الدرس في كتاب الصلاة 133، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في تحديد مدة إقامة المسافر التي يعتبر بعدها مقيمًا، حيث تباينت الآراء بين الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد. يعتبر المسافر مقيمًا بناءً على نية الإقامة لمدة معينة وفقًا للمذهب الفقهي المتبع.
هناك خلاف بين العلماء حول تحديد مدة القصر في السفر، حيث يرى الجمهور حدًا للقصر بينما يرى شيخ الإسلام ابن تيمية استمرار القصر ما لم ينوِ المسافر الاستيطان. تُبيّن آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسألة.
يتناول المقطع تأثير نية الإقامة على قصر الصلاة، حيث يستعرض آراء الفقهاء المختلفة حول متى يجب على المسافر قصر الصلاة أو إتمامها، ويوضح الراجح من هذه الآراء.
يختتم المقطع الحديث حول المسألة المطروحة بتلخيص ما تمت مناقشته، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مشيرًا إلى نهاية البحث في هذه المسألة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج صار مقيمًا عند الشافعي ومالك. وقال أبو حنيفة: إذا قام خمسة عشر يومًا. وقال أحمد: إن نوى إقامة يصلي فيها أكثر من عشرين صلاة أتم. وبعض العلماء يقول: معناه ذكر ابن قدامة أن أحمد قال: إحدى وعشرون صلاة. إحدى وعشرون صلاة. منهم من يقول: تسعة عشر صلاة. جاءت رواية عن أحمد: تسعة عشر صلاة. والمراد أنه بعد أربعة أيام يصلي صلاة متم، صلاة مقيم. إذا بعد أربعة أيام. وهذه المسألة معناها صورة المسألة، وهي: متى يسمى المسافر مقيمًا إذا جلس في بلد؟ متى يسمى مقيمًا؟ يعني يسمى مقيمًا حتى يتم صلاته. فعند الشافعي ومالك أنه ثلاثة أيام. فعند ثلاثة أيام كاملة، إذا أراد أن يجلس اليوم الرابع يتم. إذا أراد أن يجلس يومًا رابعًا يتم. أما إذا كان سيجلس ثلاثة أيام فإنه يقصر، يعتبر مسافرًا عنده. واستدل بما نهى النبي عليه الصلاة والسلام المهاجر أن يجلس في بلد هجرته -البلد التي هاجر منها- أن يجلس فوق ثلاثة أيام. لا يجلس له أن يجلس المهاجر فوق ثلاثة أيام في البلد التي هاجر منها. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام من هاجر من مكة أن يجلس فيها أكثر من ثلاثة أيام. فلهذا أخذ الشافعي ومالك من هذا أن من جلس أكثر من ثلاثة أيام فهو مقيم. وهذا ليس في محله. وأيضًا أن أحمد رحمه الله زاد يومًا رابعًا، قال: أربعة أيام. وحددها بالصلاة، معناه: إذا صلى أكثر من عشرين صلاة. معناه صلى إحدى وعشرون صلاة. فهذه الحالة التي صلى بعد العشرين فإنها يتم فيها. معناه عشرون صلاة: معناه أربع أيام، كل يوم وليلة خمسة فروض، هذه تعتبر عشرون صلاة: أربعة أيام. فإذا جلس أكثر من عشرين صلاة -يصلي أكثر من عشرين صلاة- تم عشرون صلاة، فأراد أن يصلي بعد ذلك أيضًا أكثر فإنه يتم. والمراد أنه إن كان سيجلس أربعة أيام أو أكثر من أربعة أيام فإنه يتم من أول يوم يدخل هذه البلاد. وإن كان سيجلس أربعة أيام أو أقل فإنه يصلي صلاة مسافر، أي يقصر الصلاة ويجمع. وتجد أن هذه المسائل ليست فيها دلالة واضحة. وجاء عن السلف أيضًا استنباط في هذا. فمنهم من كان يقيم عشرين يومًا ثم يتم، كما هو قول ابن عباس. ابن عباس لما ذكر إقامة النبي عليه الصلاة والسلام في تبوك قال: أقام في تبوك عشرين يومًا. قال ابن عباس: ونحن إذا أقمنا عشرين يومًا قصرنا، وإذا زدنا أتممنا. وإذا زدنا أتممنا. وهو قول أيضًا إسحاق بن راهويه. اختارا أن يكون عشرين يومًا. وأيضًا هذا ليس في دلالة صريحة. هذا الحديث ليس في دلالة صريحة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاء تبوك لأجل الحرب، فجلس في تبوك منتظر الروم، لكنهم لم يأتوا، فجلس يقصر عشرين يومًا، ثم بعد ذلك خرج. فهذا حكم حكم المتردد؛ لأنه لا يدري متى يخرج من ذلك المكان. والمتردد على قول جمهور العلماء، وقول الشافعي كذلك في الجديد: أنه يقصر متى ولو كان سنوات، ما دام أنه متردد ما يدري متى يخرج من تلك البلد، فإنه يصلي ويقصر ولو سنوات. قصر أنس سنتين في أذربيجان، وابن عمر كذلك قصر أربعة أشهر في الشام، وهكذا. فهذا القصر هل مراد أنهم جلوس ومقيمون في تلك البلاد؟ أم أن هناك مانع منعهم؟ فمثلًا أنس يقال: أنه أنس جلس في الشام ستة أشهر يقصر. ابن عمر: العكس، ابن عمر في أذربيجان يقول: أنه منعه الثلج، أنه منعه الثلج فجلس في تلك البلاد. والله أعلم. فكما قلنا: أن الأدلة في هذه المسألة ليست صريحة وليست واضحة. ولم يحدد النبي عليه الصلاة والسلام مدة يقصر فيها الشخص، فما زاد فإنه يتم. ليس هناك دليل صريح على هذه المسألة. ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة بالذات أنها أن الشخص إما أن يكون مستوطنًا في مكان أو مسافرًا، فليس هناك قسم ثالث. أن الجمهور يرون أن ارتحال الإنسان هو على ثلاثة: إما أنه مسافر، أو مقيم، أو مستوطن مستوطن في مكان وطن، أو أنه إنسان يأتي ويقيم في ذلك المكان، أو أنه مسافر. فشيخ الإسلام يقول: لم يأت في لغة العرب ولا أيضًا كذلك في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من أقام في بلد معين فترة معينة يسمى مقيمًا. وإنما يقولون مسافر ما لم يستوطن، ما لم ينوِ الجلوس في هذه المنطقة استيطانًا، وإلا فيعتبرونه غريبًا، يعتبرونه مسافرًا أو غريبًا حتى يرتحل. فلهذا قال شيخ الإسلام: أنه من جاء إلى بلد لا يريد الإقامة فيها أو الاستيطان فيها فإنه يقصر ما بدا له حتى يخرج منها. وأيد هذا القول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عليه. لكن هذا مخالف لما جاء عن السلف، مخالف لقول الأئمة. فإنهم حددوا، لكن التحديد هذا اختلف فيه. وأكثر التحديد هو ما جاء عن ابن عباس. وأولى الأقوال أن يؤخذ قول الصحابة رضي الله عنهم. أما ما جاء عن ابن عمر، وعن أنس، وعن غيرهم، فإنه لا يستطاع أن يجزم به: هل هو معناه هل فعلوا ذلك لأجل إقامتهم في تلك البلاد؟ أو أنهم أعدوا أنفسهم مسافرين؟ أو أنهم لأجل التردد ما يدرون متى يخرجون؛ لأنهم جاءوا لمهمة؟ جاءوا لمهمة؟ فلهذا فهم يقصرون حتى يخرجوا. وهذا لا خلاف بين أهل العلم في ذلك، إلا ما جاء في رواية عن الشافعي أنه يتم. وإلا المذهب مشهور عند الشافعي أيضًا أنه يقصر ما دام أنه مترددًا. فلهذا يقال: أن أفضل الأقوال وأحوط الأقوال هو قول ابن عباس، وهو قول إسحاق بن راهويه أيضًا، على أنه عشرون يومًا. فإن كان يعلم أنه سيجلس أكثر من عشرين يومًا فإنه يتم من أول يوم. وهذه مسألة ينبغي أن ينتبه لها؛ لأن بعض الناس لما يسمع عشرين يومًا أو يسمع أربعة أيام مثلًا يقول: مذهب الشافعي: ثلاثة أيام. بعد الثلاثة أيام يتم. فيقوم ما يشاء يفعل. يقصر أول يوم، ثاني يوم، ثالث يوم يقصر. رابع يوم يتم. هذا ليس صحيح. لكن إن كان ناويًا -على قول الشافعي أو قول أحمد- بعد أربعة أيام، أو على قول أبي حنيفة بعد خمسة عشر يومًا، المراد أنه إن كان سيجلس هذه الفترة فإنه يتم من أول يوم. وإن كان لا يدري هل سيجلس هذه الأيام أو لا يجلس فإنه يقصر. فإنه يقصر ما كان جالسًا في ذلك المكان حتى يتم أو حتى يجمع إقامة. مثلًا الذين يذهبون إلى مصر للعلاج، فهؤلاء غالبًا ما يدري كم سيجلس، لكن أحيانًا يحدد له الطبيب يقول له: المراجع بعد سبعين أو بعد شهر. يعطيه مثلًا دواء ويقول له: المراجع بعد شهر. الآن أصبح يعرف أنه سيجلس في ذلك المكان شهرًا كاملًا. فهنا ما أصبح مترددًا، عرف أنه سيجلس شهرًا أولًا. فمثل هذا يتم من أول يوم. يقول له الطبيب: أنت ستجلس شهرًا. ممكن الأيام الأولى التي جاء فيها ما يدري كيف خبره، لعله مثلًا يعطيه دواء ويذهب، أو لعله يعمل له عملية ويذهب. فالأيام الأولى ممكن يقصر. لكن إن جمع إقامة فإنه قاعد يتم بعد جمعه الإقامة. وخلاصة هذه المسألة كما قلنا: أن من جلس في مكان أو سيجلس في مكان عشرين يومًا فإنه يتم من أول يوم. وإن كان لا يدري هل سيجلس هذه الفترة أو أقل فإنه يقصر حتى يجمع إقامة، حتى يجمع إقامة أو يسافر. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة. والله تعالى أعلم.