كتاب الصيام 8

الدرس في كتاب الصيام 8، ألقاها

أهمية الصيام المسنون وتكميل النقص في الفرائض

يشرح هذا الفصل أهمية الصيام المسنون في تكميل النقص في الفرائض، ويتناول صيام ستة أيام من شوال وأحكامه. يبين كيفية سد النقص في الفروض من خلال النوافل.

صيام الأيام المستحبة بعد رمضان وأحكامها

يتناول هذا الفصل آراء أهل العلم حول صيام الست من شوال، واستحباب صيام يوم عرفة لغير الحاج، وصيام يوم عاشوراء مع بيان حكمه ومخالفة اليهود فيه.

أفضل أنواع صيام التطوع والأيام المفضلة للصيام

يستعرض هذا الفصل أنواع صيام التطوع المستحبة، مثل صيام يوم عاشوراء، والاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويحذر من إفراد شهر رجب أو يوم الجمعة بالصيام.

الأيام المنهي عن صيامها وحكمها الشرعي

يتناول هذا الفصل الأيام المنهي عن صيامها، مثل يوم الجمعة إذا أفرد، ويوم الشك، ويومي العيدين، وأيام التشريق للمتمتع والقارن إذا لم يجد الهدي، مستنداً إلى أحاديث نبوية وآثار صحابية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، دخلنا في الدرس الماضي في الكلام على شيء من الباب الرابع، وقرأنا فيما قرأنا المسألة الأولى في قضاء الصيام، ونقرأ اليوم بإذن الله عز وجل المسألة الثانية، وهي الصيام المسنون. قالوا: من حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن جعل لهم من التطوع ما يماثل الفرائض، وذلك زيادة في الأجر والثواب للعاملين، وجبراً للنقص والخلل الذي قد يطرأ على الفريضة. فقد سبق معنا أن الفرائض تكمل من النوافل يوم القيامة. وكما تقدم في حديث أن الله جل وعلا يوم القيامة يسأل أول ما يسأل عن الصلاة، فإن وجد فيها تقصيراً أو نقصاً سأل: هل له من نوافل تكمل ذلك النقص؟ ثم يقال كذلك في بقية الفرائض من زكاة وصيام وغيرها. وهذا من فضل الله جل وعلا على عباده، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. فمن رحمة الله جل وعلا وإحسانه وفضله بعباده أن جعل لهم من هذه الأعمال ما يكون به سداداً لما حصل من تقصير ونقص في الفرائض، فيكملون ما نقص من الفرائض، وكذلك يوفون ما حصل من التقصير والتفريط في تلك الفرائض. وهذا كما سمعتم من عظيم فضل الله جل وعلا على عباده، ولا سيما من وفقهم الله جل وعلا للعمل بهذا الفضل الذي أراده الله جل وعلا منهم بأن يتبعوا الفرائض بالنوافل. فإن حصل نقص أو تفريط في الفرائض - ولا بد أن يحصل - فيحصل بعمل تلك النوافل من الأجور والحسنات ما يكون بإذن الله جل وعلا سداداً لما حصل من النقص والتقصير في تلك الفرائض. ومن هذه النوافل نوافل الصيام. ولا شك ولا ريب أن الناس في الصوم ليسوا سواء، منهم من يحرص حرصاً عظيماً على سلامة صومه وعلى أدائه على الوجه المطلوب منه شرعاً، فيحاول ما استطاع إلى ذلك أن يكمل صيامه. ومع هذا قد يحصل شيء من النقص أو التقصير. وبعض الناس ربما يكون من أهل التساهل والتفريط، وقصده أن يقال بأنه صائم، أو أن يقول: أني قد أديت الصيام الذي أوجبه الله جل وعلا عليه، ولا يدري كيف ذلك الصيام، هل هو صيام كامل كامل، أم أنه صيام ناقص خدش هنا، وحصل له من النقص والتقصير هنا. فلأجل هذا وذاك كان من فضل الله جل وعلا على عباده أن تفضل عليهم بأن جعل لهم من أعمال البر من الصيام ما يكون سبباً لتكميل ذلك النقص ولإيفاء ذلك التقصير الذي قد يقع من أولئك المقصرين. ولا شك أنهم متفاوتون، ما أحد منا يستطيع أن يقول بأن صيامه كامل تام. ولكن من أهل الإيمان من هو حريص على ذلك، ومنهم من ليس كذلك، فهم متفاوتون بهذا الأمر، بل وبالنظر إلى الحرص هم متفاوتون. فمنهم من يحب أن يكون صيامه على أتم وجه وأكمل وجه وأعلى وجه، ومنهم من يرضى بالكمال، أي منهم من يرضى بالأكمل. ومنهم من يرضى بالكمال، بل وأهل الأكمل على درجات وطبقات، وكذلك أهل الكمال على درجات وطبقات. فكيف بمن هو دون ذلك ممن هو من أهل التقصير والنقص، وممن يفحش بهذا ويسب هذا ويلعن هذا ويغتاب هذا ويغش هذا إلى غير ذلك مما قد يفعله بعض الناس وهم صائمون من الأعمال المنافية لكمال الإيمان ولحقيقة الصيام، منافية لكمال الإيمان ولحقيقة الصيام؟ فـ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قالوا: فقد سبق معنا أن الفرائض تكمل من النوافل بأن الفرائض تكمل من النوافل يوم القيامة. والأيام التي يستحب صيامها هي - قولهم - يعني معناه الذي جاء النص والدليل بالحث على صيامها. وإلا فإن إنساناً لو صام في أي يوم من أيام الله جل وعلا التي يشرع فيها الصيام فإنه قد فعل أمراً مستحباً. في أي يوم لو أن إنسان صام يوم الأحد تقرباً لله رب العالمين، أو يوم الثلاثاء أو الأربعاء أو ما شابه ذلك تقرباً لله جل وعلا، هذا أمر مستحب وأمر فاضل. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «من صام يوماً في سبيل الله، بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً». سبعين خريفاً. سبعين خريفاً. إذن ما سيأتي من ذكر الأيام والهيئات والأوقات، هذه الاستحباب فيها أوكد. وإلا كما سمعت، من صام في أي يوم من الأيام ابتغاء وجه الله جل وعلا، إنسان نشط يوماً، يوم السبت أو يوم الأحد، فقال: سأصوم في هذا اليوم لله رب العالمين، هذا أمر مستحب. هذا أمر مستحب أن يصوم في أي يوم من أيام الأسبوع. لكن من أيام الأسبوع ما فيه الصيام يكون أفضل. كما أن في شهر أيام يكون الصيام فيها في تلك الأيام أفضل. كما أن في السنة أياماً الصيام فيها أفضل. فمثلاً سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا باعتبار الأسبوع الاثنين والخميس، وباعتبار الشهر الثلاث البيض، أي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وباعتبار العام، جاء يوم عرفة، وكذلك يوم عاشوراء. هذه جاءت فيها فضائل. وسأتي معنا بإذن الله جل وعلا شيء من ذلك بإذن الله جل وعلا. قال: والأيام التي يستحب صيامها هي: واحد، صيام ستة أيام من شوال، لحديث أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر». والحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله. وها هنا مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، ويكثر السؤال عنها، وهي: هل يشرع صيام الستة من شوال لمن كان عليه قضاء من شهر رمضان؟ بمعنى: من أفطر في شهر رمضان لعذر كامرأة حائض أو رجل مريض أو ما شابه ذلك، فهل يشرع له أن يبدأ بقضاء ما عليه من الصوم، أم أنه يبدأ بست من شوال ثم يقضي ما عليه من الصوم؟ من أهل العلم من يقول بهذا، ومنهم من يقول بهذا. ولا شك ولا ريب أن البدء لمن تمكن بما أوجبه الله جل وعلا عليه فهو أوكد وأفضل وأولى. أي: من استطاع أن يجمع بين الأمرين بأن يبدأ بقضاء ما أفطر من شهر رمضان، ثم يصوم بعد ذلك ستاً من شوال، فهذا أفضل بلا خلاف. بقي من لم يستطع لأمر أو لآخر، إما أن يقدم هذا وإما أن يقدم هذا. أيهما الأفضل؟ كذلك من أهل العلم ذهب إلى أن الواجب أفضل. إلى أن الواجب أفضل؛ لأن الفرائض معلقة في ذمة العبد، بخلاف النوافل إنما هي زيادة فضل. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يقدم الست من شوال إذا تضايق عليه الوقت لضيق الوقت، ولا سيما إذا كان الإنسان ممن يستطيع أن يصوم بعد ذلك من غير مشقة بإذن الله جل وعلا، وعزم على ذلك - أي يصوم ما فاته من شهر رمضان - فرأى بعض أهل العلم أنه يصوم الست من شوال ثم بعد ذلك يقضي ما فاته. واستدلوا على ذلك بما ثبت عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها كانت لا تقضي ما عليها من الصوم إلا في شهر شعبان. قالوا: ولا شك ولا ريب أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، أحرص النساء على العلم، من البعيد أن يفوتها هذه الفضائل، أن لا تصوم شيئاً من النوافل، وإنما تبقى من غير نوافل حتى تقضي ما عليها من الصوم في شهر شعبان. فالحاصل أن من استطاع الجمع فهذا أحسن وأفضل وأولى. ومن لم يستطع الجمع، لكن يرى أن عنده الوقت والقوة ما يستطيع أن يصوم ما عليه من الصوم الواجب بعد شهر شوال، فلا بأس أن يصوم الست من شوال أولاً. ومن خاف أن لا يستطيع أن يتضايق عليه الوقت، كان يكون رجل صاحب أعمال من الصباح إلى المساء، أو كذلك امرأة تخشى أن يداهمها مثلاً ولادة، أو يحصل لها مثلاً ما شابه ذلك من الأمراض، تخشى على نفسها، فتبدأ بالواجب. عند السعة لها أن تبدأ بالست من شوال، وعند الضيق تبدأ بما أوجبه الله جل وعلا عليها من الصوم. والله تعالى أعلى وأعلم. الثاني: صيام يوم عرفة لغير الحاج، أي: من الصيام المستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، أي لمن لم يكن من أهل الحج، ممن لم يكن حاجاً من الحجاج إلى بيت الله جل وعلا. قالوا: لحديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده». والحديث رواه مسلم رحمه الله تعالى. الشاهد: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده». إذن هذا اليوم يعد من أفضل أيام الله جل وعلا في الصيام، بل هو أفضل أيام الله جل وعلا في الصيام بعد الفرائض، أي بعد شهر رمضان؛ لأن يوماً واحداً يكفر الله جل وعلا به من الذنوب والخطايا، يكفر به الذنوب عامين: عام مضى وعام آت. وهذا يدلنا على عظيم فضل الله جل وعلا على عباده، وعلى فضل صيام هذا اليوم. قالوا: أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في ذلك اليوم، والناس ينظرون إليه، ولأنه أقوى للحاج على العبادة والدعاء في ذلك اليوم؛ بمعنى أن الإنسان إذا كان حاجاً وكان في يوم عرفة، فإنه لا يستحب له الصوم؛ لأن في يوم عرفة أعمالاً كثيرة تحتاج إلى تعب ومشقة، وبالصيام قد يفوته شيء من الشيء الذي هو أفضل وأولى وأحرى بأن يهتم به من كثرة الدعاء والتضرع لله رب العالمين جل وعلا في ذلك اليوم العظيم الذي هو يوم عرفة، الذي هو أعظم أيام الله جل وعلا، أو من أعظم أيام الله جل وعلا على خلاف بين أهل العلم. قالوا: أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في ذلك اليوم، والناس ينظرون إليه، ولأنه أقوى للحاج على العبادة والدعاء في ذلك اليوم. إذن يستحب صيام يوم عرفة لمن لم يكن حاجاً، لما في صيام هذا اليوم من الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله رب العالمين. الثالث: صيام يوم عاشوراء. ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم. وقد كان في أول الأمر كان واجباً، كان صيامه واجباً على أهل الإسلام كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع في صحيح البخاري وغيره. ثم لما فرض الصيام، نسخ الوجوب في صيام يوم عاشوراء، وبقي على الاستحباب وبقي على الاستحباب. قالوا: صيام يوم عاشوراء فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم عاشوراء، فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». وهذا فيه - كما ترون - أجر عظيم، تكفير سنة كاملة بصيام يوم واحد، صيام يوم عاشوراء. قالوا: ويستحب صيام يوم قبله أو يوم بعده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». بمعنى أن من صام يوم عاشوراء يستحب له أن يصوم يوماً قبله أو أن يصوم يوماً بعده؛ وذلك لأن صيام يوم عاشوراء مما عرف به اليهود، أي يوم تعظمه اليهود وتصومه اليهود، ويقولون بأنه يوم أعز الله جل وعلا به موسى ومن معه من بني إسرائيل، وأغرق فيه فرعون. فلأجل هذا يصومونه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بموسى منهم»، أو قال: «نحن أحق بذلك»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فلأجل المخالفة شرع أن يصوم الإنسان مع يوم عاشوراء إما يوماً قبله وإما يوماً بعده، مخالفة لليهود. قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، خالفوا اليهود». والحديث كما ذكر في التخريج قالوا: أخرجه أحمد بن حنبل. وهنا تنبيه وهو أن كثيراً ما يحصل الالتباس في يوم عاشوراء، فتجد مثلاً في بلد ما يقول: يوم عاشوراء مثلاً يوم الأحد، وفي بلد آخر يقول: لا، بل يوم الاثنين. والمسلم ما تبين له الصوم مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، أي مع هؤلاء أو مع هؤلاء، ولا سيما إذا كانوا في مكان ليس بينهما فرق بإعتبار الأقاليم. فإذا كان الأمر كذلك أو التبس عليهم يوم عاشوراء بسبب غيم، بسبب الغيم في دخول أول يوم عاشوراء، فماذا يصنعون؟ ذكر العلماء رحمه الله تعالى أنه في مثل هذه الحالة قالوا: يشرع أن يصوم إذا شك يومين. أو يجب من أراد أن يصيب الفضل يصوم اليومين. فإن شك: أحدهما السبت أو الأحد أو الاثنين، قالوا: يصوم كذلك الثلاثة الأيام. وبإذن الله جل وعلا يصيب الفضيلة ويصيب ذلك اليوم بإذن الله جل وعلا. فـ«صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، خالفوا اليهود». والحديث كما ذكر في التخريج. قالوا: أخرجه أحمد بن خزيمة. وفي سنده صح عن ابن عباس بنحوه موقوفاً من قوله. وأثر ابن عباس يدل على المعنى الذي لأجله شرع صيام يوم قبله أو يوم بعده، مخالفة لليهود. الرابع: وها هنا تنبيه أيضاً، بعض الناس لغفلة أو لجهل يصومون يوم تاسع، وأما يوم عاشر يقول: ما نستطيع. يظن هؤلاء أن من صام أحد اليومين فقد أصاب الفضل، فيصوم اليوم التاسع ولا يصوم اليوم العاشر. هذا ضيع وفرط في الثواب والأجر الذي هو مترتب على صيام يوم عاشوراء. لو أنه صام يوم عاشوراء ولم يصم يوماً قبله ولا بعده لكان بذلك الفعل قد أحسن. ولكن كما يقال: جهل، كذلك يعمل بأصحابه. قال: «صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، خالفوا اليهود». والحديث كما ذكر في التخريج. الرابع: صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام الاثنين والخميس». والحديث كما ذكر في التخريج رواه أحمد والترمذي وصححه العلامة الألباني رحمه الله. قال: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». والحديث كما ذكرها هنا كذلك أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود، وحسنه الترمذي، وأصله في الصحيح من حديث أبي هريرة - أي في صحيح مسلم. الخامس: صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: «صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر». والحديث كما ذكر في التخريج رواه البخاري، وهو كذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام كل شهر، وركعتين الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام». قالوا: وهذا جاء كما ذكر من حديث أبي هريرة. قالوا: أخرجه البخاري. وها هنا أخرجه البخاري. وجاء كذلك من حديث أبي ذر. وكذلك الذي في ذهنه جاء رواه الإمام مسلم رحمه الله حديث أبي هريرة، وحديث أبي ذر عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وفيه هذا المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاهم بصيام ثلاثة أيام كل شهر. قالوا: ويستحب أن تكون الأيام البيض، أي: هذه الأيام الثلاث يستحب أن تكون الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر؛ لحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان صائماً من الشهر فليصم الثلاث البيض». وجاء أيضاً في حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صم الثلاث البيض: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر من كل شهر». والحديث يحسنه العلامة الألباني رحمه الله. إذن في صيام ثلاثة أيام من كل شهر يستحب أن يصوم الإنسان من كل شهر ثلاثة أيام. فإن صام هذه الثلاثة الأيام في ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر من الشهر فهو أفضل. وإن صامها متفرقة - مثلاً صام في أول الشهر يوماً، وفي أوسط الشهر يوماً، وفي آخر الشهر يوماً - أو صام الثلاث في أول الشهر أو في أوسط الشهر أو في آخر الشهر، فقد فعل خيراً. ويكون بذلك صام ثلاثة أيام من كل شهر. لكن إن صام في الأيام البيض فهو أفضل؛ على حسن هذا الحديث. السادس: قالوا: صوم يوم وإفطار يوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً». وهذا من أفضل أنواع التطوع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أفضل الصيام، قال: «صوم يوم، وأفطر يوم». قال عبد الله بن عمر: «صوم يوم، وأفطر يوم». قال: «يا رسول الله، إني أطيق أفضل من ذلك». قال: «لا أفضل من ذلك». وجاء في حديث أبي أيوب عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من صيام أخي داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً». ولكن ها هنا تنبيه وهو: ينبغي للإنسان أن يكلف من الأعمال ما يطيق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا». والحديث متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها. فالإنسان - كما جاء كذلك في الحديث الآخر عن عائشة - «أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل». فالعبرة بالمداومة. ما يقول الإنسان: الشهر هذا ما شاء الله يصوم يوماً ويفطر يوماً، الشهر الثاني ولا يوم ما لك يا فلان؟ فلا. قال: تعبت. ما استطعت أن أقرأ القرآن، ولا استطعت أن أدخل الدروس أو ما شابه ذلك. لا عليك بالقصد. صم من الصيام ما يعينك على عبادة ربك جل وعلا، وفي الوقت نفسه لا يكون سبباً لانقطاعك عما هو أولى من بقية العبادات. والعبرة بالمداومة. قالوا: السابع: صيام شهر الله المحرم؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». هذا أيضاً يدلنا على أفضلية الصيام في شهر الله المحرم، أن الإنسان كلما أكثر من الصيام في هذا الشهر كلما كان من الأعمال التي فيها الصوم أفضل في هذا الشهر؛ لهذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفي صحيح مسلم. قالوا: الثامن: صيام تسع ذي الحجة، وتبدأ من أول يوم من شهر ذي الحجة وتنتهي باليوم التاسع، وهو يوم عرفة. قالوا: ذلك لعموم الأحاديث الواردة في فضل العمل فيها. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر». والحديث ذكرها هنا أنه رواه البخاري، وهو كذلك في مسلم فيما يحضرني الآن من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قالوا: وقالوا: وصوم من العمل الصالح أن يستحب. أن يصوم الإنسان في أيام العشر إلا يوم العيد، فإنه لا يجوز الصيام فيه بإجماع. لا يجوز الصيام فيه بإجماع. قال: المسألة الثالثة: ما يكره ويحرم من الصيام. قالوا: يكره إفراد شهر رجب بالصيام؛ لأن ذلك من شعائر الجاهلية. وقد كانوا يعظمون هذا الشهر. فلو صامه مع غيره - فلو صامه مع غيره - لم يكره؛ أي: إذا كان إنسان عادته أن يصوم يكثر من الصيام في الشهور، فكان رجب كغير مشهور لم يصم رجب متقصداً لصيام رجب، أو لم يكن قاصداً لصيام رجب، فلا بأس في ذلك. أما أن يتعمد الصيام في شهر رجب ويظن أن فيه فضيلة، فهذا كما ذكر من الأعمال التي فيها تشبه بأهل الجاهلية. قالوا: وقد كانوا يعظمون هذا الشهر. فلو صامه مع غيره لم يكره؛ لأنه لا يكون حينئذ مخصصاً له بالصيام. روى أحمد بن حنبل روى أحمد بن حرب ابن الحر قال: «رأيت عمر بن الخطاب يضرب أكف المترجبين - ومع المترجبين الذين يصومون في رجب - حتى يضعوها في الطعام». ويقول: «كلوا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية». أي: أما الإسلام فلم يأت دليل على تعظيم هذا الشهر بصيام، على تخصيص هذا الشهر بصيام. الثاني: وأثر عمر كما ذكر في التخريج، قال: عزاه الألباني لابن أبي شيبة وقال: صحيح. الثاني: قال: يكره إفراد يوم الجمعة بصيام، بل ذهب جماعة من أهل العلم إلى التحريم؛ أي: يحرم إفراد صيام يوم الجمعة دون أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده». وهذا يدلنا على أن الأصل في أنه باق على عمومه «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده»، الأصل في أنه باق على ظاهره وهو التحريم. والأصل في النهي أنه للتحريم، وهو ها هنا باق على أصله، ولا يدل دليل على إخراجه عن هذا الأصل. فمن أراد أن يصوم الجمعة فليصم يوماً قبله أو يصم يوماً بعده، أو يصم يوماً بعده. ولا يخصص يوم الجمعة بصوم دون أن يضيف إليه يوماً قبله أو يوماً بعده. قالوا: فإن صامه مع غيره فلا بأس بذلك؛ للحديث الماضي. والحديث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: الثالث: يكره إفراد يوم السبت بصيام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». طيب. والصحيح - يعني - في حديث السبت أنه لا يصح. والحديث قد ضعفه الأئمة رحمهم الله تعالى كالإمام مالك والإمام أبو داود وغيرهم من أئمة الحفاظ رحمهم الله تعالى، وحكموا على الحديث بالنكارة. فلا بأس بصيام يوم السبت. لا بأس بصيام يوم السبت. وإنما جاء النهي عن صيام يوم الجمعة. قالوا: والمقصود النهي عن إفراده وتخصيصه بالصيام. أما إذا ضم إلى غيره فلا بأس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين جويرية وقد دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غداً؟» قالت: لا. قال: «فأفطري». قال: فدل قوله صلى الله عليه وسلم: «تريدين أن تصومي غداً؟» على جواز صيام يوم السبت مع غيره. قال الترمذي رحمه الله عقب إخراجه حديث النهي الماضي قال: ومعنى الكراهية في هذا أن يختص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود يعظمون يوم السبت؛ لأن اليهود يعظمون يوم السبت. أي: هذا على صحته، على القول بتصحيحه. الرابع: تحريم صيام يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، ما يمنع رؤية الهلال. فإن كانت السماء صحوا فلا شك في ذلك اليوم؛ لأنه إما أن يكون يوم يرى فيه هلال رمضان وإما أن لا يكون كذلك. قالوا: ودليل تحريمه حديث عمار رضي الله عنه قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». والحديث كما ذكر قالوا: علقه البخاري بصيغة الجزم. المهم أن الحديث بأن الحديث صحيح. ففيه أن من فعل هذا الفعل فقد عصى النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون صيام يوم الشك محرماً. إلا أن يكون إنسان يصوم هذا اليوم عادته، إنسان مثلاً يصوم اثنين وخميس، جاء يوم الشك يوم خميس وهو يريد صيام الخميس، لا يريد صيام الذي فيه تحرى يقول: أنا سأتحرى دخل رمضان سأصوم هذا اليوم لا، ولكن جاء موافقة لعادة وصيامه لذلك اليوم. فإذا كان أمر كذلك فلا بأس؛ لما جاء في حديث أبي هريرة: «إلا أن يكون صياماً يصومه أحدكم». قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يتقدم أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ إلا أن يكون رجل كان يصومه صومه فليصوم ذلك اليوم». والحديث متفق عليه. قالوا: المعنى: لا يتقدم شهر رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط؛ فإن صومه مرتبط بالرؤية، فلا حاجة إلى التكلف. أما من كان ورد يصومه فلا شيء عليه؛ لأن ذلك ليس من استقبال رمضان. ويستثنى من ذلك أيضاً القضاء والنذر لوجوبهما - القضاء والنذر لوجوبهما - بمعنى: لو أن إنسان قال: نذر علي أن أصومه غداً، وكان اليوم الآتي هو يوم الشك، هنا يجب عليه أن يصوم ذلك اليوم؛ يجب عليه أن يصوم ذلك اليوم. قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يتقدم أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ إلا أن يكون رجل كان يصومه صومه فليصوم ذلك اليوم». والحديث متفق عليه. قالوا: الخامس: يحرم صوم يومي العيدين؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر». وتحريم صيام يومي العيد مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم في أنه يحرم صيام يوم الفطر ويوم الأضحى. قالوا: المعنى؛ لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم». والسادس: والحديث ها هنا كما ذكر في التخريج أخرجه البخاري. قالوا: السادس: يكره صوم أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم عنها: «أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل». ولقوله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب». والحديث كما ذكر أخرجه الترمذي وصححه العلامة الألباني. قالوا: ورخص في صيامها للمتمتع والقارن إذا لم يجد ثمن الهدي؛ لحديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما ما قال: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، إلا لمن لم يجد الهدي». فالحاصل أنه لا يجوز صيام يومي العيدين. وأما أيام التشريق فكذلك يكره الصيام فيها لما ذكر من أحاديث النهي عن ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على