الدرس في شرح كتاب التوحيد 161، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش المقطع الأول الخلاف بين العلماء حول تعلم منازل القمر، حيث اختلفوا بين المنع والجواز بناءً على استخدام هذا العلم في التأثير المحرم أو التسيير المباح. يوضح أن الخلاف يدور حول مسألتين رئيسيتين.
يشرح المقطع الثاني مفهوم سد الذرائع في الفقه الإسلامي، وهو منع الأمور المباحة إذا كانت تؤدي إلى مآلات غير مرغوبة، مع تقديم أمثلة على تطبيقات هذا المبدأ في مختلف المجالات.
يتناول المقطع الثالث أحكام تعلم علم النجوم، حيث يميز بين تعلم النجوم للاهتداء ومعرفة الأوقات وهو جائز، وتعلمها لمعرفة التأثير والغيب وهو محرم، مع عرض آراء العلماء في هذا الشأن.
يلخص المقطع الرابع آراء العلماء حول تعلم منازل القمر، حيث يرى البعض كراهته بينما يراه آخرون جائزًا إذا استخدم في التسيير والاهتداء، ويخلص إلى جواز الاستفادة منه في معرفة الأوقات والجهات.
إن الحمد لله، نحمد الله ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة وهو ينقل لنا الخلاف الحاصل بين أهل العلم في مسألة تعلم منازل القمر، إذ أنه في هذا الباب، والذي بواب عليه بقوله: «باب ما جاء في التنجيم»، أي ما يتعلق بتعلم علم النجوم. فذكر الخلاف الحاصل في مسألة منازل القمر، فذكر أن قتادة رحمه الله كره ذلك، والكراهة عند المتقدمين بمعنى التحريم، فهو يحرم تعلم منازل القمر، وهكذا ابن عيينة رحمه الله، وهو سفيان، لم يرخص في تعلم منازل القمر، بينما أجازه أحمد وإسحاق. والأصل أن منازل القمر هو علم من العلوم، خلاصته أن أهل الفلك يرون أن منازل القمر يقوم على ثمانية وعشرين نجمًا، أربعة عشر منها شمالية وأربعة عشر منها جنوبية، هكذا يقسمونها، فإذا سقطت الشمس في النجوم الشمالية كان ذلك إشارة إلى دخول وقت الصيف والحر، وإذا سقطت الشمس في النجوم الجنوبية كان ذلك إشارة إلى دخول وقت البرد والشتاء. هذا خلاصة ما يتعلق بمنازل القمر، فكيف نحمل كلام العلماء الخلاف الحاصل بينهم؟ فمن أهل العلم من يرى أن هذا الخلاف ما هناك خلاف حقيقي، لأن كل حكم ينتقل إلى مسألة معينة، فمن منع من منع التعلم لشيء من منازل القمر وعلم النجوم إنما حمل ذلك على الأمور المحرمة، وقد أشرنا إلى ذلك، وهو ما يسمى بعلم التأثير، من يتعلم من منازل القمر ما يرى أنها تؤثر في حياة الناس خيرًا وشرًا. قالوا: فمن نراه أو سمعنا من أهل العلم يحرم تعلم منازل القمر يحمل على هذا المحمل، على أنه يحرم ما يكون من تعلم علم النجوم ما فيه التأثير. قالوا: وإذا رأينا أو سمعنا من بعض أهل العلم من يجوز، من يرخص في جواز تعلم منازل القمر، هذا يدخل في علم التسيير، في علم التسيير، وهو أن النجوم بحركاتها تعين على معرفة الجهات، وأن يكون علامات، هذا ليس فيه شيء. فهذا وجه صحيح، وهذا وجه يمكن أن تجتمع الأقوال، فمن حرم التعلم على محمل، ومن أجاز التعلم يحمل على محمل معنى آخر، وبهذا لا تناقض ولا اختلاف بين أهل العلم. وهذا الوجه الذي أكثر العلماء يسيرون على هذا، يرون أن أقوال العلماء ما هناك تناقض، فمن أجاز تعلم منازل القمر الذي فيه منفعة، والذي منع تعلم منازل القمر الذي فيه مفسدة عقدية، هذا قول، وقول آخر. من أقوال أهل العلم من يرى أن الذي منع تعلم منازل القمر فإنما حرم ذلك ومنع من باب سد الذرائع، من باب سد الذرائع، يعني الذي نقل عن قتادة رحمه الله تعالى ذكر له منازل القمر أن هذه نجوم صيفية، نجوم شتائية، هنا برد، هنا صيف، قال: لا، أغلقوا هذا الباب، أغلقوه تمامًا، مع أنه جائز. هذا القول الثاني هو جائز، هو جائز بعموم الأدلة، لكنه منع وكره ذلك من باب الكراهة، جاءت مما يسميه العلماء والفقهاء بسد الذرائع. وسد الذرائع باب شرعي وله أدلة شرعية كثيرة، وهي قاعدة صحيحة، وهو أن الإنسان لربما عالم أو مفتي، لربما يلجأ إلى إغلاق باب من الأبواب لعظيم الشر فيه. والأدلة من الشرع تدل على ذلك، مثلًا ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إني نهيتكم عن زيارة القبور»، في بداية الإسلام، زيارة القبور ممنوعة، حاول العلماء أن يعلموا لما من حكمة من منع زيارة القبور في بداية الإسلام، قال العلماء: إنما منعت الزيارة سدًا للذريعة، إذ أن أهل الجاهلية قبل الإسلام كانوا يتعلقون بالأصنام والأوثان وبالأموات. فلما جاء الإسلام انتشالهم من كل شيء يذكرهم بتلكم الجاهلية، فكان من أعظم ما منعهم الإسلام القبور، فمنعهم تمامًا من الزيارة، الميت يدفن يبعد، ما هناك شيء اسمه زيارة، لماذا؟ حتى لا تتعلق القلوب بالموتى كما كانت القلوب تتعلق بالقبل بالأموات، فلما انتشر الإسلام وساد التوحيد ورفعت هذه العلة، قال عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها الآن زوروها». فكان المنع من باب سد الذريعة، وعلى هذا جرى عمل العلماء، مثل: ما جاء من أقوال العلماء في تحريم النظر في كتب الفلاسفة والمناطقة، علم الفلسفة وما يسمى بعلم الكلام والمنطق من العلوم الموجودة، والحديث كذلك يقرؤون فيها، العلماء فتاويهم في هذا الباب واضحة صريحة في أن المسلم لا يقرأ فيها. قد يقول: قال أنا أستطيع أن أقرأ حتى أنظر معلومات ثقافية، معلومات عامة، قال علماء: لا، لا، لا تفعل هذا، لأن إن دخلت في هذه الكتب ستتأثر، لعظيم ما فيها من الشكوك والظنون والتقريرات والتخمينات، إذ أنها علوم لا ترفع بالدين رأسًا، بل هي قائمة على التشكيك، تشكيك الكليات والأساسيات. ومن هنا كانت كلمة العلماء على تحريم النظر في كتب المناطقة والفلاسفة، وذلك سدًا للذريعة حتى لا تشوش على دينك وعلى عقيدتك. وهكذا مثله ما يكون من السفر إلى الخارج بقصد التعلم، ما يسمى الآن بالبعثات الخارجية، بعثة من يذهب من طلابنا وأبنائنا إلى الدراسة إلى الخارج، هنا العلماء ضيقوا الخناق، ما فتحوا المجال. قال: من أراد أن يذهب ولابد أن يذهب لابد له شروط ينضبط بشروط، فذكر شروط تعود إلى أخلاقه وإلى دينه وإلى عقيدته، ثابت أن يتحلى بها، وإلا من لم يتحلى بهذه الشروط لا يجوز له بحال أن يسافر، لماذا؟ فعلوا ذلك سدًا للذريعة. هذه الشروط أضافوها لما رأوا من عموم البلوى أن يذهب الطالب إلى بلاد الكفر، إلى عقر دارهم، إلى دار الكفر والإلحاد والزندقة، وليس هو مستعلٍ، لا، فهو طالب متدني، فهو متدني مستوى يطلب، والمدرس هو الذي يفرض عليه، فيصبح الطالب حينها يتلقى، يتلقى فيتلقى الخير ويتلقى الشر ويتلقى كل شيء. ومن هنا ألزم العلماء من أراد أن يذهب لابد أن يلتزم بهذه الشروط، ذكرها العلماء في كتبهم، كل ذلك من باب سد الذريعة. فالشاهد أن هذا باب شرعي، ولهذا فما ينقل عن بعض أهل العلم أنهم ألغوا هذا الباب، باب به يعرف دخول الصيف، دخول الشتاء. قال جماعة من أهل العلم: ولو كان هذا يعرف به الصيف من الشتاء، لكن عن طريق التعلم هذا يسقط في هذا، وهذا يدخل في هذا، ما نريد هذا في ديننا يكره، كما فعل قتادة، فقتادة رحمه الله تعالى على القول الثاني كما يقول العلماء إنما ألغى هذا الباب وحرمه ومنعه سدًا للذريعة حتى لا يتعلق الناس بالنجوم. لا يتعلق الناس بالنجوم لأن علم النجوم هو علم يحتاج أنك تنظر في النجوم، ما هي النجوم الثمانية والعشرين؟ ما هي الأربعة عشر الشمالية؟ ما هي الأربعة عشر الجنوبية؟ وكيف تسقط الشمس؟ وكيف تعرف بعد ذلك النجوم الشتاء؟ هذا يحتاج إلى علم. فيقول قتادة: نحن الآن نطلب من الناس أن نبعدهم عن التعلق بالنجوم، وهذا العلم يقربهم، لا ما نقربهم نبعدهم. فقتادة رحمه الله تعالى يرى المنع مطلقًا من باب السلام والحفاظ على الدين، وإلا في هذه المسألة على القول الصحيح هذا ليس فيه شيء. من أراد أن يتعلم علم النجوم فقط لكي يستفيد من ذلكم ويعلم الناس الصيف من الشتاء وكل ذلك ليس فيه شيء. ولهذا الإمام أحمد وإسحاق وجمهور العلماء على أن تعلم منازل القمر الذي بها تعرف الجهات وتعرف الأوقات وتعرف الأزمان ليس في ذلكم شيء. ولهذا يقول إمام الحرمين رحمه الله تعالى: قال: أما علم النجوم الذي يدرك بطريق المشاهدة والخبرة، والذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة، فإنه غير داخل فيما نهي عنه. فهذا علم يصح إدراكه بالمشاهدة، هذا علم بالمشاهدة، علم مثل أي علم تجريبي، ماذا فيه؟ مشاهدة، وفيه نظر واستقرار وهكذا. استفاد العلماء، وعندنا الآن هذه الأجهزة، البوصلة، ما هي إلا خلاصة علم الناس في علم الأفلاك، جاءت في هذه البوصلة، الجهاز الذي يتطور عام بعد عام في معرفة الجهات الأربع ومعرفة جهة القبلة. وعندنا الآن هذه الجوالات، ما من جوال ذكي إلا فيه ما يتعلق بمعرفة جهة القبلة. هذا إنما هو أفكار علم الناس خزنت في هذه المعلومات التطبيقية، فهذا علم جائز، الأصل أنه جائز، لأنه لا يتعلق به عقيدة، ولا يتعلق فيه شيء من علم التأثير. علم التأثير نعم، هذا العلم هو المحرم، أن تتخذ النجوم يا عبد الله سببًا للتشاؤم، سببًا للنحس، سببًا لجلب الخير، سببًا لدفع الشر، أو سببًا لمعرفة الغيب، هذا محرم، لا يجوز بحال أن يتعلمه إنسان. فخلاصة هذا المبحث إخواني في الله: ما نقله المؤلف رحمه الله عن كراهة جماعة من العلماء لتعلم علم منازل القمر، وبالمقابل ذكر من أجاز من العلماء لتعلم منازل القمر، إما أن يحمل أولًا على أن الأول منع من تعلم هذه المنازل إن كان فيها علم التأثير، ومن أجاز كان فيها علم التسيير. أو يحمل على أن العلماء الذين منعوا إنما منعوا من باب سد الذرائع حتى لا تتعلق قلوب الأنام بماذا؟ بالنجوم والكواكب، وإلا فالصحيح: الأدلة دلت، وأكثر العلماء على جواز الاستفادة من هذا العلم، أن تتعلم من علم النجوم ما يكون هداية، وبالنجم هم يهتدون، تهتد في معرفة الأوقات، وهكذا تهتد في معرفة الجهات. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.