الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن بيعة العقبة التي تضمنت السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، والأثرة عليهم، وعدم منازعة الأمر أهله إلا بكفر بواح. ويبين أن طاعة ولاة الأمور واجبة حتى لو منعوا الحقوق، مستدلاً بالقرآن والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر بالمعروف.
يؤكد المقطع وجوب طاعة ولاة الأمر المسلمين في المعروف، مع الاستثناء فقط عند رؤية كفر بواح ثابت بنص قاطع، ويحذر من عواقب نقض هذا العهد التي تؤدي إلى الفوضى وسفك الدماء. ويوضح معنى الكفر البواح والبرهان فيه، ويختم بذكر حال راويين من رواة الحديث وقائمة بالمكثرين من رواية السنة.
يروي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بشّر الأنصار بأنهم سيرون بعده أثرة وأمرهم بالصبر حتى يلقوه على الحوض، وهذا من أعلام نبوته. واستدل به على عدم جواز طلب الولاية، ووجوب الصبر على ظلم الحاكم ما لم يظهر كفر بواح، مع اشتراط الرجوع إلى أهل العلم في أحكام الخروج على الحكام.
تؤكد الآية على وجوب رد الأمور المتنازع فيها إلى الرسول وأولي الأمر ليستنبطوا الحكم الشرعي، وتحذر من اتباع الشيطان لولا فضل الله ورحمته. ويختتم المقطع بالاكتفاء بهذا القدر والصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: قال حدثنا إسماعيل، وإسماعيل شيخ البخاري هو ابن أبي أويس، وإسماعيل قد تكلم فيه بعض أهل العلم، غير أن البخاري رحمه الله تعالى قد انتقى واختار من حديثه. قال حدثنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري الملقب بديوان العلم. قال عن عمر، وهو ابن الحارث. قال عن بكير، وهو ابن عبد الله الأشج. قال عن بسر بن سعيد، وبسر بن سعيد هو المدني العابد مولى ابن الحضرمي، قالوا فيه ثقة جليل. قال عن جنادة بن أبي أمية، وهو أبو عبد الله الشامي، تابعي ثقة. قال: دخلنا على عبادة بن الصامت، وعبادة بن الصامت هو الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد، أحد النقباء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة، وهكذا كان من أهل بدر، وهو صحابي مشهور. قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، وكانت هذه المبايعة ليلة العقبة، ليلة العقبة، كما سبق أن ذكر ذلك البخاري رحمه الله تعالى في أوائل كتاب الإيمان من هذا الصحيح. قال: فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان. أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث، حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، في كتاب الفتن، وفي باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سترون بعدي أموراً تنكرونها». وأشاهد من إرادة هذا الحديث في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعهم، أو أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمور: على السمع والطاعة، وهذا في المنشط والمكره، وهكذا في العسر واليسر. وهذا السمع والطاعة التي بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عليها هو للنبي صلى الله عليه وسلم، يسمع له ويطيع له عليه الصلاة والسلام، ثم بعده عليه الصلاة والسلام يكون السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين. وقوله رضي الله تعالى عنه: «أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا»، أي في نشاطنا، وهكذا في مكرهنا. وقد ذكر بعض أهل العلم أن المراد بالمكره هاهنا أنه وقت الكسل والمشقة، وقت الكسل والمشقة، فإن هذا هو الذي يقابل النشاط. ومما يدل على هذا رواية الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وفيها قال: «في النشاط والكسل». قال: «في النشاط والكسل». قال: «وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا». ومعنى قوله: «أثرة علينا»، المراد به أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إعطائهم حقوقهم، لا تتوقف على إعطاءهم حقوقهم، بل عليهم السمع والطاعة ولو منعوا من حقوقهم. هذه العبارة في هذه البيعة التي بايع الصحابة رضي الله تعالى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «وأثرة علينا»، يعني إذا استأثر الأمراء بالمناصب، وهكذا الأموال، وهكذا غير ذلك من المصالح العامة والخاصة، وهكذا لم يؤدوا إلينا حقوقنا، ليس معنى هذا أننا لا نطيعهم، بل إننا نسمع ونطيع ولو لم يؤدوا لنا حقنا. ولهذا سبق معنا في حديث عبد الله بن مسعود في أوائل حديث هذا الباب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم». وهذا فيه وجوب طاعة ولاة الأمور، وذلك بالمعروف. ودلائل الكتاب والسنة متظاهرة، وهكذا متكاثرة في الدلالة على وجوب ذلك. فمن ذلكم قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. ومن السنة ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي». وهكذا في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». وكون أهل الإسلام يهتمون بهذا الواجب، يكون في هذا سلامة المجتمعات، وهكذا سلامة الأفراد، وهكذا سلامة الدماء والأعراض والأموال، وأن يحل الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار في مجتمعات المسلمين. ويوم أن يخل أهل الإسلام بهذا الواجب، فإن ذلك يعتبر سبباً لكي يحل الخوف بعد الأمن، وهكذا تسفك الدماء وتنهب الأموال، وهكذا تنتهك الأعراض، ويحصل ما لا تحمد عقباه، يحصل ما لا تحمد عقباه. قال: «وأن لا ننازع الأمر أهله». وأن لا ننازع الأمر، المراد بالأمر هاهنا هو الملك والإمارة. إذا كان أهل الإسلام يتجرأ البعض منهم أو الكثير منهم على أن يطلبوا الإمارة من الأمير، هذا يطمع فيها، والآخر يتمناها، والثالث مستعد أن يبدل الغالي والنفيس لكي يحظى بهذه الإمارة ويتخلص من ذلك الأمير، فهذا يعتبر سبباً لحدوث الفوضى، سبباً لحدوث الفوضى، وإلى الله المشتكى من أحوال المسلمين في هذه الأيام: فوضى، وهكذا فتن وقلاقل، وزعزعة للأمن والأمان، وهكذا سفك للدماء، ولربما آل إلى انتهاك الأعراض، وهكذا نهب للأموال، وهكذا غير ذلك من المفاسد. وما سببه إلا الحرص على الإمارة والملك، ومنازعة الأمر أهله، ومنازعة الأمر أهله. فوقعوا فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصدق الله إذ يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. نسأل الله عز وجل أن يجنب مجتمعنا، وهكذا مجتمعات المسلمين من هذه الفتن، ما ظهر منها وما بطن. قال رضي الله تعالى عنه: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان». الكفر البواح، كما ذكر الإمام الخطابي رحمه الله تعالى، قال: معنى قوله «بواحاً» يريد ظاهراً باديا، ظاهراً باديا، من قولهم: باح الشيء يبوح بوحاً وبواحاً إذا أذاعه وأظهره، إذا أذاعه وأظهره. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالسمع والطاعة إلا أن نرى كفراً باديا ظاهرا، ليس فيه خفاء، ليس فيه خفاء. قال: «عندكم من الله فيه برهان». والبرهان هاهنا فسر بنص من كتاب الله عز وجل، أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، لا يحتمل التأويل. ومقتضى هذا الكلام أنه لا يجوز الخروج على أولي الأمور ما دام فعلهم، أو ما دام فعلهم يحتمل التأويل، ما دام أن فعلهم هذا يحتمل التأويل. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا محمد بن عرعرة، وهو السامي البصري، ثقة. قال حدثنا شعبة، وهو بن الحجاج البصري، أمير المؤمنين في الحديث. ذكروا عنه أنه أول من فتش عن أحوال الرجال بالعراق، وأول من أظهر وأشهر علم الجرح والتعديل بها. قال عن قتادة، وهو بن دعامة، أبو الخطاب السدوسي، رمي بالقدر، أي ببدعة القدر. وقد ذكروا عنه أنه ولد أكمه. فما معنى أكمه عندك يا أبا عمر؟ ما معنى أكمه؟ قالوا: ولد أكمه عندك يا أبا عبد الله، يا أبا أحمد، فأين سعد؟ قالوا: ولد أكمه يا أبا محمد. قالوا: ولد أكمه. ما معنى أكمه؟ يعني أخرص لا يتكلم. أصعد قليلاً. نعم، أعمى. ولد أعمى. ومع كونه ولد أعمى إلا أنه كان آية من آيات الله في الحفظ، كان آية في الحفظ. قالوا: قرأت عليه سورة البقرة فحفظها، قرأت عليه سورة البقرة فحفظها. والأخبار الواردة في حفظ سلف هذه الأمة مقارنة بحفظنا في هذه الأزمنة يكاد يكون ماذا؟ يكاد يكون كالخيال أو الحكايات العابرة، وذلك أن حفظهم كان قوياً، كان قوياً. قال رحمه الله تعالى: عن أنس بن مالك، أبو حمزة الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. من يذكر الأبيات التي قيلت في ذلك في هؤلاء المكثرين في رواية الأثر عندك يا أبا حمزة؟ والمكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر، كالأخدري، وجابر، وزوجة النبي. ما المراد بزوجة النبي يا أبا عبد الرحمن؟ عائشة رضي الله تعالى عنها وعنهم أجمعين. قال: عن أسيد بن حضير، وهو الأنصاري الأشهلي، أي من بني عبد الأشهل، وهم من الأوس، أبو يحيى، صحابي جليل مشهور. قال: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، استعملت فلاناً ولم تستعملني. قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي»، فاصبروا حتى تلقوني. وهذا الحديث، حديث أسيد بن حضير، ذكره البخاري رحمه الله تعالى في هذا الباب، والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الأنصار أنهم سيرون بعده عليه الصلاة والسلام أثرة. وسبق معنا فيما مضى أن المراد بالأثرة هو الاختصاص بحظ دنيوي، الاختصاص بحظ دنيوي. وقد جاء في بعض الروايات أن هذا الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر كان من الأنصار، كان من الأنصار. قال: يا رسول الله، استعملت فلاناً ولم تستعملني، أي: فلان من الناس اتخذته عاملاً ووكلت إليه بعض الأمر وبعض العمل، فلم لا استعملتني كما استعملت فلاناً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم هذه الكلمة العظيمة: قال: «إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْأَنْصَارُ»، ويحتمل أن يكون المعنى أعم من ذلك، قال: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي». جاء في حديث ابن عباس، أو ماذا جاء في حديث أسيد بن حضير هذا نفسه، نفسه، أو نفسه في بعض الروايات منه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ»، حتى تلقوني على الحوض. وهذا فيه منقبة، وهكذا فضيلة ظاهرة للأنصار، وأنهم ممن يردون على النبي صلى الله عليه وسلم الحوض، أنهم ممن يردون على النبي صلى الله عليه وسلم الحوض. وهكذا أيضاً في هذا الحديث علم من أعلام نبوته، ومعجزة ظاهرة لنبينا صلى الله عليه وسلم، حيث أنه وقع وحصل ما أخبر به. وهنا وقفة ينبغي أن نتنبه لها: أن الأنصار الذين وصفهم الله عز وجل بالإيثار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، فأهل الإيثار يقعون في ماذا؟ يقعون في الأثرة، يستأثر غيرهم، يستأثر غيرهم عليهم بماذا؟ بشيء من حضوض هذه الدنيا. وما أجمل ما ذكره الإمام شيخ شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه مدارج السالكين، قال رحمه الله تعالى: قال: «فَتَأَمَّلْ سِرَّ التَّقْدِيرِ حَيْثُ قَدَّرَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ سُبْحَانَهُ اسْتِئْثَارَ النَّاسِ عَلَى الْأَنْصَارِ بِالدُّنْيَا وَهُمْ أَهْلُ الْإِيثَارِ، وَهُمْ أَهْلُ الْإِيثَارِ، قَالَ: لِيَجْزِيَهُمْ عَلَى إِيثَارِهِمْ إِخْوَانَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ عَلَى النَّاسِ، فَتُظْهِرَ حِينَئِذٍ فَضِيلَةَ إِيثَارِهِمْ وَدَرَجَتَهُ، وَيَغْبِطَهُمْ مَنْ اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ بِالدُّنْيَا أَعْظَمَ غِبْطَةٍ، أَعْظَمَ غِبْطَةٍ. قَالَ: وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. فَإِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ يَسْتَأْثِرُونَ عَلَيْكَ مَعَ كَوْنِكَ مِنْ أَهْلِ الْإِيثَارِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ خَيْرٌ يُرَادُ بِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ». وهذه كلمات عظيمات، ماذا من هذا الإمام الجهبذ. وهكذا في هذا الحديث، حديث أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه، أنه لا يجوز طلب الولاية والإمارة، لا يجوز طلب الولاية والإمارة، وأن من طلبها لا تعطى إليه، وكما جاء في بعض الروايات: «إِنَّا لَا نُعْطِي هَذَا الْأَمْرَ مَنْ سَأَلَهُ أَوْ مَنْ طَلَبَهُ». وهكذا أيضاً في هذا الحديث الحث على الصبر على ظلم الحاكم إذا استأثر بدنيا، أو إذا استأثر بالدنيا، وعدم الخروج عليه، ما لم يأتِ بكفر بواح، ما لم يأتِ بكفر بواح. وهنا كذلك أيضاً أمر ينبغي أن نتنبه له: أن هذه القيود في عدم جواز الخروج على الحاكم إلا بهذه القيود وهذه الشروط، ماذا؟ أن يأتي بكفر بواح، بادٍ ظاهر، عندنا فيه من الله برهان، يعني نص أو خبر لا يحتمل التأويل. وهكذا أيضاً أن يكون عند أهل الإسلام العدة، وهكذا الاستطاعة على ذلك. وهكذا أن لا يؤول إلى منكر أعظم وأنكر من هذا المنكر، ألا وهي بقاء هذا الحاكم أو الأمير الكافر على حكمه. وينبغي على أهل الإسلام أن يرجع في هذا كله إلى أهل العلم، لا يرجع إلى أهل الصحافة، إلى أهل الإعلام، إلى أهل الأحزاب، لا يرجع إلى المحللين السياسيين، وإنما الرجوع في هذا يكون إلى أهل الرسوخ من أهل العلم. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الباب، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والله تعالى أعلم.