الدرس في كتاب الصيام 2، ألقاها
يثبت دخول شهر رمضان برؤية الهلال أو بشهادة مسلم عدل أو إتمام شعبان ثلاثين يوما، كما يثبت انقضاؤه برؤية هلال شوال أو إكمال رمضان ثلاثين يوما. رؤية الهلال تثبت بشهادة عدل واحد.
يجب نية الصيام قبل الفجر، ولا تجزئ نية الصيام الواجب في النهار. من لم يعلم بدخول رمضان إلا في النهار، فيمسك بقية اليوم ويقضيه بعد رمضان.
يباح الفطر للمريض الذي يرجى برؤه والكبير، فيجب على المريض قضاء الأيام التي أفطرها، بينما يلزم الكبير أو المريض الذي لا يرجى برؤه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره. مقدار الإطعام نصف صاع من قوت البلد.
يصح صوم المريض حتى مع وجود المشقة، حيث إن الإفطار رخصة له ويمكنه الصوم. صحة الصوم لا تتوقف على عدم وجود مشقة، بل يمكن أن يكون صحيحا معها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. المسألة السادسة من الباب الأول في كتاب الصيام من الفقه الميسر. قالوا: المسألة السادسة: ثبوت دخول شهر رمضان وانقضائه، أي: بماذا يثبت دخول شهر رمضان؟ وبماذا يثبت كذلك انقضاء شهر رمضان؟ قالوا: يثبت دخول شهر رمضان برؤية الهلال بنفسه أو بشهادة غيره على رؤيته أو إخباره بذلك. فإذا شهد مسلم عدل برؤية هلال رمضان ثبت بهذه الشهادة دخول شهر رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا». والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم برؤية رمضان فصامه وأمر الناس بصيامه». قالوا: فإن لم ير الهلال أو لم يشهد مسلم عدل برؤيته، وجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما. ولا يثبت دخول الشهر بغير هذين الأمرين: رؤية الهلال أو إتمام شعبان ثلاثين يوما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». ويثبت انقضاء رمضان برؤية هلال شهر شوال بشهادة مسلمين عدلين. فإن لم يشهد مسلمان عدلان برؤية الهلال، وجب إكمال عدة رمضان ثلاثين يوما. إذن، يثبت دخول شهر رمضان بأمرين: الأمر الأول برؤية الهلال، أي: برؤية هلال شهر رمضان. والأمر الثاني بإكمال شهر شعبان ثلاثين يوما. فإذا أكملنا عدة شعبان ثلاثين يوما بعدم رؤية الهلال، فبعد ذلك يجب على أهل الإسلام الصيام. بقي مسألة: رؤية الهلال، بماذا يثبت رؤية الهلال الصحيحة كما ذكرها هنا؟ عندنا أن الهلال ورؤية الهلال يثبت بشهادة عدل واحد من أهل الإسلام. بمعنى أن إنسانا من أهل الإسلام ممن قد عرف بالعدالة إذا رأى الهلال وشهد على ذلك، فإنه يدخل به شهر رمضان. ولكن ينبغي أن يتحرى في ذلك، وأن ينظر إلى جانب العدالة أهل الخبرة ممن عندهم معرفة بمسألة الأهلة ونحوها، أي: ممن قد عرفوا بالرؤية الصحيحة للهلال. والدليل على أنه يثبت برؤية الواحد العدل ما جاء في حديث ابن عمر أنه رأى الهلال فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر الناس وأمر الناس بصيام شهر رمضان. الأمر الثاني كما ذكر: أن تكمل عدة شعبان، وهذا في حالة عدم الرؤية، إما لعدم رؤية الهلال لكون الجو صحو، أو مع وجود الغمام. بمعنى أنه إذا وجد غمام أو غبار كثيف بحيث أن الرؤية تكون بعيدة ومتنعة، فها هنا تكمل عدة شعبان ثلاثين، وبعد ذلك يصومون. فإن ظهر بعد ذلك أنهم أفطروا في يوم قد دخل فيه شهر رمضان، لكن أفطروا بسبب الغيم أو الغبار الشديد، فماذا يصنعون؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنهم يقضون يوما مكان ذلك اليوم الذي أفطروا فيه خطأ. والرؤية كما ذكر هي المعتبرة. فإن لم يكن، فتكملة العدة. بقي بماذا يثبت كذلك خروج شهر رمضان؟ يثبت خروج شهر رمضان على الصحيح من أقوال أهل العلم شهادة رجلين؛ لأن الأصل في الشهادة أنها تكون من اثنين. فاستثني هذا الحكم في دخول شهر رمضان، وبقي الحكم على ما هو عليه في خروج شهر رمضان. بمعنى أن شهر رمضان يخرج إما برؤية عدلين للهلال، أي: يرون هلال شوال. فإن غم عليهم، فماذا يصنعون؟ ها هنا كذلك يكمل العدة، أي: يكمل عدة رمضان ثلاثين يوما. إذن، الرؤية كذلك في خروج شهر رمضان تكون بأمرين: الأمر الأول برؤية عدلين للهلال، والأمر الثاني تكون بإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما في حال عدم رؤية الهلال، أي: هلال شهر شوال. هذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة. والله أعلى وأعلم. المسألة السابعة: قالوا: وقت النية في الصوم وحكمها. قالوا: يجب على الصائم أن ينوي الصيام، وهي ركن من أركانه كما مضى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وينويها من الليل في الصيام الواجب كصوم رمضان والكفارة والقضاء والنذر، ولو قبل الفجر بدقيقة واحدة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له». والحديث كما ذكر في التخريج رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. بقي ها هنا مسألة: وهي من لم يعلم بدخول شهر رمضان إلا في منتصف النهار، فماذا يصنع؟ هل يفطر أم يمسك ويكمل صيام ذلك اليوم؟ أقوال لأهل العلم في المسألة. فمن أهل العلم من قال بأنه يفطر؛ لأنه لم يبيت النية لصيام من الليل. ومنهم من قال: بل يمسك ويتم الصوم، ولكن ذلك الصوم في ذلك اليوم غير معتبر، فيجب عليه قضاء يوم آخر مكان ذلك اليوم. والأقرب لما جاء في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأرضاه في الصحيح حينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في نهار يوم عاشوراء بأن يصوموا. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مناديا أن من كان صائما فليتم صومه، ومن أصبح مفطرا فليمسك وليصم. فيه دلالة على أن من لم يكن يعلم بدخول شهر رمضان ثم علما في منتصف النهار، بأنه ينوي من ذلك الوقت ويصوم ويتم صومه. قالوا: فمن نوى صوما في النهار ولم يطعم شيئا لم يجزئه في صيام الواجب. قالوا: فيجوز بنية من النهار إذا لم يطعم شيئا من أكل أو شرب؛ لحديث عائشة رضي الله عنها. قالوا: أما صيام الواجب فلا ينعقد بنية من النهار، ولا بد فيه من نية الليل. والصحيح من أقوال أهل العلم في مسألة النافلة كذلك في الصيام: أن حكمها كحكم الفرض؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له». وهذا من ألفاظ العموم. والأصل في العموم أن يبقى على عمومه إلا أن يدل دليل على استثناء أو على تخصيص. قال: وتكفي نية واحدة في بداية رمضان لجميع الشهر، ويستحب تجديدها في كل يوم؛ لأن شهر رمضان كالشيء الواحد. لأن أهل الإسلام إذا دخل رمضان عزموا على صيامه أجمع. فهل يشترط من المسلم أن يجدد النية في كل ليلة؟ الجواب: أن من تصور حقيقة النية ومعنى النية علم أن هذا الأمر كما يقال واقع؛ لأن النية محلها القلب. الباب الثاني في الأعذار المبيحة للفطر ومفطرات الصائم، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: الأعذار المبيحة للفطر في رمضان. يباح الفطر في رمضان لأحد الأعذار التالية: الأول المرض والكبر. فيجوز للمريض الذي يرجى برؤه الفطر، فإذا برئ وجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. والمرض الذي يرخص معه في الفطر هو المرض الذي يشق على المريض الصيام بسببه. ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المعتبر في المرض: المرض الشاق والمرض الذي إذا صام الإنسان معه تضرر، إما في الحال وإما في المآل. قالوا: فإن لم يكن كذلك، فلا بأس بالصيام، أو يجب عليه الصوم؛ بمعنى أنه إذا كان به مرض ولكنه من الأمراض التي يصوم معها لا يتضرر، قالوا: فيجب عليه الصوم. وأما المريض الذي لا يرجى برؤه أو العاجز عن الصيام عجزا مستمرا كالكبير، فإنه يفطر، ولا يجب عليه القضاء، وإنما تلزمه فدية بأن يطعم عن كل يوم مسكينا. لأن الله عز وجل جعل الإطعام معادلا لصيام حين كان التخيير بينهما في أول ما فرض الصيام، فتعين أن يكون بدلا عنه عند العذر. فيطعم العاجز عن الصيام عجزا لا يرجى زواله بمرض كان أو كبر، عن كل يوم مسكينا نصف صاع من بر أو تمر أو أرز أو نحوها من قوت البلد. ومقدار الصاع كيلوان وربع تقريبا. وهذا على تقدير بعض العلماء. وتقدير بعض العلماء أنه بمقدار ثلاثة كيلو. وعلى هذا فتوى اللجنة الدائمة. فيكون طعام عن كل يوم كيلو جرام ومئة وخمسة وعشرين جراما تقريبا. أن يكونوا يوميا بدلا من الصيام إخراج أو إطعام هذا النوع من الطعام وهذا المقدار. وذهب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم وطائفة من المحققين من العلماء إلى أن العبرة بالإطعام هو إطعام مسكينا كإطعام كفارة اليمين. قال: هذا وإن صام المريض صح صيامه وأجزأه. يعني: المريض كما مر معنا أنه من أصحاب الأعذار له أن يفطر، لكن إن صام وهو مريض، هل يصح منه ذلك الصوم أم لا؟ قلنا: الصحيح أنه يصح منه ذلك الصوم؛ لأن الإفطار للمريض رخصة له أن يأخذ بها، فإن لم يأخذ بها وأخذ بالعزيمة فصام مع وجود مشقة، فصيامه صحيح. والله تعالى أعلى وأعلم.