الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 18، ألقاها
يوضح المقطع حديثي سلمة بن الأكوع وأبي سعيد الخدري اللذين يبيّنان إذن النبي ﷺ للمسلم بالخروج إلى البادية لحفظ دينه عند اشتداد الفتن. يشرح ابن حجر معنى التعرب بأنه انتقال المهاجر إلى سكنى البدو، ويذكر قصة الحجاج مع سلمة بن الأكوع كمثال على الفتنة.
يسرد المقطع ظلم الحجاج بن يوسف لعدد من الصحابة كجابر بن عبد الله وابن مسعود وأنس بن مالك، وتفاصيل موقفه مع سلمة بن الأكوع الذي أذن له النبي في سكن البادية. يبين أقوال العلماء في حكم الهجرة والتعرب، وأن سكن البادية فيه صحة للسان والبدن لكن فيه سقم للأديان لتفويت الجماعات ومجالس العلم.
يشرح المقطع حديث أبي سعيد الخدري عن كون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال فرارًا بالدين من الفتن، مستدلًا على جواز سكن البادية عند حدوث الفتن. يذكر قصة سلمة بن الأكوع الذي هاجر إلى الربذة بعد مقتل عثمان ومكث فيها نحو أربعين سنة، مبينًا أن العزلة في البادية لا تجوز إلا عند الفتن وإلا فالأصل اللحاق بالجماعة.
يختتم المتحدث كلامه بالدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله، ويقر بأن العلم الكامل لله تعالى. ويختم الدرس بالتأكيد على أهمية التمسك بالسنة والجماعة عند عدم وجود الفتن.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الفتن من صحيحه: قال رحمه الله تعالى: «باب التعرب في الفتنة». التعرب في الفتنة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو ابن جميل بن طريف الثقفي، أبو رجاء البغلاني. قالوا فيه: ثقة ثبت، وقيل: قتيبة لقب، واسمه يحيى، وقيل: علي. قال: حدثنا حاتم، وهو ابن إسماعيل المدني، أبو إسماعيل الحارثي مولاهم. قال الحافظ رحمه الله تعالى: صحيح الكتاب، صدوق يهم، صدوق يهم. قال: عن يزيد بن أبي عبيد، وهو الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع، وهو ثقة. قال: عن سلمة بن الأكوع، وهو الأسلمي، صحابي جليل رضي الله تعالى عنه، كان شجاعا، وكان راميا، وكان سريع الجري حتى أنه يسابق الفرس، حتى أنه كان يسابق الفرس، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على الموت، بايعه ثلاث مرات. قال رحمه الله تعالى: قال: عن سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج، فقال: يا ابن الأكوع، ارتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو. قال: وعن يزيد بن أبي عبيد، يعني بالإسناد المتقدم، قال: لما قتل عثمان بن عفان، خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة، وتزوج هناك امرأة، وولدت له أولادا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة. وقال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التنيسي الدمشقي، أبو محمد الكلاعي. تقدم معنا قريبا أنهم ذكروا عنه أنه ثقة متقن، وأنه من أثبت الناس في رواية الموطأ عن الإمام مالك بعد القعنبي، كما ذكر ذلك ابن معين وغيره. قال: أخبرنا مالك، وهو ابن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة. قال: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، وهو الأنصاري المازني، ثقة. قالوا: مات في خلافة المنصور، أي أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي المشهور. قال: عن أبيه، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وهو كذلك أنصاري مازني، ثقة. قال: عن أبي سعيد، وهو الخدري. فما اسم أبي سعيد؟ أبو سعيد الخدري صحابي مشهور، مشهور بكنيته، فما اسمه عندك يا أخي؟ أبو سعيد الخدري، ما اسمه عند أخينا الإندونيسي؟ نعم، أنت عندك يا أخينا محمد. أبو سعيد الخدري، ما اسمه يا أبي عبد الله عندك؟ نعم، سعد. سعد بن من؟ عند جارك عندك يا عباس. سعد، جده سنان. لكن ما اسم أبيه عندك يا أبا عبد الرحمن؟ سعد بن مالك بن سنان. سعد بن مالك بن سنان. وسعد بن مالك هذا اسم يشترك فيه ثلاثة من الصحابة: أبو سعيد أحدهم، والآخران: سعد بن أبي وقاص، وهكذا والد سهل بن سعد الساعدي. فهؤلاء ثلاثة من الصحابة، كلهم يسمى بـ ماذا؟ سعد بن مالك. قال: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم، يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن». أورد البخاري رحمه الله تعالى هذين الحديثين، أحدهما من حديث سلمة بن الأكوع، والآخر من حديث أبي سعيد الخدري، وذلك في باب التعرب في الفتنة. التعرب في الفتنة، والمراد بالتعرب هو سكن أو ماذا؟ الخروج إلى البادية والسكن مع الأعراب. الخروج إلى البادية والسكن مع الأعراب. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر إليها فيسكن البدو، فيرجع بعد هجرته أعرابيا، فيرجع بعد هجرته أعرابيا. قال: وكان إذاك محرما إلا إن أذن له الشارع في هذا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وفي حديث سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج، وهو ابن يوسف الثقفي، ذلكم الأمير الظالم الذي اشتهر بسفك الدماء، وهكذا إثارة الفتن وغير ذلك من الأمور التي ليست بحميدة، التي ليست بحميدة. ولهذا لما قتل الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير، أتى إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، فقال لها: ماذا ترين؟ قالت: أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك. أما إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير». قالت: فأما الكذاب فقد رأيناه، ألا وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي. قالت: وأما المبير فلا أظنه إلا أنت، فلا أظنه إلا أنت. وقيل أنه تاب قبل موته، قيل أنه تاب قبل موته. وأشاهد من هذا أن الحجاج كان كثير الأذية لجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ممن أدركهم، ممن أدركهم. ولهذا تقدم معنا في ترجمة جابر بن عبد الله الأنصاري أنه أوصى ألا يصلي عليه الحجاج، أوصى قبل أن يموت ألا يصلي عليه الحجاج. وهكذا كان يؤذي ابن مسعود، ويقول: عبده ذيل، عبده ذيل. وذلك أنه كان يقرأ في سورة الليل: «والذكر والأنثى»، وهذه قراءة سمعها ابن مسعود من النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان يؤذي أنس بن مالك، وهكذا لربما تأذى منه ابن عمر وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فقال: يا ابن الأكوع، ارتددت على عقبيك، تعربت؟ وهذا فيه ما تقدم من غلظة الحجاج، وهكذا سوء معاملته لهذا الصحابي الجليل، لهذا الصحابي الجليل، فيخاطبه بهذا الخطاب القبيح قبل أن يسأل عن عذره، قبل أن يسأل عن عذره. قال: ارتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو. يعني في أنه يسكن البادية. أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والأصل أن شخصا إذا هاجر من البادية إلى موضع هجرته من المدن أو القرى، قالوا: لا يجوز أن يعود إليها، لا يعوج، لا يجوز له أن يعود إليها. وهكذا أيضا استدل بهذا الحديث على أن التعرب لغير حاجة لا يجوز، وأنه من أسباب الارتداد، من أسباب الارتداد. ومعنى الارتداد: أي ماذا؟ أن يرتد عن هجرته، وذلكم يعتبر من كبائر الذنوب. ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال القاضي عياض: أجمعت الأمة على تحريم ترك المهاجر هجرته ورجوعه إلى وطنه، وعلى أن ارتداد المهاجر أعرابيا من الكبائر، من الكبائر. قال: ولهذا أشار الحجاج إلى أن يعلمه سلمة رضي الله عنه أن خروجه إلى البادية إنما هو بإذن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولعله رجع إلى غير وطنه، أو لأن الغرض في ملازمة المهاجر أرضه التي هاجر إليها، وفرض ذلك إنما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لنصرته، أو ليكون معه، أو لأن ذلك كان قبل فتح مكة. فلما كان الفتح، وأظهر الله الإسلام على الدين كله، وأذل الكفر، وأعز المسلمين، سقط فرض الهجرة، فقال: «لا هجرة بعد الفتح»، وقال: «مضت الهجرة لأهلها»، أي الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم قبل فتح مكة لمواساة النبي صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرة دينه وضبط شريعته، وضبط شريعته. وهكذا أيضا. في هذا الحديث دليل على جواز التعرب، أي سكن البادية مع الأعراب، وذلك عند خوف الفتنة. إذا خاف الشخص على نفسه الفتنة، يجوز له أن يسكن البادية، وأن يساكن الأعراب. مع أن مخالطة الناس، وهكذا الصبر على أذاهم أفضل. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ولا يصبر على أذاهم». لكن إن خاف الشخص على نفسه الفتنة، فعندها يجوز له أن يخرج إلى البادية، وأن يساكن الأعراب. وسكن البادية كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن فيها صحة اللسان والأبدان. هاتان فائدتان يستفيدهما الإنسان من سكن البادية: لسانه يصح، فماذا يفصح به؟ وهكذا جسمه يكون صحيحا، وذلك لأن غالب غذاء أهل البادية أنه بعيد عن الأضرار، وعن هذه الأمور والأطعمة التي لربما ضرت أكثر مما نفعت. قال: سكن البادية فيه صحة اللسان والأبدان، لكن فيه سقم الأديان. فيه ماذا؟ سقم الأديان. يتضرر الشخص في دينه إذا سكن البادية، يغلب عليه الجفاء، ويغلب عليه الجهل، وهكذا تفوته الجمع والجماعات، وهكذا تفوته مجالس الذكر وحلق العلم وغير ذلك من الأمور التي تكون لأهل الحاضرة، ولمن كان يسكن المدن، وهكذا القرى. فسكن البادية، فسكن البادية فيها ما تقدم من صحة اللسان والأبدان، إلا أن فيها سقم الأديان، سقم الأديان. وأما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم». ومعنى يوشك: أي يقرب. أن يكون خير مال المسلم غنم، يتبع بها شعف الجبال، يعني المواضع المرتفعة المخضرة من هذه الجبال. قال: «ومواضع القطر»، أي مواضع المطر. والمطر إذا وقع بأرض، فالغالب أنه ينبت المرعى الخصب الطيب، الذي يكون سببا لعيش العباد، وهكذا الدواب والبهائم، الدواب والبهائم. قال: «يفر بدينه من الفتن». ما هو السبب في أن الشخص يخرج ويعتزل، فيذهب إلى شعف الجبال، وهكذا مواضع القطر؟ قال: «يفر بدينه من الفتن». وهذا فيه دليل على ما تقدم من جواز ماذا؟ من جواز سكن البادية عند حدوث الفتن، عند حدوث الفتن، يجوز للعبد أن يفر بدينه، ولو كان في ذلك سكن البادية. وفي هذا الحديث من المسائل والفوائد: فيه دليل على استحباب العزلة لمن خاف على دينه، لمن خاف على دينه. وهكذا أيضا فيه دليل على أن الفرار من الفتن يعتبر سبيل المؤمنين الخلص، سبيل المؤمنين الخلص، وذلك لأن فيه صيانة الأديان. قال: «يفر بدينه من الفتن»، يفر بدينه من الفتن. وهكذا أيضا في هذا الحديث دليل كذلك على أن خير ما للمسلم غنيمات يرعاها في العشب المباح، حتى يكسب منها قوتا طيبا، حتى يكسب منها قوتا طيبا. والعمل برعي الأغنام هو عمل كثير من الأنبياء، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح: قال: ما من... قال عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا ورع الغنم». قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة، على قراريط لأهل مكة». وهذا كان في صغره عليه الصلاة والسلام. وهكذا رعاية الأغنام تورث صاحبها سكينة ووقار، وهكذا تواضع، وهكذا تواضع. وذلك لأن الإنسان ماذا يتأثر بمن يخالط، ولو كان هذا الذي يخالطه من البهائم والدواب. إذا خالط الأغنام استفاد السكينة والوقار والتواضع، كما أخبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا خالط الإبل، لربما استفاد من مخالطتها الفخر والخيلاء، وهكذا الكبر، وغير ذلك مما لربما كان سببه هذه المخالطة، هذه المخالطة. وهكذا أيضا في هذا الحديث دليل على الإذن بالتعرب، أي سكن البادية مع الأعراب، في زمن وقوع الفتن، في زمن وقوع الفتن. فقد كان محرما على من هاجر في سبيل الله عز وجل أن يرجع بعد هجرته أعرابيا، إلا أنه أذن فيه عند وقوع وحصول الفتن. وهذا استدلالا بما في حديث أبي سعيد هذا، وهكذا إذن النبي صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع. وهكذا أيضا في هذا الحديث دليل من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم الدالة على صدق رسالته ونبوته، حيث أن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قد وقع، قد وقع. وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى. وهنا كذلك أيضا فائدة في حديث سلمة الأول، في قوله: فلما قتل عثمان بن عفان، خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة. الربذة موضع من البادية يقع بين مكة والمدينة. وخروج سلمة بن الأكوع إلى البادية كان عقب مقتل عثمان بن عفان. ومقتل عثمان رضي الله تعالى عنه كان في سنة خمس وثلاثين من الهجرة. وكانت وفاة سلمة بن الأكوع على الصحيح في سنة أربع وسبعين. فقبل وفاته بأيام أتى من الربذة ونزل المدينة، فمات بها. ونستفيد من هذا أن المدة التي قضاها سلمة بن الأكوع بالبادية نحو من أربعين سنة، نحو من أربعين سنة، من سنة خمس وثلاثين إلى سنة أربع وسبعين، إلى سنة أربع وسبعين. فهذه كذلك من الفوائد التي تستفاد من حديث سلمة رضي الله تعالى عنه. وخلاصة ما يذكر حول ما يتعلق بهذين الحديثين: أن فيهما دليلا على أنه لا يجوز سكن البادية إلا عند حدوث الفتن، وهكذا تشعب هذه الفتن، أو أن الشارع أذن لهذا المسلم في أن يسكن في البادية. وإلا فالمطلوب من هذا المسلم أن يلحق بالمسلمين، فيجاهد معهم، وهكذا يتعلم منهم، ويشهد الجمع والجماعات، وغير ذلك من العبادات والشعائر والمناسك التي هي من شعائر الإسلام الظاهرة. فنختم بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والله تعالى أعلم.