الدرس في كتاب الصيام 5، ألقاها
ناقش المقطع حكم التقيؤ عمداً أو غير عمد في الصيام، وخلص إلى عدم تأثيره على صحة الصوم. كما تطرق إلى مسألة الحجامة وآثارها على الصيام، مبيناً أن الحكم مرتبط بثبوت الحديث النبوي حولها.
تناول المقطع حكم الحجامة للصائم واختلاف العلماء، حيث ذهب الجمهور إلى أنها لا تفطر، واستدلوا بثبوت احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم. واستحب بعض العلماء أن تكون ليلاً خشية الضعف على الصائم.
ناقش المقطع نواقض الصوم، ومنها التبرع بالدم، وخروج الدم بالجروح، والحيض والنفاس، ونية الفطر، والردة. وأوضح أن بعضها لا يبطل الصوم إذا لم يكن عن عمد، بينما يبطل في حالات أخرى.
المقطع يشير إلى خاتمة الحديث بإظهار تعظيم الله والإقرار بعلمه الأعلى، متبعًا ذلك بتسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه.
الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، مضى معنا فيما مضى الكلام على بعض الأعذار المبيحة للفطر، وكذا على بعض مفطرات الصائم. فمواصلة لما تقدم معنا فيما مضى، قالوا: الثالث، أي من مفطرات الصوم، الثالث التقيؤ عمداً، وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم عمداً. أما إذا غلبه القيء وخرج منه بغير اختياره، فلا يؤثر في صيامه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض». وهذه مسألة كذلك من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي: من تقيأ فأخرج ما في معدته من طعام أو شراب، هل يكون بذلك قد أفطر؟ من أهل العلم من ذهب إلى أن القيء مفطر من مفطرات الصوم، ومن أهل العلم من ذهب إلى التفريق والتفصيل بين من تعمد القيء وبين من غلبه القيء، أي بين من تقيأ عمداً وبين من خرج منه القيء من غير عمد. فحكم على أن من تعمد القيء بأنه يكون بذلك قد أفطر، وأن من لم يكن قد تعمد ذلك، وإنما غلبه القيء، فالتقيؤ بأنه لا يكون مفطراً بذلك، استدلالاً بحديث أبي هريرة المذكور هنا. والعلماء رحمهم الله تعالى متنازعون في ثبوت حديث أبي هريرة؛ فمن أهل العلم من يحكم على حديث أبي هريرة بأنه ثابت، وعلى القول بأنه ثابت يكون الحكم فيه واضحاً لهذه المسألة. وعلى القول الآخر، وهو الصحيح، وأن الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما نبه على ذلك طائفة من الحفاظ كالإمام أحمد والإمام البخاري، وطائفة من الحفاظ رحمهم الله تعالى، حكموا على هذا الحديث بأنه ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وإذا كان الأمر كذلك، رجعت المسألة إلى أصلها، وما هو أصلها؟ الأصل أن الصائم باق على صيامه، إلا أن يفعل شيئاً من المفطرات التي دل الدليل على أنها من المفطرات. وإذا لم يثبت - كما سمعتم - الحديث المذكور، إذا لا دليل على القول بأن من قاء عمداً أو غير عمد بأنه يكون مفطراً. وهذا هو القول الصحيح في المسألة؛ لعدم ثبوت حديث أو دليل على القول بأن من تقيأ عمداً أو كارهاً بأنه يكون مفطراً. والحديث المذكور - كما سمعتم - الصحيح فيه بأنه لا يصح. والله تعالى أعلى وأعلم. لذا جاء عن طائفة من الصحابة، جاء عن أبي هريرة نفسه، جاء عن أبي هريرة - وهو راوي هذا الحديث - أنه قال: «إنما الإفطار مما دخل، لا مما خرج». يقول أبو هريرة، وهو راوي هذا الحديث، جاء عنه رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «إنما الفطر أو الإفطار مما دخل، لا مما خرج». وكذلك جاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه، وعن طائفة آخرين من السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله. والأمر كما قالوا: وأن العبرة في الإفطار بدخول الطعام لا بخروجه، وبدخول الشراب لا بخروجه. وإذا علم هذا، ننبه ها هنا على مسألة، وهي: أن من تقيأ إما عمداً وإما غير عمد، فالواجب حقه أن لا يرجع شيئاً إذا خرج شيء من الطعام إلى فيه، أو شيء من الماء إلى فيه، سواء كان عمداً أو غير عمد، لا يجوز له أن يرجع شيئاً إلى جوفه. فإن فعل ذلك متعمداً أفطر؛ لأنه يكون بذلك أدخل طعاماً أو شراباً متعمداً، فيكون بذلك الفعل قد أفطر. وها هنا كذلك يأتي تنبيه آخر، ومسألة يسأل الناس عنها بكثرة، وهي: أن بعض الناس ربما يخرج منهم شيء من القلس، أو شيء من الطعام، لكن لا يخرج خروجا كاملا، أن يبقى في الحلق، في الحنجرة - كما يقال - ثم يرجع، ثم يرجع. فالحكم ها هنا على ماذا؟ الجواب: أنه إذا وصل إلى الفم، فالواجب إخراجه. فإذا ابتلعه بعد وصوله إلى الفم، فإنه قد أفطر. أما إذا كان في الحلق ولم يخرج إلى الفم، ورجع إلى الجوف، فلا شيء عليه في ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. الرابع، قالوا: الحجامة، وهي إخراج الدم من الجلد دون العروق، فمتى احتجم الصائم، فقد أفسد صومه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم». قالوا: وكذا يفسد صوم الحاجم أيضاً، إلا إذا حجمه بالآلات، إلا إذا حجمه بآلات منفصلة، ولم يحتج إلى مص، فإنه - والله أعلم - لا يفطر. طيب، أولا الكلام كذلك على هذه المسألة مبناه كذلك على ثبوت هذا الحديث. وهذا الحديث كذلك مما تنازع الحفاظ رحمهم الله تعالى في ثبوته؛ فمن أهل العلم من يحكم على الحديث بأنه لا يصح. وبعض أهل العلم كلامهم ينصب على بعض طرقه لا على جميعها. وإلا فإن الحديث - كما ذكر بعض الحفاظ - أنه روي أو رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر نفساً. رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر نفساً؛ لذا حكم بعض العلماء رحمهم الله تعالى على الحديث بأنه حديث متواتر؛ لأنه جاء عن عدد كبير وكثير من الصحابة، وهكذا تتابع الناس في نقله. والقول في صحته هو القول الصواب - والله أعلى وأعلم - أن الحديث صحيح. بقي الكلام في الحكم والعمل بمقتضى هذا الحديث. والعلماء رحمهم الله تعالى - جملة - من حيث العمل بهذا الحديث على قسمين: منهم من يعمل به، ومنهم من لا يعمل به، يحكم عليه بأنه منسوخ. والذين يقولون بأنه محكم وأنه يعمل به، لهم في ذلك مسلكان، أو قل لهم في ذلك قولان: منهم من يقول بأن الحاجم والمحجوم يفطران، ومنهم من يقول بأن المحجوم هو الذي يفطر أو يفطر دون الحاجم. وأما على القول الثاني، وهو الصحيح، وهو قول الجمهور من أهل العلم، قالوا: بأن الحديث المذكور بأنه حديث، وإن كان صحيحاً، إلا أنه منسوخ. واستدل على نسخه بأمور كثيرة، منها ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم». وكذلك جاء في صحيح البخاري: «أن أنس بن مالك سئل: أكنتم تكرهون الحجامة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، لكن نكرهه أو قال: لا، لكن لأجل الضعف»، أي: إنما نترك الحجامة لأجل الضعف، أي نخشى على أنفسنا من أن نضعف، أن نضعف فلا نواصل في الصيام. وجاء كذلك في هذا المعنى حديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كره لأمته الحجامة والوصال؛ إبقاء عليهم». وهذه الأدلة - بمجموعها أو قل بأفرادها - تدل على أن الأمر المحكم الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وبقى عليه أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم هذا الأمر؛ لذا ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهم، وهو من أشد الصحابة متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يحتجم في رمضان، كان يحتجم وهو صائم، ثم ترك الحجامة في النهار، وجعل يحتجم في الليل. وكذا ثبت عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تحتجم وهي صائمة. وجاء كذلك عن سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وكذلك طائفة آخرين من الصحابة. وكذلك جاء عن أم علقى ما قالت: «كنا نحتجم عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها ونحن صيام، وهي تنظر، فلا تنكر ذلك». فهذا يدلنا على أن الأمر كان على أن الحجامة ليست من مفطرات الصيام؛ لا باعتبار الحاجم، ولا باعتبار المحجوم. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، الذي عليه جماهير من أهل العلم. لكن هاهنا كذلك تنبيه، وهو: أن بعض العلماء، بل قد ثبت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كأبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك جاء معناه فيما تقدم ذكره عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: أنهم كانوا يكرهون أو كانوا يتركون الحجامة في النهار خشية الضعف؛ لذا - كما سمعتم - استحب بعض العلماء أن تكون الحجامة بالنسبة للصائم ليلاً. وقد ثبت هذا الفعل عن أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يحتجم في الليل. وكذلك - كما سمعتم - كان آخر أمر ابن عمر أنه كان يحتجم بالليل؛ لماذا؟ إبقاء على قوته في الصيام. وهذا فيه كذلك إلماحة وإشارة إلى أن الحاجم لا يضرهم الحجامة، إنما الخوف على المحجوم؛ فالأفضل أن تكون الحجامة ليلاً. ومن فعلها نهاراً وكان قويا وكان قويا لا يتأثر بالحجامة، فلا بأس. لكن إن كان يتأثر بالحجامة، فالليل أفضل. بل قد يكون واجباً إن كان يعلم من حاله أنه لا يستطيع الصوم مع الحجامة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما لا يتم ترك الواجب إلا بتركه فتركه واجب. قال: وفي معنى الحجامة إخراج الدم بالفصد. ومعنى الفصد - كما ذكر في الحاشية - شق العرق وإخراجه من أجل التبرع به، أي التبرع بالدم. هل يجوز للصائم أن يتبرع بالدم؟ وكذلك مثلا هل يجوز للصائم أن يفحص دمه وهو صائم؟ الجواب هو الجواب في الحجامة: بأنه إن قوي على ذلك وأنه لا يؤثر على صيامه، فعل. وإن كان يؤثر على صيامه، أجل وأخر إلى الليل. لكن ها هناك تنبيه، وهو: أن إنسان قد يكون محتاجاً إلى دمه، وليس ثم دم إلا هذا الرجل أو هذا الشخص، الفصيلة التي يبحث عنها غير موجودة، وإذا لم يخرج الدم في هذا الوقت ربما مات من يراد التبرع له بسبب عدم وجود الدم، فهل له أن يتبرع وإن ضعف؟ الجواب: له ذلك؛ لعمومات الأدلة، منها قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وهذا كذلك حال رجل وجد إنساناً غريقاً في البحر، يستطيع أن يخرجه، لكن بمشقة ربما لا يستطيع معها الصيام، فهل يتركه يموت أم أنه يخرجه وإن اضطر إلى الإفطار؟ الجواب: أنه يخرجه. وكذلك إن اضطر للإفطار بسبب المشقة العظيمة التي حصلت له، التي معها لا يستطيع الصيام، له أن يفطر ويقضي مكان ذلك اليوم يوماً آخر. والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: أما خروج الدم بالجرح أو قلع الضرس أو الرعاف، فلا يضر؛ لأنه ليس بحجامة ولا في معناها. وأيضا للقاعدة المذكورة سابقاً من أن المفطرات من شرطها أن تكون عن علم، أن تكون بعمد وذكر. وهذا لم يكن عن عمد، لم يكن عن عمد، وإنما حصل ما حصل من خروج الدم من غير عمد؛ فلو كان مفطراً لم يكن بذلك الأمر قد فطر؛ لماذا؟ لأنه ليس عن عمد. فكيف والأمر ليس كذلك؟ إذن خروج الدم بالجروح، إنسان فيه جروح برجله، بيده، برأسه، خرج منه الدم، ليس عليه في ذلك شيء، يواصل صوم إن قوي على ذلك. أو كذلك قال: عض أصبعيه فخرج منه الدم، أو كذلك حصله رعاف فخرج منه الدم، فلا شيء عليه في ذلك إن قدر على مواصلة ذلك الصوم. والله أعلم. الخامس: خروج دم الحيض، أو خروج دمي الحيض والنفاس، فمتى رأت المرأة دم الحيض أو النفاس أفطرت، ووجب عليها القضاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المرأة: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟». وهذه المسألة قد تكررت معنا مراراً، وهي: أن المرأة الحائض والنفساء لا يجوز لهما أن تصوما حال كونهما حيض أو كونها نفاساً، وأنه يجب عليها الإفطار، ويجب عليها القضاء بعد ذلك، بعد أن تقدر على القضاء في أثناء طهرها. السادس: نية الفطر، قالوا: فمن نوى الفطر قبل وقت الإفطار وهو صائم، بطل صومه وإن لم يتناول مفطراً؛ فإن النية أحد ركني الصيام، فإذا نقضها قاصدا الفطر ومتعمدا له، انتقض صيامه. وهذا الأمر هو كما قيل، لكن يحتاج إلى مزيد توضيح، وهو: أن المعتبر بالنيات التي تنتقض معها الأعمال هي ما يسميها العلماء النية التي بمعنى العزيمة، العزيمة على فعل الشيء، لا مجرد الخواطر، لا مجرد الخواطر وما يحصل في النفس من حديث؛ لأن حديث النفس والخواطر وما شابه ذلك مرفوع عن هذه الأمة. قال نبينا صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين - من حديث أبي هريرة: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم». ما حصل من حديث النفس هذا متجاوز عنه. يعني: إنسان يقول: سأفطر في نفسه، لا، لا تفطر. سأفطر ما سأفطر، يحدث نفسه، حديث نفسه، هل يكون بذلك مفطراً؟ الجواب: لا. لكن إن عزم على الفطر، عزم على الفطر، ذهب وصب الماء عالما عامدا ذاكرا، وأراد أن يشرب مثلا، منعه مانع من الماء، أخذ الماء قال: اتق الله، لا يجوز لك أن تفطر. على هذه الصورة يكون قد أفطر؛ لأنه قد أفسد صومه بنقض نية الصوم؛ لأنه قد حصل له من العزيمة على الإفطار، وما منعه من الإفطار إلا مانع. فهذا هو الذي يحمل عليه هذا المعنى: ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «القاتل والمقتول في النار». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»، أي: ما منعه من قتل صاحبه إلا الموت. ما منعه من قتل صاحبه إلا الموت؛ فصار القاتل والمقتول شريكين في الإثم. فكذلك من عزم عزيمة تامة مقارنة للفعل على الإفطار، فمنعه منع، يكون بذلك مفطراً، ويكون ممن أفطر متعمداً يوماً من أيام شهر رمضان. وهذا يحتاج من إنسان أن ينتبه إلى هذا الأمر، وأن يحضر من هذا الأمر. قالوا: السابع: الردة، لمنافاتها للعبادة، ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. الردة - كما ذكر رحمه الله - إن كان الإنسان في أثناء صومه فحصل منه ردة والعياذ بالله، إزد سب الله ورسوله، أو سب الله أو رسوله، أو دينه، أو استهزأ بشيء من ذلك، أو فعل ناقضاً من نواقض الإيمان، يكون بذلك كافراً مرتداً. وإذا كان كافراً مرتداً حبط عمله بذلك؛ فلا يصح منه الصوم. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.