الدرس في كتاب الصيام 3، ألقاها
المسافر في رمضان له الخيار بين الصيام والإفطار، حيث إن السفر رخصة تبيح الإفطار دون تحديد مدة معينة شرعاً. النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بجواز الصيام والإفطار عندما سئل عن صيام المسافر.
الجمهور يرى أن السفر المباح يبيح الفطر، بينما يرى بعض العلماء أن سفر المعصية يبيح الترخص. صيام المسافر جائز لكن الفطر أفضل إذا شق عليه الصوم.
الحائض والنفساء يجب عليهما الفطر وقضاء الأيام فيما بعد، بينما يجوز للحامل والمرضع الفطر إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما مع القضاء والإطعام في بعض الحالات.
الأعذار المبيحة للفطر تشمل السفر والمرض والحيض والنفاس والخوف من الهلاك كما في حالة الحامل والمرضع، وتتيح هذه الأعذار لمن كان في مثل هذه الحالات الإفطار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يصوم المسافر؟ قال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». وفيه دلالة على أن الصوم جائز في السفر، لكن إن صام على أن الثابت عذر مبيح للإفطار، لكن إن صام المسافر صح صومه؛ لأنه يكون بذلك أخذ بالعزيمة، والسفر رخصة يترخص بها المسافر في مسألة الصوم، أي له أن يصوم وله أن يفطر، فإن أفطر فقد أخذ بالرخصة، وإن صام فقد أخذ بالعزيمة، والكل صحيح وجائز. قال: وقدم إلى مكة صائما في رمضان، فلما بلغ الكديد أفطر. والكديد مكان قرب مكة، أفطر وأفطر الناس. وهذا فيه دلالة على جواز الإفطار للصائم وأنه إن صام صح صومه. ويباح الفطر بالسفر الصعب الذي يباح فيه قصر صلاة السفر، وهو ما يقدر بثمانية وأربعين ميلا، أي حوالي ثمانين كيلومترا. والصحيح أن السفر ليس له مدة محدودة؛ لأن الشرع لم يحددها بحد، بل أطلقها. والقاعدة عند العلماء في مثل هذا أن ما أطلقه الشرع يحد بالعرف. وهنا يقال: العادة محكمة، أي تكون هي المحكمة في ذلك الأمر. وإذا كان كذلك، فيرجع في مسألة السفر من عدمه إلى عرف الناس، فما تعارف الناس عليه بأنه سفر فإنه يكون سفرا، طالت المدة أم قصرت. قالوا: والسفر المبيح للفطر في رمضان هو السفر المباح، فإن كان سفر معصية أو سفرا يراد به التحايل على الفطر لم يبح له الفطر بهذا السفر. وهذه المسألة أيضا قد تقدمت بالنسبة لنا في أبواب صلاة السفر. ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن السفر المباح هو الذي يجوز فيه العمل بأحكام السفر. وأما سفر المعصية فإنه لا يشرع فيه شيء من أحكام السفر. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان إذا كان مسافرا وإن كان في سفر معصية فإنه يترخص بأحكام السفر لعمومات الأدلة في ذلك. قالوا: وإن صام المسافر صح صومه وأجزأه؛ لحديث أنس رضي الله عنه: «كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم». والحديث متفق عليه. ولكن بشرط أن لا يشق عليه الصوم في السفر، فإن شق عليه أو أضر به فالفطر في حقه أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في السفر رجلا صائما قد ظلل عليه من شدة الحر وتجمع الناس حوله، فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس البر الصيام في السفر». المسافر يشرع له الصيام في السفر، لكن هل الأفضل في حقه الصوم أو الإفطار؟ العلماء ذكروا أقوالا: منهم من استحب الصوم، ومنهم من استحب الإفطار، ومنهم من قال: هو مخير بين هذا وذاك. ومن أهل العلم من قال: إن أفضلهما أيسرهما. الثالث: الحيض والنفاس، فالمرأة التي أتاها الحيض أو النفاس تفطر في رمضان وجوبا، ويحرم عليها الصوم، ولو صامت لم يصح منها؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟ فذلك من نقصان دينها». ويجب عليها القضاء؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك -أي الحيض- فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». بمعنى أن الحائض يجب عليها شرعا أن تفطر، ويجب عليها بعد ذلك إن طهرت من حيضها أو نفاسها أن تقضي مكان الأيام التي أفطرت فيها بسبب الحيض. الرابع: الحامل والمرضع، فالمرأة إذا كانت حاملا أو مرضعا وخافت على نفسها أو ولدها بسبب الصوم جاز لها الفطر؛ لما رواه أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحبلى والمرضع الصوم». وتقضي الحامل والمرضع مكان الأيام التي أفطرتاها، وذلك إن خافتا على نفسيهما. فإن خافت الحامل مع ذلك على جنينها أو المرضع على رضيعها أطعمت مع القضاء عن كل يوم مسكينا؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا». الخلاصة: أن الأسباب المبيحة للفطر أربعة: السفر، والمرض، والحيض والنفاس، والخوف من الهلاك كما في الحامل والمرضع. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.