة الفجر، وخرج من معتكفه إلى المصلى فحسن. وهذا الفعل كان يفعله ابن عمر رضي الله عنهما. ابن عمر كان إذا اعتكف لا يخرج من مصلى إلا بعد أن يصلي الفجر، ثم يخرج إلى المصلى. فالأمر بمسألة الخروج كما سمعتم: بأنه لا يخرج إلا إلى المغرب، فإن أحب أن يتأخر إلى الصبح اقتداء بابن عمر فحسن، وإلا فالأمر واسع. فإذا نخلص من هذا: أن وقت المعتكف يكون بدخول أول ليلة من ليالي العشر، وذلك يكون بغروب شمس يوم عشرين من رمضان، ودخول ليلة إحدى وعشرين. قد يقول قائل: فما تقولون في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها في صحيح البخاري وغيره: أنها قالت: أنها صنعت أو وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم قبة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر دخل إلى معتكفه؟ أجاب العلماء عن هذا الحديث: قالوا: أن المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون في الليل منشغلا بالصلاة وتلاوة كتاب الله جل وعلا، فإذا صلى الصبح دخل معتكفه، فليس فيه تعرض في أنه لم يدخل معتكفه إلا في ذلك الوقت. قالوا: ولكن فيه بأنه لم يدخل خيمته إلا بعد صلاة الفجر؛ وذلك لانشغاله بعبادة ربه جل وعلا، والصلاة ونحو ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: الثاني: مستحباته. قالوا: والاعتكاف عبادة يقل فيها العبد بخالقه، ويقطع العلائق عما سواه، فيستحب للمعتكف أن يتفرغ للعبادة، فيكثر من الصلاة والذكر والدعاء، وقراءة القرآن، والتوبة، والاستغفار، ونحو ذلك من الطاعات التي تقربه إلى الله تعالى. وهذا ينبغي أن يحرص عليه المعتكف؛ لأن هذا هو حقيقة وروح الاعتكاف. الإنسان لا يعتكف إلا لأجل هذه المعاني؛ لأجل أن يخلو بربه جل وعلا، وأن يناجي ربه جل وعلا، يقطع المشاغل والأعمال، أعمال ومشاغل الأولاد والأهل والدنيا، وغير ذلك، ويقبل بقلبه وجوارحه وبكل شيء إلى الله وعلى الله جل وعلا. ومنها هنا نعلم خطأ وتفريط كثير من الناس ممن يعتكف في العشر، فتجده في المعتكف أو في المسجد، وما شاء الله: أبناؤه هذا يضحك، وهذا يلعب، وهذا يفعل شيئا من الأشياء التي قد تؤذي الغير، وهو ما شاء الله يتكلم مع هذا، ويضحك مع هذا، ويجلس مع هذا. أين الاعتكاف؟ ولأجل ماذا اعتكاف؟ إذن سيخرج من معتكفه كما دخل منه، إن لم يكن أسوأ بسبب أذيته لإخوانه. فينبغي للإنسان أن يحرص على هذه المعاني المذكورة من التخلي عن الشواغل، والإقبال على الله جل وعلا في معتكفه؛ لأن الإنسان لو عمل بهذا المعنى سيجد الفرق الواسع الشاسع بين وقت دخوله إلى المعتكف، وبين خروجه منه. إذا أقبل على الله مناجاتا، وتلاوة للقرآن، واستغفارا، وتوبة، وابتهالا لربه جل وعلا، وذلا إلى غير ذلك من معاني العبودية، ما يخرج رمضان إلا ويجد أن إيمانه قد ارتفع ارتفاعا عظيما جليلا. وهذا معنى من المعاني التي لأجلها شرع الاعتكاف، فينبغي لنا أن نعتني بهذا الأمر. ينبغي لنا جميعا أن نعتني بهذا الأمر. قالوا: الثالث: ما يباح للمعتكف. قالوا: ويباح للمعتكف الخروج من المسجد لما لا بد منه، كالخروج للأكل والشرب إذا لم يكن له من يحضرهما، والخروج لقضاء الحاجة، والوضوء، والاغتسال من الجنابة. بمعنى أن من الأشياء التي تباح للمعتكف: الأكل والشرب، فإذا كان في مسجد ليس فيه أكل ولا شرب، وليس عنده من يأتيه بالأكل ولا الشرب، له أن يذهب إلى بيته فيقضي حاجته من الأكل والشرب. وكذلك إن احتاج إلى وضوء أو غسل من جنابة أو نحو ذلك من قضاء حاجة، فله أن يخرج لأجل هذه المعاني، ونحوها؛ لما جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان معتكفا لا يدخل البيت إلا للحاجة». وجاء في رواية: «إلا لحاجته». وجاء في رواية أخرى: «إلا لقضاء حاجته». قالوا: ويباح له التحدث إلى الناس فيما يفيد، والسؤال عن أحوالهم، أي يتكلم إذا كان مثلا في المسجد: سلام عليكم، كيف حالك أخي؟ كيف حال الأولاد؟ ما شابه ذلك من الأعمال المباحة. لكن لا يكثر. قالوا: والسؤال عن أحوالهم. أما التحدث فيما لا يفيد، وفيما لا ضرورة فيه، فإنه ينافي مقصود الاعتكاف، وما شرع من أجله. ويباح لهم أن يزوره بعض أهله وأقاربه. ويباح لهم أن يزوره بعض أهله وأقاربه، أي يشرع لبعض أهله وأقاربه أن يزوره، إن لم يكن هناك فتنة بالنسبة للنساء. يعني إذا جاء أولاده فجلسوا عنده وقتا يسيرا، يتحدثون إليه، ويتحدث إليهم، ويسألون عن أحواله، وهم يسألون عن أحوالهم، ثم ينطلقون وينصرفون، ويقبلون على حاجته، ويقبلون على أمره، فهذا لا بأس به. قالوا: والخروج من معتكفه لتوديعهم؛ لحديث صفية رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا، فأتيته ليلا فحدثته، ثم قمت فانقلبته، فقام معي ليقلبني». الحديث. ومعنى ليقلبني: يردني إلى بيتي. يردني إلى بيتي. وهذا كما قيل: بسبب بعد بيته، وكان الوقت ليلا. بمعنى أن الإنسان إذا احتاج مثلا جاءه طفل أو ولد صغير، فخشي عليه في الليل أن يرجع لوحده، وما وجد من يرسله معه، لا بأس أن يخرج معه إلى البيت، يصله إلى البيت، ثم يرجع بنفسه. وكما قيل: تقدر الحاجة بقدرها. تقدر هذه الحاجات بقدرها، لا إفراط ولا تفريط. قالوا: وللمعتكف أن يأكل ويشرب وينام في المسجد، مع المحافظة على نظافة المسجد وصيانته. أي المعتكف كذلك: أن يؤتى بطعام، يأكل في المسجد، ولو أن يشرب في المسجد، وينام في المسجد. وكل هذا قد حصل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه. لكن ينبغي أن يصان المسجد عن أن يلوث، بل ينبغي المحافظة على المسجد، وعلى نظافته. وكذلك يباح له التنظف، يباح للمعتكف التنظف، وكذلك التطيب، وكذلك ترجيل الشعر، وتنظيف نفسه من كل ما يحتاج إلى تنظيف؛ لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه إلي وهو معتكف، فأرجله». اجتهد العلماء على جواز ترجيل الشعر ومع ترجيل المشط وتسريح الشعر. قالوا: يدخل في معناه ما كان في معناه، أي من التنظف والتزين والتطيب، وما شابه ذلك. فهذه الأمور كلها مشروعة للمعتكف أن يفعلها. قالوا: المسألة الرابعة: مبطلات الاعتكاف. قالوا: يبطل الاعتكاف بما يلي، أي ما هي الأشياء التي إذا فعلها المعتكف بطل اعتكافه؟ قالوا: واحد: الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا، وإن قل وقت الخروج؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا»، أي النبي صلى الله عليه وسلم. ولأن الخروج يفوت المكث في المعتكف، وهو ركن الاعتكاف. وهذا كما ذكره: الشرط الأول أو المبطل الأول الذي إذا فعله الإنسان تعمدا لغير حاجة. إنسان خرج من المسجد، ذهب إلى السوق، ذهب إلى بيت لغير حاجة، ما عنده شيء، خرج من المعتكف متعمدا لغير حاجة، إن فعل هذا فقد بطل اعتكافه؛ لأن حقيقة الاعتكاف المكث والحبس في المسجد، ولزوم المسجد، هذا هو حقيقة الاعتكاف. قالوا: الثاني: الجماع، أي أن من جامع يكون بذلك بطل اعتكافه. قالوا: ولو كان ذلك ليلا، أي ولو كان ذلك الجماع في ليلة من ليالي رمضان. وفي ليلة من ليالي رمضان يجوز لغير المعتكف أن يأتي أهله، لكن المعتكف لا يشرع له أو قل: إذا أتى أهله بطل اعتكافه. المعتكف إذا أتى أهله ليلا، أي جامع أهله ليلا وهو معتكف، بطل اعتكافه؛ لأن الجماع مناف لحقيقة الاعتكاف. قالوا: ولو كان ذلك ليلا أو كان الجماع خارج المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. والأصل في النفي أنه يقتضي الفساد، ولا سيما إذا عاد على ذات الشيء كما هو الأمر هاهنا. قالوا: وفي حكمه الإنزال، وفي حكمه الإنزال بشهوة بدون جماع، كالاستمناء، ومباشرة الزوجة في غير الفرج؛ لأن هذه المعاني حقيقتها منافية لحقيقة معنى الاعتكاف، فيلحق بمعنى الجماع من حيث الحكم؛ لأنه ما التزم بما ينبغي أن يلتزم به المعتكف في اعتكافه. قالوا: الثالث: ذهاب العقل، فيفسد الاعتكاف: الجنون والسكر؛ لخروج المجنون والسكران عن كونهما من أهل العبادة؛ لأنهما لا قصد لهما، ولا نية معتبرة شرعا. فإذا حصل لإنسان هذا الأمر يكون بذلك خارجا عن كونه معتكفا. قول الرابع: الحائض والنفاس؛ لعدم جواز مكث الحائض والنفساء في المسجد. وهذه المسألة كما تكرر معنا مرارا أنها محل خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. وتقدم أننا ذكرنا أن جماعة من أهل العلم يرون أنه لا بأس بدخول المرأة إلى المسجد ومكثها كذلك؛ بدخول المرأة إلى المسجد ومكثها في المسجد حاجة، سواء كانت دينية أو غير ذلك. يعني مثال ذلك: امرأة حائض، وعندها دروس في المسجد، هل لها أن تدخل؟ الجواب: أنها لها أن تدخل لهذا المعنى، ولهذه الحاجة. كذلك المعتكفة، كذلك المعتكفة: دخولها المسجد لحاجة، وهي ماذا؟ وهو الاعتكاف، وبقاء في المسجد لهذا المعنى، وهو الاعتكاف. وقد تقدم وأن أشرنا أن في كون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الصحابة ممن كن يعتكفن، لم يأت دليل، ولم يثبت عن أحد هؤلاء النساء أنها خرجت من معتكفها لأجل الحيض؛ لا يعلم هذا. بل دلت أدلة أو أقوال على أنه يجوز للمرأة أن تبقى في المسجد ولو كانت حائض. ومن هذا ما جاء في الصحيح في قصة تلك المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، وكان لها مخبأ في المسجد، كانت عنده مخبأ، أي سكن داخل المسجد، وكانت تقم المسجد وتعيش داخل المسجد. ومن عادة النساء الحيض أم لا؟ من عادة النساء الحيض، وهي كانت في المسجد، بيتها وسكنها كان في المسجد. وكذلك ما جاء في الصحيح وغيره من حديث عائشة في قصة الخمرة حينما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتيه بالخمرة، فقالت: يا رسول الله، إني حائض. كأنها فهمت رضي الله عنها وأرضاها أن الحائض لا تدخل إلى المسجد. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم مبينا لها ومعلما: «إن حيضتك ليست بيدك». إذا المرأة الحائض ليست هي نجسة، ولا حيضتها في كل قسمها، وإنما حيضها في مكان الحيض المعروف. وحديث أبي هريرة، وكذلك حديث حذيفة بن اليمان: الأول في الصحيحين، والآخر في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن»، وفي رواية: «إن المسلم لا ينجس». إذا الأصل هو أنه طاهر، هو مسلم، هو طاهر، وإنما هذه الأحداث لا تمنع من بقائها في المسجد. والله تعالى أعلى وأعلم. الخامس: الردة؛ لمنافاتها العبادة، ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتِ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلَكِ﴾ [الزمر: 65]. وهذا كما يذكر بعض أهل العلم: مشروط بالموت على ذلك، أي حبوط العمل، وكذلك الردة تكون محبطة للعمل إن مات الإنسان على هذا العمل. أما من تاب، حصل منه شيء من الردة والعياذ بالله، لكنه تاب إلى الله مباشرة، هل تبطل عبادته التي هو فيها أم لا؟ خلاف بين أهل العلم. والأظهر والله أعلى وأعلم: أنها لا تبطل إلا بالموت؛ لأن الله جل وعلا قيدها قيدها بالموت. قال: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [البقرة: 217]. فإذا التقييد بالموت. والله تعالى أعلى وأعلم. وبهذا نكون انتهينا من كتاب الصيام بحمد الله جل وعلا، من كتاب الفقه الميسر. ومن غدا بإذن الله جل وعلا ندخل في كتاب الزكاة. ندخل في كتاب الزكاة من هذا الكتاب. نسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على