شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 46

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 46

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التوثيق الضمني لرواة الصحيحين بمجرد الإخراج في الأصول

يكتسب الرواة الذين أخرجهما البخاري ومسلم في أصول صحيحيهما توثيقاً ضمنياً يرفع الجهالة عنهم، ما لم يطعن فيهم، مستنداً إلى سكوت العلماء على أحاديثهم كدليل قبول. ويؤكد ابن حجر أن مجرد إخراج البخاري أو مسلم للراوي يعد توثيقاً له، مع التفريق بين من يُحتج به ومن يُذكر للاستشهاد فقط.

تمييز خطأ الراوي عن خطأ راويه وطرق كشف الوهم

يوضح المقطع كيف يميز علماء الحديث بين خطأ الراوي نفسه وخطأ من روى عنه، مبيناً أن كثرة الرواة عن شخص تسهل كشف مصدر الوهم بينما قلتها تصعب ذلك. ويضرب مثال زهير بن محمد التميمي الذي ضعفه أبو حاتم لكثرة المناكير، بينما برأه البخاري وأحمد ونسبا المناكير إلى رواة الشام أو راوٍ مشتبه.

خاتمة الدرس والإشارة إلى ترجمة نانسي قنقر

أشار المتحدث إلى أن مسألة الأصول والشواهد قد سبق تناولها، ثم أعلن الاكتفاء بهذا القدر وختم بالبسملة. كما ذكر أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، طيب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرواة الذين احتج بهم صاحبا الصحيحين أو أحدهما يكتسبون التوثيق الضمني بذلك، وترتفع عنهم به الجهالة، وإن لم يصرح أحد على توثيقهم. أن الرواة الذين احتج بهما صاحبا الصحيحين أو أحدهما، أولا: إذا ذكروهما في الأصول فإنه يحتج بهم؛ لأنهم اشترطوا الصحيح، واشتراطهم من الحديث الصحيح يدل على أنهم يخرجون لرجال ثقات. هذا إذا لم يطعن في هذا الراوي، وإنما إذا كان لم يوثق معنا مجهولا، فإدخال صاحبا الصحيحين له في الأصول يدل على أنه ثقة. قال: ويوضح ذلك ما يلوح من قول الحافظ الذهبي بعد نقله لقول ابن القطان في حفظ ابن بغيل: «لا يعرف له حال، ولا يعرف». قال ابن القطان: يقول الحافظ الذهبي: «يتكلم ابن القطان في كل من لم يقل فيه معاصر ذلك الرجل، أو أخذ عن من عاصره ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير». هذا شيء أنا يقول: كأنه شيء غلو؛ لأن هذا الباب سيجهل كثير من الناس. وهذا الذي كان ينتهجه ابن القطان، ابن القطان الفاسم صاحب ابن حزم، فهذا صاحب كتاب «الوهم والإيهام»، فهو يجهل كثيرا من الناس. أنا تجد أنه دائما يجهل، ولهذا يضعف كثيرا من الحديث في كتابه «الوهم والإيهام» بسبب جهالة أو ما يعتاد جهالة أولئك الرواة. قال: وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد، ولا هم بمجاهيل. قال: وقوله بعد نقله لقول ابن القطان في مالك بن الخير: «هو ممن لم تثبت عدالته». قال: يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة، وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم. قال: فقد أراد الحافظ الذهبي الاحتجاج على ابن القطان بمن في الصحيحين من أولئك الرواة، وصرح بحصول توثيقهم بذلك في قوله: «الثقة من وثقه كثير ولم يضعف، ودونه من لم يوثق ولا ضعف، فإن خرج حديث هذا في الصحيحين فهو موثق بذلك». فهذا ذكره في «الموقظة»، وأثبت أن هذا يعتبر توثيقا، توثيقا ضمنيا. مثل برد بن سنان، برد بن سنان لم يوثقه أحد، لكنه أخرج له البخاري، فيعتبر أن حديثه صحيح، وأنه ثقة بإخراج البخاري له. ولهذا مشى العلماء على أن من أخرج له في الصحيح في الأصول فإنه يحتج به. وما الدليل على ذلك؟ سكوت العلماء على حديثه، سكوت العلماء على حديثه. لو كان لا يعدل ولا يوثق لانتقد العلماء حديثه، لانتقد العلماء حديثه. أما من مثلا طعن في عدالته أو في حفظه، مثلا، فهذا شيء آخر. فهذا الذي يطعن في عدالته ويخرج له الصحيح، هذا يحتاج إلى نظر: لماذا أخرج له البخاري مثلا؟ هل هو في الشواهد؟ هل في الأصول؟ إذا أخرج له في الأصول، ما مقصوده في إخراجه؟ هل هو انتقى من حديثه؟ فينظر. غالبا تجد مثل هؤلاء الذين يخرج لهم البخاري خاصة، تجد أنهم ليسوا... ليس حديثهم ضعيف على الإطلاق، وإنما غالبا حديثهم فيها بعض المناكير، قد تكون منهم، وقد تكون من غيرهم. لكن أحيانا ما يكتشف هذا، فلهذا تجد مثل هؤلاء يقول فيهم الحافظ: «صدوق يخطئ أو يهم»، فتحصل له أوهام. لكن هل الأوهام منه أو من غيره؟ هذا أحيانا ما يكتشف، وأحيانا يكتشف العلماء أن الوهم ليس منه، أن هذه الأوهام ليست منه. أحيانا مثلا يقولون: «عنده أوهام، لكن الظاهر أنها ليست منه»، أي من الراوي عنه، من الراوي الذي روى عنه وهم في هذا الحديث. فخاصة الذين لا يكثرون في الحديث يصعب كشف أمرهم، بخلاف الذين يكثرون في الحديث، هؤلاء يسهل أمرهم؛ لأنه يروي عنه كثير، فيأخذ من رواية هذا وهذا، فيعرف هل الوهم منه أو من غيره. كما ذكرنا قبل أن يحيى بن معين رحمه الله جاء إلى عفان، لمسلم الصفار، وقال له: «فاعطيني حديث حماد بن سلمة أكتبه». فقال: «وهل كتبته عن غيري؟» قال: «نعم، عن ثلاثة عشر». قال: «قد كتبته عن ثلاثة عشر ثم تريد أن تكتبه أيضا؟ لا أعطيك». فقال: «إنما هي دراهم، وأن حذر إلى التبوذك». فقال: «اذهب». فذهب إلى أبي سلمة التبوذكي، وقال له: «أريد حديث حماد بن سلمة أكتبه عنك». فقال: «وهل كتبت عن غيري؟» قال: «نعم، كتبت عن ثلاثة عشر». قال: «ولما قال: إذا رأيت أصحاب حماد بن سلمة توافقوا على الخطأ فأعرف أنه من حماد، وإذا اختلفوا أعرف أنه منهم». أنا الآن بهذا يعرف. وهذا وجه الشاهد: أنه إذا كان الرجل أو هذا الراوي له رواة كثيرون، يعرف هل الخطأ منه أو من غيره. لكن المشكلة إذا كان الراوي ليس له إلا راو واحد أو راويان، فحديثه قليل، فهذا صعب أن يعرف وجهة حديثه. أحيانا يكون ليس منه، وإنما من الراوي عنه يخطئ في حديثه. لكن كما قلنا: الذين يعرفون وحديثهم كثير، يعرفهم العلماء. أحيانا يحصل مثلاً مثل زهير بن محمد التميمي، الخرساني المكي. فهذا زهير بن محمد أخطأ في روايته، الشاب الله أعلم هل رووا عن زهير بن محمد آخر وظنوه هذا، كما قال الإمام أحمد: «الظاهر أنه رجل آخر، ليس هو الخرساني». وهكذا قال البخاري. لكن الإمام أبو حاتم ضعفه لكثرة المناكير في حديثه، فقال: «إنه منكر الحديث»، لكثرة المناكير في حديثه. لكن هل هذه المناكير منه أو من غيره؟ البخاري وأحمد بينوا أنه من غيره، من أهل الشام هم الذين أدخلوا هذه المناكير في حديثه. وقد يكون كما قلنا أنه ليس هو أصلاً. أنا مثل ما حصل أيضاً لأهل الكوفة، أنهم رووا عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، وهو ليس هو، وإنما آخر، وإن كان شامياً يسمى بعبد الرحمن بن يزيد، فظنوه هذا المشهور، فرووا عنه على أنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فظهرت المناكير في حديثه. فلهذا فمثل هذه الأشياء، كما قلنا: إذا كان الرجل مشهوراً بالعلم ويروي عنه الناس، فمثل هذا يعرف حديثه، ويعرف الوهم هل هو منه أو من غيره. وأما إذا كان مقل الحديث، فهذا غالباً لا يعرف. فلهذا أحياناً يجعلون النكارة في حديثه، فيقولون: «له مناكير»، أو «يهم»، أو «يخطئ». وأحياناً يجعلون الأمر أن الأصل فيه العدالة، يقولون: «الأصل فيه أنه صدوق». قال قول الحافظ ابن حجر: «فأما الجهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج له في الصحيحين، لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفاً بالعدالة، فمن زعم أن أحداً منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف». أن هؤلاء الذين جاءوا بعد، فمن يقول مثلاً: «إن هذا مجهول»، فهذا خطأ. ولهذا بعضهم شنع على الشيخ مقبل، وهي مفتعلة، مع أن التشنيع مفتعل. الشيخ مقبل رحمه الله راجع رسالة «قرة العينين في تخريج جزء رفع اليدين» أو «جزء رفع اليدين» للإمام البخاري. فكان أحد الجزائريين، فظهر الجزائري، وهم كذا، فأخرج البخاري لرجل، فقال هذا الجزائري: «مجهول عين». قال: «مجهول عين». فهذا خطأ. ما معناه مجهول عين؟ كيف يخرج له البخاري وهو مجهول عين؟ هذا ما يمكن، على أقل شيء أن يكون مجهول حال، أما مجهول عين وقد أخرج له البخاري فهذا خطأ. لكن لو كان في الصحيح سيكون الخطأ أعظم. مثل هؤلاء الذين يخرج لهم البخاري، فإذا لم نرى توثيق لأحد، فإنه يوثق بسبب أنه أخرج له البخاري أو مسلم. وكما قلنا: السبب هو أنه لو كان مجهولا لا يقبل حديثه، لرد العلماء، لرد العلماء؛ لأن البخاري ومسلم قد خُدما، وقد أجمع الناس العلماء على جلالتهما، وأيضا جلالة ما فيهما. قالوا: «لا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته، لما مع المثبت من زيادة العلم». ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهال عليه أصلا. فهذا نص من الحافظ رحمه الله. لهذا السبب الذي ذكرناه، فإنه لا يقال أن هذا مجهول وقد أخرج له البخاري. فيه الوصول، لأن إخراج البخاري أو مسلم لهذا الرجل توثيقا له، لأنه ما اشترطا الصحيح، لأنه ما اشترطا الصحيح. أما إذا كان في شواهد، فهذا نقول: إنهم ذكروا في الشواهد إما متابعة، وإما حديث له شواهد، قد أخرجه البخاري بعدة أسانيد، أو مسلم أخرجه بعدة أسانيد، وهو في أحد هذه الأسانيد هذا الرجل، فهذا لا يرفعه. لماذا؟ لأنه ذكره استشهادا، ولم يذكره احتجاجا. لكن الأمر هنا إذا ذكره احتجاجا. وقد تقدم معنا مسألة الأصول والشواهد. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا. والله تعالى أعلى وأعلم. ترجمة نانسي قنقر.