الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها
يستحب للصائم السحور وتأخيره إلى قبيل الفجر لما فيه من بركة، ويتحقق السحور بأي طعام أو شراب. تأخير السحور سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
يستحب للصائم في رمضان تأخير السحور وتعجيل الفطر، والإكثار من الطاعات مثل الصدقة وتلاوة القرآن وتفطير الصائمين. كما يستحب الاعتمار في رمضان لما له من أجر عظيم.
يُكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق، والقبلة لمن تحرك شهوته، وبلع النخامة، وذوق الطعام لغير حاجة. تجنب هذه الأمور يحافظ على صحة الصوم وأجره.
المقطع الأخير يتضمن تسبيحاً لله تعالى والاستغفار والتوبة إليه، مع اعتراف المتحدث بذنوبه ورغبته في التوبة. يعبر عن تواضع المتحدث واستسلامه لله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الباب الثالث: قالوا: الباب الثالث: مستحبات الصيام، مكروهاته، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: مستحبات الصيام. قالوا: يستحب للصائم أن يراعي في صيامه الأمور التالية: واحد، السحور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله، ولو بجرعة ماء. ووقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر. وهذا من الأمور، كما ذكرنا، المستحبة. أكل السحر وهي من خصائص هذه الأمة، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «﴿فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكل السحر﴾». كما في حديث عمرو بن العاص عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى. فالسحور من خصائص هذه الأمة، ومما من الله جل وعلا به على هذه الأمة. والسحور يقال: السحور بفتح السين، ويقال: السحور. وأهل اللغة يجعلون الفتح للأكلة. السحور بالفتح للأكلة، أي للأكلة التي يأكلها المتسحر في السحر. والسحور بالضم: فعل السحور، وهو الأكل. أكل الآكل في السحر. كما فرق بين الطهور والطهور، والوضوء والوضوء. فالوضوء بالفتح: للماء المستعمل للوضوء. واستعمال ذلك الماء للوضوء يقال له: وضوء بالضم. كذلك السحر: الأكلة المعدة للتسحر في آخر الليل يقال لها: سحور بالفتح. وأكلها يقال له: سحور بالضم. وكما ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». والحديث متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه. والبركة، كما هو معلوم عند العلماء رحمهم الله تعالى، أنها كثرة الخير الإلهي في الشيء. كثرة الخير الإلهي في الشيء. ففي السحور بركة. وكما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى أن البركة التي تكون بأكلة السحر على قسمين: بركة باعتبار الأجر والثواب الذي يناله المتسحر لامتثاله لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستنان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمخالفته لأهل الكتاب. ولمخالفته لأهل الكتاب ينال الأجر والثواب. وهذا معنى من معاني البركة. ومن معاني البركة أيضا: البركة الحسية. الأولى: البركة المعنوية بالأجر والثواب. والقسم الثاني: البركة الحسية التي يجدها المتسحر بأكلة السحر. يجد من القوة والنشاط والصبر على الصيام ما لا يجده من لا يتسحر. وهذا أمر معلوم. إذن في السحور بركة باعتبارين، ولمعنيين: معنوي وحسي. معنوي باعتبار الأجر والثواب، وحسي باعتبار ما يجده المتسحر من القوة والنشاط. قولهم: ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله، ولو بجرعة ماء؛ بمعنى أن كل ما يصدق عليه بأن إنسانا قام فأكل أدنى أكل، أو شرب أدنى شرب، فإنه يكون بذلك متسحرا، وممتثلا لحث رسول الله صلى الله عليه وسلم على السحور، ولأمره. والسحور، كما هو معلوم، مستحب. لذا ذكرها هنا من قسم المستحبات. قوله: ولو بجرعة ماء. ووقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر. ومعنى هذا أن الوقت الذي يصدق فيه أن يقال في الإنسان أنه تسحر، هو وقت دخول وقت السحر. وقت دخول وقت السحر، وهو بعد منتصف الليل إلى قبيل الفجر. فمن أكل في هذا الوقت، يقال في حقه أنه تسحر. يقال في حقه بأنه تسحر. طيب، قبل أن ننتقل إلى الأمر الآخر، قد يقول قائل: ما الدليل على أن السحور مستحب وليس بواجب؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». والجواب أن الأصل عند العلماء رحمهم الله تعالى أن الأمر للوجوب، إلا أن تدل قرينة على صرفه إلى الاستحباب. وها هنا دلت القرينة على صرفه للاستحباب. ومن القرائن الدالة على هذا الأمر: قرينة منفصلة، وقرينة متصلة. فأما القرينة المنفصلة: فكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل في صيامه. كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل في صيامه. ومعنى يواصل في صيامه: أي يصوم اليوم واليومين والثلاث متواصلة من غير إفطار ولا سحور. وهذا المعنى استدل به الإمام البخاري رحمه الله. وكذا حينما واصل النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه اليوم، وجاء هلال شوال. الشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل، وواصل بأصحابه، فدل على ترك أكلة السحور. فدل على أن تركها ليس بإثم. إذن فعلها يكون مستحبا. هذا أمر. وقرينة أخرى متصلة في هذا الحديث، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». وقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن في السحور بركة»؛ هذا تعليل. وهذا تعليل. ومعنى هذا أن البركة: تسحر لأجل أن في السحور بركة. فمن شاء البركة تسحر، ومن شاء، ومن لم يشأ البركة لا يتسحر. إذن الأمر على التخيير، وعلى الفضل لا على الإلزام. الأمر على التخيير والفضل لا على الإلزام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الحكم بالبركة: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». فهو حكم معلل. بمعنى من شاء أن يأخذ من هذه البركة فليأخذ بها، وهو أفضل. ومن لم يشأ فلا شيء عليه. والله تعالى أعلى وأعلم. الثاني: تأخير السحور؛ لحديث زيد بن ثابت رضي الله عنهم قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة». قلتم: والقائل ها هنا أنس. يعني: كان ينبغي أن يقال: لحديث أنس عن زيد بن ثابت قال: «قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية». خمسين آية؛ أي قدر ما بين أكلة السحر التي أكلها زيد بن ثابت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين الصلاة: قدر خمسين آية. وهذا يدل على وقت قصير. يدل على وقت قصير. لذا استحب العلماء رحمهم الله تعالى تأخير أكلة السحور إلى قبيل الفجر بقليل؛ أي بحيث يبقى معه شيء من الوقت يتجهز فيه لأموره. الثالث: تعجيل الفطر؛ قالوا: فيستحب للصائم تعجيل الفطر متى تحقق غروب الشمس. فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وهذا حديث واضح صريح في هذه المسألة في استحباب تعجيل الفطر. وفيه كذلك من الحكم والفضائل مما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى في استحباب تعجيل الفطر: أولا، أنه يجد أنه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه الأجر والثواب بذلك الامتثال. الأمر الثاني: أن فيه مخالفة لأهل الكتاب؛ لأنهم لا يفطرون حتى تشتبك النجوم. والأمر الثالث: أن فيه تخفيف لهذه الأمة، ورفعا للحرج عنها؛ بأن عجل الله جل وعلا لها الإفطار بعد غروب الشمس. إلى غير ذلك من الحكم المذكورة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»؛ فيه إشارة لطيفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قد يكون أمرا ظاهرا واضحا من أن الخيرية موجودة ما دام الناس يعجلون الإفطار. ومفهومه أن الناس متأخروا الإفطار - كما يفعله الروافض ونحوهم - فإنه لا خيرية في ذلك. لا خيرية في ذلك. والخيرية تدل على ظهور هذه الأمة، وظهور دينها. وفي هذا من المصالح - كما هو واضح - الشيء العظيم. إذن: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». لكن ينبغي أن يتنبه لأمر وهو أن لا يتعجل تعجلا مفطرا؛ بأن يفطر قبل تحقق غروب الشمس. إذا تحقق ذلك عنده، فله أن يفطر. وأما إذا كان في شك، فالأصل بقاء النهار حتى يتيقن خروجه بغروب الشمس. الرابع: الإفطار على رطبات؛ أي من الأمور المستحبة. قالوا: فإن لم يجد، فتمرات. وأن تكون وترا؛ أي التمرات أن تكون وترا. فإن لم يجد، فعلى جرعات من ماء؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات، فعلى تمرات. فإن لم تكن، حسا حسوات من ماء». أي: إن وجد الرطبات أولا، ابتدأ بها. فإن لم يجد، ووجد التمر، أكلها. فإن لم يجد هذا ولا ذاك، شرب ماء، فأفطر به، ثم صلى. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قالوا: فإن لم يجد شيئا، نوى الفطر بقلبه، ويكفيه ذلك. أي: لم يجد لا تمر، ولا ماء، ولا شيئا من ذلك. فكما ذكر هاهنا؛ لأنه لا يستحب الوصال. الخامس: الدعاء عند الفطر؛ أي من الأمور المستحبة: الدعاء عند الفطر، وأثناء الصيام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم». فهؤلاء - كما ترون - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترد دعوتهم». لا ترد دعوتهم. ففيه حث وتحريض من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة على الحرص على هذه الدعوات؛ لعل الله جل وعلا ينفع بها صاحبها في دنياه وأخراه. والحديث - كما ذكر - رواه الإمام الترمذي وغيره، وحسنه العلامة الألباني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: السادس: الإكثار من الصدقة، وتلاوة القرآن، وتفطير الصائمين، وسائر أعمال البر؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل. وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة». أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من حاله أنه كان أجود الناس. وكان أجود ما يكون - أي أشد جودا - في رمضان. ففيه تنبيء وكذلك حث على هذه الخصلة: أن الإنسان إن كان من أهل الجود والخير والكرم في غير رمضان، ففي رمضان يكون أشد وأكثر خيرا، وأكثر جودا، وأكثر نفقة، وأكثر عطاء. وهذا من الخير. ويكون بذلك مؤتسيا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكل بحسبه. كل بحسبه. من كان ذا سعة ينفق بحسب ما عنده. ومن كان دون ذلك فدون ذلك. فلا يحرمن إنسان نفسه من هذا الخير. قال: السابع: الاجتهاد في صلاة الليل، وبالأخص في العشر الأواخر من رمضان؛ فعن عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». قالوا: لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». والحديث متفق عليه عن أبي هريرة. وهو الأول متفق عليه عن عائشة، والذي قبله متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهم جميعا. فمما يستحب في هذا الشهر المبارك أن يجتهد الإنسان في قيامه؛ لما ذكر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، ولما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». فهو من أسباب مغفرة الذنوب. قالوا: الثامن: الاعتمار؛ أي يستحب الاعتمار في شهر رمضان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة». وجاء في بعض الروايات: «حجة معي». حجة معي. والحديث متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما. التاسع: قول: «إني صائم» لمن شتمه؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب. فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم». هذا الأمر كذلك من الأمور المستحبة المندوبة التي ينبغي لأهل الإسلام أن يحرصوا عليها، وأن يراعوها. وهذا يدل على أدب الصائمين في أنفسهم. أن إنسانا لو شتمه إنسان، أو سبه، أو لعنه، أو فعل له شيئا مما يؤذيه بالقول أو الفعل، علمه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: «إني صائم». أو يقول: «إني صائم». يكفي هذا. أي: أني أستطيع أن أردها عليك، بل وبأشد وأقوى. ولكن لامتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتأدب بآداب الصائم، فإني لا أجازيك بها. ولكني أقول: «إني صائم». «إني صائم». وهذا يدل على أدب جم لمن قام به، وعمل به. قال: المسألة الثانية: مكروهات الصيام. قال: يكره في حق الصائم بعض الأمور التي قد تؤدي إلى جرح صومه، ونقص أجره. وهي: واحد، المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ وذلك خشية أن يذهب الماء إلى جوفه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائما». والحديث - كما مر معنا - في كتاب الطهارة، عند أبي داود وغيره، من حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه وأرضاه. ففيه أن الصائم لا يستحب له أن يبالغ في الاستنشاق، بل يكره في حقه ذلك؛ بخلاف غير الصائم، فإنه يستحب له أن يبالغ في الاستنشاق. طيب، ها هنا مسألة - كما يقال - الشيء بالشيء يذكر. إن حصل من بعض الناس أنه بالغ في الاستنشاق، فدخل ما إلى جوفه من غير قصد، فهل يفطر بذلك أم لا؟ الجواب: نستحب ما مر معنا في مفطرات الصوم: أن مفطرات الصوم لا تكون مفطرة إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: العلم. الشرط الثاني: الذكر. الشرط الثالث: العمد. فهذا ليس بمتعمد، فلا يكون بذلك مفطرا. الثاني: القبلة لمن تحرك شهوته؛ أي لمن تحرك شهوته. القبلة. وكان ممن لا يأمن على نفسه؛ فيكره للصائم أن يقبل زوجته أو أمته؛ لأنها قد تؤدي إلى إثارة الشهوة التي تجر إلى فساد الصوم بالإمناء أو الجماع. فإن أمن على نفسه من فساد صومه، فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم. قالت عائشة رضي الله عنها: «وكان أملككم لأربه». أي حاجته. وكذلك عليه تجنب كل ما من شأنه إثارة شهوته وتحريكها؛ كإدامة النظر إلى زوجته أو الأمة، أو التفكر في شأن الجماع؛ لأنه قد يؤدي إلى الإمناء أو الجماع. والأمر - كما ذكرنا هنا - وهذا الأمر - كما ذكر العلماء - أن الناس يتفاوتون فيه باعتبار قوة الشهوة وضعفها. فمن لم يكن إذا قبل امرأته لم يحصل له شيء من الأشياء التي قد تفسد صومه، فلا بأس أن يقبل. ونحن لذلك لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل نساءه. كان يقبل نساءه. لكن عائشة رضي الله عنها وأرضاها نبهت إلى أمر: قالت: «ومن يعني: وأيكم أملككم لأربه؟!» أي: كرسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يضبط نفسه وشهوته. فلأجل هذا المعنى قال العلماء: من كان يستطيع أن يضبط نفسه، فلا شيء عليه. وإن لم يستطع، فلا يقبل. بل يقبل في حقه التقبيل. وكذلك ما ذكر هنا من النظر إلى الزوجة، أو التفكر في أمور الجماع، ونحوها؛ كذلك هذا ينبغي للصائم أن يبتعد عنه، وأن يتنزه عنه؛ لا سيما وهو صائم. لا سيما وهو صائم. الثالث: بلع النخامة؛ لأن ذلك يصل إلى الجوف، ويتقوى به؛ إلى جانب الاستقذار والضرر الذي يحصل من هذا الفعل. أي: من الأمور المكروهة. المكروهة طبعا. وكذلك تكون مكروهة شرعا؛ لما في النخامة - أولا - من القذر. إنسان تخرج النخامة إلى فيه، ثم يردها مرة أخرى إلى جوفه؛ فيه معنى من معاني القذر. فلأجل هذا يكره بلع النخامة. يكره بلع النخامة. لكن من بلعها، هل يفطر أم لا؟ خلاف بين العلماء رحمهم الله. فمنهم من يقول: بأن من بلع النخامة، وصلت إلى فيه، ثم بلعها متعمدا لذلك، فإنه يفطر. ومنهم من يقول: بأنه لا يفطر؛ لأنه خرج من الجوف، فرجع إلى الجوف؛ باعتبار أنه ليس بطعام، ولا شراب. ولا شك ولا ريب أن الأحوط: البعد عن ألا يفعل الإنسان شيئا من ذلك. فإن حصل منه عن عمد، أو عن جهل، فلا يتكرر منه هذا الفعل. فلا يتكرر منه هذا الفعل مرة أخرى؛ بل يخرج ما خرج، ولا يرجعه مرة أخرى؛ لما فيه من معنى الاستقذار. الرابع: ذوق الطعام لغير الحاجة؛ فإن كان محتاجا إلى ذلك - كان يكون طباخا يحتاج لذوق ملحه، وما أشبهه - فلا بأس؛ مع الحذر من وصول شيء من ذلك إلى حلقه. بمعنى أن الإنسان إذا لم يكن له حاجة في طعم الطعام، فيكره في حقه أن يذوق الطعام لغير حاجة. وخرج من ذلك - أي من الكراهة - من كان يذوق الطعام لأي حاجة؛ كان يكون طباخا في مطعم، أو امرأة في بيتها طبخت طعاما، فلا تدري: أعملت الملح أم لا؟ فلا بأس أن تذوق؛ لكن لا تبلع. تذوق، ثم تخرج ما ذاقت. هذا لا بأس به. هذا الأمر لا بأس به. أما فعل الطعام لغير حاجة، فهذا هو المكروه. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.