أهمية الدعوة إلى الله

المحاضرة بعنوان أهمية الدعوة إلى الله، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثانية والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الاثنين 5 ذو القعدة 1445هـ الموافق 13 مايو 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية الدعوة إلى الله تعالى

يُبرز أهمية الدعوة إلى الله في الإسلام من خلال جهود النبي محمد وأصحابه، ويشير إلى أن الدعوة تشمل مختلف الفئات. يُبين أن الدعوة ليست مقتصرة على فئة معينة بل هي مسؤولية جميع المسلمين.

نماذج من القرآن والسنة في الدعوة إلى الله

يُظهر المقطع أهمية الدعوة إلى الله والتبليغ لدين الله من خلال نماذج من القرآن والسنة، ويبين عظيم أجر الدعوة وثواب الداعين. يُشدد على أهمية نشر العلم الشرعي وتعليم الآخرين.

فضل الدعوة إلى الله ونشر العلم الشرعي

يُحث على تعليم الآخرين ولو آية واحدة من القرآن، ويُبين فضل ذلك والأجر الكبير الذي يعود على الداعية والمعلم. يُظهر أن الدعوة إلى الله ليست مقتصرة على فئة معينة.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية والاستقامة، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يُظهر أهمية الدعاء والصلاة على النبي في ختام الكلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، ونحن في هذه الدورة المباركة، وقد تم تخصيص هذا المقام في جعل نصائح وتوجيهات مما يعود نفعها للمتكلم والسامع والقاصي والداني والصغير والكبير والذكر والأنثى، فإن مما أحب أن أتكلم به أن أذكر ما كان عليه الناس في جاهليتهم، الجهل وما كانوا فيه من شرك وضلال وانحلال وانحراف. كان القوي يغلب الضعيف، والغني يستولي على مال الفقير، ما كان هناك دين يجمعهم، ولا شريعة تردعهم، بل كانت شريعة الغاب هي التي تحكمهم. فلا يزال الناس كذلك حتى بعث الله إليهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، يعرفون نسبه وأصله وفصله، يعرفون أدبه وخلقه، يرون مدخله ومخرجه. بعثه الله جل وعلا لحياة الأفراد والمجتمعات بما حباه الله جل وعلا به من الوحي والآيات البينة. وكان من عظيم الأولويات التي جاء بها نبينا عليه الصلاة والسلام الحرص على دعوة الناس إلى الخير ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. داعية أعظم مهمة أرسله الله جل وعلا به نبي، فأخذ نبينا على عاتقه هم الدعوة إلى الدين وإلى الله وإلى الشريعة، فقام بهذا المقام خير قيام، ما ترك سهلا ولا جبلا ولا هضبة ولا حيا ولا وادي إلا وقام فيه صارخا: «يا قوم أعبدوا الله، ما لكم من إله غيره». ولأجل تبليغ دين الله لاقى نبينا صلى الله عليه وسلم الأذى، ولاقى من وراء ذلكم التعب، تكالب الكفار عليه بأنواع الأذى، فذاك يسبه، وذاك يشتمه، وذاك يخنقه، وذاك يأخذ بتلابيب ثوبه ويجره، وآخر يضع سل الجزور على ظهره، صلوات ربي وسلامه عليه. ومع عظيم هذا الأذى الذي تلقاه نبينا صلى الله عليه وسلم من قومه، كان الله جل وعلا ينزل على نبيه الآيات القاضية بتبليغ دين الله والدعوة إلى الله جل وعلا: «أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن». قال ربنا: «فلذلك فادع واستقم كما أمرت». يأمره ربنا بمواصلة هذا المشوار في قرع هذا المضمار، مضمار الدعوة إلى الله والتبليغ لدينه، فلا كلل ولا ملل. ثم جاء أصحابه من بعده رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، كل من اعتنق دين الإسلام وجد أن من أولويات هذا الدين أنك تدعو إليه. ما كان أحد يفكر في خاصة نفسه، ما كان الصحابة إذا أسلم أحدهم جلس في زوايا بيته وانشغل بخاصة أمره ونفسه، لا، بل كان من أول ما يأتي به بعد إسلامه أن ينتدب لمقام الدعوة إلى الله جل وعلا. هذا أبو بكر الصديق، صديق الأمة، منذ أن دخل الإسلام وقد استقل ما حباه الله له من الوجاهة والمكانة والمنزلة عند قومه، استغل هذا في دعوة الناس إلى الإسلام، فأسلم على يده الكثير من الصحابة. وهكذا قل في حق عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان من الأثرياء وكان من التجار وكان من أرباب الأموال، فلما دخل الإسلام استغل ماله في بذله في سبيل الله ودعوة الناس إلى الله وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا غيره، هذا الطفيل بن عمرو الدوسي، والذي كان يخبر عن نفسه أنه كان كارهًا لرسول الله حتى أنه كان يضع الشيء في أذنه حتى لا يسمع دعوة الرسول، لكن أبى الله إلا أن يدخل في قلب هذا الإسلام، فأسلم، فكان مما قاله: «يا رسول الله، إني رجل مطاع في قومي، وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام». أول مهمة يجعلها المسلم متما أسلم يضع نصب عينيه الدعوة إلى الله والتبليغ لدين الله. وهكذا إخواني في الله، المقام يطول بذكر أمثلة ونماذج الصحابة في تفانيهم في الدعوة والتبليغ لدين الله جل وعلا. وينبغي أن نعلم أن هذا المضمار ما كان خاصا بفئة الرجال، بل حتى النساء، نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهن، كن على هذا المنوال من استغلال ما يمكن استغلاله في الدعوة إلى الله في حد المشروع. تأمل إلى أم سليم، مسلمة مؤمنة صحابية جليلة، تقدم إليها أبو طلحة وهو كافر مشرك حينها، تقدم إليها، فانظر يا عبد الله إلى حس الدعوي عند هذه المرأة الصالحة، فاستغلت هذه المسألة والذي نعتبرها مسألة اجتماعية بحتة، لكنها جعلتها دعوة، فقالت: «يا أبا طلحة، إن مثلك لا يرد، لكني امرأة مسلمة وأنت مشرك، لو أسلمت فإن هذا مهري منك». مهر أسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه، بفضل هذه المرأة الصالحة عندما جعلت من همومها هم الدعوة إلى الله جل وعلا. وهذا الباب إخواني في الله كذلكم اتسعت مداركه، اتسعت مجالاته، الكل يطرقه أن يكون داعية يدعو إلى من يدعو إلى خالقه يدعو إلى رازقه. ولهذا تكالبت العوالم على هذا المضمار، فهاهم الجن، ههم الجن الذين حكى الله جل وعلا عنهم في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾. جلسة واحدة اعتنقوا بها الإسلام، ما هي إلا فترة وصلوا إلى قومهم دعاة، يا قومنا أجيبوا داعي الله. فقد كانت هذه العوالم إخواني في الله تهتم أي اهتمام بالجانب الدعوي. لا نذهب بعيدا، ولا يتمالكنا العجب إذا علمنا كذلكم أن هذا الهم حتى بلغ إلى الحيوانات. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» في مسند أبي سعيد الخدري أن رجلا كان يرعى غنما له، فإذا بذئب يأخذ بشيء من أغنامه وفر وهرب الذئب بهذه الفريسة، فإذا بالراعي يجري، أراد أن يلحق بالذئب ويسترجع الغنم، فلما علم الذئب أنه مدرك لا محالة وأن هذا الراعي سيتعبه في ملاحقته، ماذا فعل الذئب؟ وقف واستدار واتجه إلى جهة الراعي وجلس على ذنبه ثم تكلم وقال: «يا أيها الراعي، اتق الله، أتنزع مني رزقا ساقه الله إلي؟». تخيل أنت الآن في هذا الموقف، تمشي تجد حيوانا يتكلم معك، تستغرب هذا واقع، هذا في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». فانبهر الراعي وحق له أن ينبهر، قال: «وعجبا وعجبا وعجبا، ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس». فقال له هذا الذئب: «أو ما ألا أنبئك بما هو أعجب من ذلك؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأخبار ما قد سبق». فذهب الراعي وأخذ أغنامه وتوجه إلى رسول الله وأسلم. وهكذا قصة عبد الله بن مسعود في أمر تلكم النملة التي جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا، عندما رأت نملة ما كان من مرور سليمان عليه السلام بجيشه العرمرم، جيش لا يعلم بهم إلا الله، من الرجال ومن الجن ومن الحيوانات والطيور، كلهم جوع سليمان، لكنها ما تفكرت بأمثال هؤلاء، فكرت في ماذا؟ في الذي سيحل على بني جنسها، لأنهم سيمرون على وادي من النمل وسيطؤون النمل وسيبيدون هذا الوادي. فما كان من أمر النملة إلا أنها لما علمت بالخطر المحدق ببني جلدها قامت منذرة: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون». هذه دعوة، دعوة إلى من نخاف عليهم من قومنا وأصحابنا. إذا رأينا الأخطار تحدق بهم لا يكون حالنا كما يقول القائل: كحال النعامة التي تدس رأسها داخل التراب بحجة أنها ما ترى شيئا. الناصح المشفق لأمته إذا رأى الخطر أول ما يشتغل بهم قبل أن يشتغل بنفسه، قبل أن يفر ويهرب وينجو من الفتن والمضلات، يفكر كذلك بقومه: «يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا أَنْتُمْ بِدْخُلُونَ أَوَّلًا، أَنَا بَعْدَكُمْ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ». فتبسم سليمان من أمرها، قال: «علم وجه التبسم من سليمان لأمر النملة لما رأى من فطنتها وكيف أنها حرصت على قومها قبل أن تعرض على نفسها». الشاهد إخواني في الله من هذه النماذج ومن هذه المقدمة أن أشير إلى أهمية الدعوة إلى الله والتبليغ لدين الله، وكيف أن هذه العوالم بدءا برسول الله عليه الصلاة والسلام ومرورا بالصحابة من الرجال والنساء ومرورا بعالم الجن وعالم الكائنات والحيوانات والحشرات، كيف أن الجميع كان من أعظم ما ينبغي أن يقدمه لغيره أن يقدم الدعوة والتبليغ لدين الله جل وعلا. ولهذا إخواني في الله كانت الدعوة إلى الله من أجل الطاعات ومن أعظم القربات. وتأمل يا عبد الله إلى عظيم ومن أعظم الشرف الذي جعله الله سبحانه وتعالى لكل داعية، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾. ومن أحسن الجواب ما هناك أحسن منه، ما هناك أحسن منه من هذا الصنف ممن دعا إلى الله. هذا خليفة الله كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «هذا ولي الله، هذا حبيب الله». وذلك لعظيم شرف ما أعطاه الله من السيادة. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقد جعل الله جل وعلا لهذه الأمة المحمدية وسام شرف الدعوة إلى الله، وسام شرف لهذه الأمة المحمدية، قال ربنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فالدعوة إلى الله يا عبد الله من أعظم الطاعات وأجل القربات، لكن للأسف إخواني في الله، لعظيمي هذه المقام العظيم ولكثرة الأجور، أجور عظيمة، أتدري أن من أجر الداعية إلى الله أنه يتحصل على أجر كل من دعا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئا». كم عسى الذي اتبعوك من خلال دعوتك، من خلال تعليمك، من خلال إرشادك؟ كثر، إذن أبشر يا عبد الله بكثير الخير، لأن ما من خير، ما من فضل دللت عليه دعوة له إلا وأجر يأتيك إلى يوم القيامة وأنت في قبرك. لكن كما قلنا إخواني في الله، مع هذا الفضل العظيم نجد العزوف عن الدعوة، الكثير منا يعزف عن الدعوة، يحاول أن لا يخوض فيها ولا يحمل لها راية، مع أن الله عز وجل قد انتدب جميع المسلمين، كل مسلم هو مدعو بأن يكون داعيا يدعو إلى الله. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فدل ذلك إخواني في الله على أن المسلم والمسلم ينبغي أن يتخذ مضمار الدعوة طريقا يتقرب به إلى ربه سبحانه وتعالى. ومما أشير إليه في باب الدعوة: لا تظن يا عبد الله أن الدعوة كما يتخيلها بعض الناس في مجال ضيق، عبارة عن طاولة، عبارة عن ميكروفون، عبارة عن دروس خاصة، هذا جانب من جوانب الدعوة. هذا جانب من جوانب الدعوة، الدعوة يا عبد الله أن تدل الناس على الخير، هذه دعوة في مسجدك وفي غير مسجدك، هذه دعوة. ولا يحتاج إلى أن تدعو إلى أن تكون متمكنا من العلم الشرعي، عندك من العلوم، عندك من الفهم، هذا لا يحتاج يا عبد الله. قال عليه الصلاة والسلام: «بلغ عني ولو آية». بلغ يا عبد الله ولو آية، عندك قدرة بلغها. قال عليه الصلاة والسلام: «نضر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، نضر الله وجهه». دعاء من نبيك صلى الله عليه وسلم يدعو لك بنضارة الوجه بالحسن بالبهاء. متى ما ذهبت إلى نشر علمه ولو حديث واحد، ما يحتاج يا عبد الله أنك تحوز على العلوم، طبعا كلما كثر العلم كلما كثر الفضل، لكن ابدأ بالأقل كما يقال: جد بالموجود. جد يا عبد الله بالموجود، بالذي معك، ولو مقالة تتحصل فيها على دعوة نبيك عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، مع الأسف مما يؤسفنا ما نراه من عزوف كثير من الناس عن الدعوة إلى الله، كذلكم يقابلهم مما يحز في النفس ما نرى من إقبال أعداء الدين على الدعوة لباطلهم، هم في باطل، ذاك في إلحاد، ذاك في زندقة، ذاك في كفر، ذاك في شرك، ذاك في بدع وفي ضلال، ومع ذلك يشتغل ليل نهار في دعوة الناس إلى ماذا؟ إلى ضلاله. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾. يدعون لكن إلى النار. وقال عليه الصلاة والسلام واصفا هؤلاء: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». فوصفهم ربنا جل وعلا بأنهم أئمة لكنهم إلى الضلال، وهم دعاة لكنهم إلى الضلال، وهم على باطل، وهم على باطل. الواحد منهم يتجند كما قال ربنا جل وعلا حاكيا عن أهل النار وهم يشتكون من كبرائهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا﴾. قال المفسرون: أي أن مكركم بالليل وأن مكركم بالنهار. إذن الكفار على مدى 24 ساعة وهم يخططون وهم يكيدون وهم ينظمون في ماذا؟ يخططون في محاربة الدين وأهله، في الدعوة إلى الإلحاد والزندقة والكفر. بل مكر الليل والنهار، أي باستمرار. ولهذا تجد أن الكافر لربما بذل الأموال وبذل الأعمار في سبيل باطله. إخواني في الله، إذا كان هذا في حق المبطل، فما ظنك في حق المحق؟ يا من حباك الله بالإسلام، يا من حباك الله بالدين القويم والصراط المستقيم، ألا تدعو الناس إليه؟ أدع يا عبد الله، أدع، كن داعية. كن داعية يا عبد الله كما سمعت، كن داعية يا عبد الله في بيتك داعية، في عملك داعية، في مدرستك داعية، في البحر داعية، في البر داعية، عند زملائك داعية. أدع يا عبد الله إلى الخير، أدع الناس بما تعرف من دين الله، ادعهم يا عبد الله إلى الصلاح، إلى الصلاة، ادعهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حذرهم من الشرك ومن الكفر، علمهم. فإذا كان هذا إخواني في الله الخطاب لحالي كل الناس، فما ظنكم بالذي حباه الله بالعلم؟ فالأمر أعظم وأعظم وأشد. فيا طالب العلم، إذا حباك الله جل وعلا بهذه المعلومات وبهذا العلم، لا تبخل، بل أنفقها، فإن العلم كما قال القائل: «يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كففت». العلم كلما أعطيت بارك الله لك في علمك. بل إن لعظيم ما تبلغ به من العلم يا عبد الله تنال الفضل العظيم. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النمل في جحرها وحتى الحيتان في الماء ليصلون على معلم الناس الخير». علم الناس يا عبد الله، دع عنك الحياء، هذا ليس بحياء، هذا خجل، الخجل مذموم والحياء محمود. علم صفة الصلاة، علم صفة الوضوء، علم القواعد الأربع، علم التوحيد والعقيدة، علم يا عبد الله، علم أهلك، علم أقرب الناس إليك، علم وأنت في مسجدك وأنت في محلك وأنت في أي مكان، علم، لو آية من القرآن. قال عليه الصلاة والسلام: «من علم آية من كتاب الله فله أجرها ما تليت». يا سبحان الله، عدد يا عبد الله من علم آية تجد هذا القرآن بكامله. ما تقدر على تعليم المصحف؟ علم آية: «الحمد لله رب العالمين»، علم الأطفال هذا، جمع مجموعة من أطفال، علمهم من فاتحة القرآن، كم علم الآيات؟ سبع آيات. تعلمهم من علم آية من كتاب الله فله أجرها ما تليت، ما دام هذا الشخص أخذها من ثمك ولا زال يرددها في صلاته في قيامه في ذكره في ورده، على كل حال أتيك الأجر وأنت في قبرك. هذا في حق من علم آية، ما ظنك بخمس آيات؟ ما ظنك تعلم سورة؟ ما ظنك تعلم جزءا؟ ما ظنك تعلم أجزاء؟ هذا لمن؟ شخص واحد. ما ظنك لو أنك تعلم حلقة فيها خمسة عشر؟ كم وكم وكم ستنال من الأجور؟ علم يا عبد الله، علم غيرك الوضوء، تعلم صفة الوضوء، تعلم العقيدة الصحيحة. إخواني في الله، مقام التعليم والدعوة إلى الله عظيم جدا. قال عليه الصلاة والسلام: «من غدا إلى المسجد لا يريد بذلك إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه، كان كأجر حاج تاما حجته». رواه الطبراني من حديث أبي أمامة، ويحسنه العلامة الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب». فالحاصل إخواني في الله، فإن مقام الدعوة إلى الله والتبليغ لدين الله من المقامات العظيمة العزيزة. فينبغي لمن حباه الله شيئا من الخير ولو قل، كما قلنا، ولو مقالة، ولو آية، فإنك يا عبد الله إن قمت بتعليمها لغيرك، فإن الله سبحانه وتعالى يجري لك من الخير الكثير ما الله به عليم. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلكم والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.