شرح الأصول الستة 12

شرح الأصول الستة 12

الدرس في شرح الأصول الستة 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية فهم أنواع الاختلاف

يشرح الشيخ أهمية فهم أنواع الاختلاف الثلاثة في التعامل مع المسائل الخلافية والمخالفين. يؤكد أن اختلاف الأفهام موجود في كل أبواب الدين وليس فقط في الفقهيات.

انتقاد تقسيم الدين إلى أصول وفروع وتاريخه

يناقش المقطع تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ويبين أن هذا التقسيم متأخر ولم يكن معروفا عند الصحابة. يشير إلى أن العلماء أنكروا هذا التقسيم لأنه أخذ من المعتزلة وأهل الكلام.

تأصيل استخدام تقسيم الدين إلى أصول وفروع

يُوضح أن العلماء استخدموا هذا التقسيم بمعانٍ مختلفة، مثل مسائل التوحيد أو المسائل الكبار في الدين. يبين أن هذا التقسيم ليس باطلاً في ذاته، وإنما المعاني التي تُفهم منه هي التي تُنتقد.

خاتمة الدرس والدعاء بالتوفيق

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل، ويصلي على النبي محمد. يشير إلى أنه سيتناول الأصل الثالث بإذن الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ففي درس أمس، إخواني في الله، كان الكلام حول ما يتعلق بأنواع الاختلاف، وذكرنا أن الاختلاف ينقسم إلى أقسام ثلاث: اختلاف تنوع، واختلاف أفهام، واختلاف تضاد، وذكرنا ضابط كل نوع من هذه الأنواع الثلاث مع ذكر أمثلة عليها. وهذه الأقسام، إخواني في الله، مهمة، على الناس أن يتأملوا فيها لما لها من فوائد عظيمة. فمن الفوائد والثمرات التي يجنيها المسلم إذا تأمل وإذا تعرف إلى هذه الأنواع الثلاث من أنواع الاختلاف، يزول اللبس الذي قد ينقدح في أذهان بعض الناس، حيث إن بعضهم إذا سمع بالآيات التي فيها الأمر بالاجتماع والاتفاق وترك الاختلاف والتفرق، يستشكل واقع الموجود، إذ يرى الاختلاف قد صدر وقد وقع بين الصحابة. فيقال: لا، بمعرفة هذه الأنواع الثلاث تعرف أن ما وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهكذا مع سائر الأئمة وعلى سائر الفقهاء، فإنما هذا مما يسوق فيه الاختلاف، وليس من الاختلاف المذموم. وأيضا في معرفتك، يا عبد الله، لهذه المسائل، في معرفة أنواع الاختلاف، به تستطيع أن تتعامل مع المسائل الخلافية، بل ومع المخالفين، على ضوء هذه التقاسيم. ومن يرى في واقع الناس، ومن يرى في واقع الجماعات والمسائل الدعوية الموجودة، وما يدب فيها من التناحر بين أهلها وبين أصحابها وبين الفرق بعضها على بعض، من هذه الأمور التي جلبت عليهم هذا العار والشنار من التمزق والتفرق، عدم التمييز بين كيفية التعامل مع مسائل الخلاف ومع المخالفين. فأنت تجد أن بعض الناس ما يفرق؛ فأي كلمة فيها اختلاف أو أنه يختلف معك في رأي، فيجعل هذا من الاختلاف المذموم الذي يذم صاحبه. وهذا، كما قلنا، من الخطأ. فالأسف تجد أن بعض الناس لربما إذا رأى زميله أو عالما من العلماء خالفه في مسألة من مسائل اختلاف الأفهام، إذ به يقدح في عرض هذا العالم ويطعن في دينه ويطعن في منهجه. ويقول: انظر لهذا العالم كيف خالف في هذه المسألة، ويكون من عداد اختلاف الأفهام الذي لا حرج على من خالف فيه بالدليل. وقلنا: الأمة لا زالت تختلف، وهذا من الاختلاف الذي فيه توسع على الناس، وهي حكمة أرادها الله جل وعلا. وبعض الناس يرى أن اختلاف الأفهام إنما محله في الفقهيات، يرى بعضهم أنه إن كان هناك اختلاف في باب الطهارة أو في باب الصلاة أو في كتاب الجنائز أو في باب الزكاة وغيرها من مسائل الفقهيات وقع فيها الاختلاف، هذا يقول: من اختلاف الأفهام. وإن كان الاختلاف وقع في غير هذا الباب، يرى أن هذا من اختلاف التضاد، فيجرح ويقدح. مثال ذلك: رأى خلاف مسائل الدعوة، في المسائل الدعوية، مثاله تجد أن بعض المسائل يفتي ببعض المسائل، وهي مسائل مما يسوق فيه الاجتهاد ومما يسوق فيه الاختلاف، فتجد بعض من قصر علمه في هذا الباب يجرح ويقدح ويصادم بل ويهجر من خالفه في مثل هذا الباب، لظنه وبئس الظن، وظنه أن اختلاف الأفهام إنما يكمن في الفقهيات. وهذا خطأ، بل اختلاف الأفهام في كل أبواب الدين. المهم أن يكون مع المخالف له أدلة شرعية، أدلة معتبرة. وليس يفتح هذا الباب أو يفهم أن أي واحد معه دليل فهذا من اختلاف الأفهام الذي لا غبار عليه. فيأتي الواحد بمسألة تقوم على حديث باطل أو على حديث موضوع، يقول: أنا معي دليل، فهذا من اختلاف الأفهام. ما أحد يحرج عليه، أو يأتي بدليل وإن كان صحيحا لكن لم يقل أحد بفهمه، لم يقل أحد بفهمه، يفهم حديثا من الأحاديث أو آية من الآيات على فهم معكوس، على فهم منكوس، يأتي بقول لم يسبق به أحد من السلف، لم ينطق به العلماء، لم ينطق به المعاصرون ولم ينطق به المتقدمون ولم ينطق به المتأخرون. فإذا أنكر عليه في هذه المسألة الذي أتى بها، قل: لا تنكروا عليه، هذا من اختلاف الأفهام. وهذا الدليل ليس كل دليل تحمله، يا عبد الله، يسوغ لك فيه اجتهاد، وإنما هو الدليل المعتبر، الدليل المعتبر والذي له حظ من النظر. فهذه مسألة مطروحة، باب خاص في مسألة الخلاف، وينبغي لكل مسلم أن يتأمل في هذه الأبواب وما سطره العلماء في التفريق بين هذه الأنواع من أنواع الخلاف وحكم كل مسألة، وكيف التعامل مع هذه الأنواع. فعدم الفقه في هذا الباب هو الذي جرى على الناس الكثير والكثير. وكما قلنا: بل إن بعض من يجعل اختلاف التضاد من اختلاف التنوع، كما رأينا من بعض من يتعصب لبعض الآراء والمذاهب والمدارس والأفكار والآراء والفرق، لربما يرى اختلاف الأضداد الذي هو فيه أنه من اختلاف التنوع، ففتح المجال للرخصة ولمن أراد أن يأخذ من أي مذهب ما شاء. وهذا هو الضلال المبين. وبهذا، إخواني في الله، أننا قد ألممنا بعبارة المؤلف رحمه الله تعالى في الأصل الثاني، حيث قال: أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه، فبين الله هذا بيانا شافيا تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا. وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه، ويزيده وضوحا ما ورد به السنة من العجب العجاب في ذلك. ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وصار الأمر بالاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون. وهذا الذي عبر به المؤلف رحمه الله تعالى حق، وقد وقع صحيح في فترة من فترات، وأظن لا زال في بعض المناطق والأنحاء أنهم يرون أن التفرق في الدين هو الفقه والعلم. ما تجد عند بعض المتعصبة من المذهبية تقول له: هؤلاء في تلك الناحية على مذهب الشيخ الفلاني، وهؤلاء على مذهب الإمام الفلاني، هؤلاء أحناف، وهؤلاء شافعية، وهؤلاء يخالفون هؤلاء. يقول: نعم، إن كان هذا السائل من المتمذهبة يفرح بهذا الفرق، نعم، دعهم، هؤلاء على حق، وهؤلاء على خير، وهؤلاء على باطل، فيرى أن هذا التفرق ووجود الأمة على هذا الحال هذا خير، وأن هذا هو العلم. فإذا رأى أحدا من طلابه هو على مذهب من المذاهب أراد أن يرجع إلى مذهب آخر أو أراد أن يرجع إلى الكتاب والسنة، وهذا السائل وهذا المفتي يرى أن هذه المسألة على خلاف مذهبهم، لما أنكر على صاحبه وأنكر على طالبه وأنكر على مريده. إن رآوا سيخرج عن منهجه وعن مذهبه، يقول: أيش تترك ملة الذي كنا عليها؟ هذا هو الصواب، وهذا هو الحق، وأترك ما يتعلق بالكتاب والسنة، أنت أفقه من الشافعي، أنت أفقه من أبي حنيفة، أنت أدرى من إمام مالك في علوم الشريعة. فالقول قولهم. فيجعلون أن البقاء على التفرق هو الدين، وهذا هو العلم، وهذا هو الفقه. وأما الأمر بالاجتماع فيرونه زندقة. المتعصبة إذ قد لها خوف لا نتعل: أنت على أي مذهب؟ ونمذهب الشافعي أو المالكي أو مذهب كذا، ويقول: دعها، أو لا، وارجع إلى الكتاب والسنة، نجتمع أنواياك على الكتاب والسنة. يقول: هذه زندقة، هذه زندقة، كيف أترك مذهبي؟ فيرى أن الاجتماع على الكتاب والسنة هذا ليس من الدين، بل هذا مروق عن الدين، وهذا خروج عن الصراط المستقيم. وهذا وجد، فهذا يدلك على الحالة المأساوية التي بلغ بها أناس، لا أقول من عامة الناس، بل منهم من أشباه العوام، بل هم من ينتسبون إلى العلم والفكر، حاشا الأئمة. أما الأئمة الكبار، أصحاب المذاهب، من أمثال الشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومالك، فلهم عبارات رائعة جدا تدل على أنهم أرادوا الحق، وأنهم فتحوا المجال للرجوع إلى الحق. بل كانت من عبارات الشافعي رحمه الله تعالى المسطورة والمسطرة والمبثوثة، والتي قد تناقلها الناس سلفا عن سلف، أنه كان يقول رحمه الله تعالى: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وكم من مسألة من كان من طلاب العلم يمر على مسائل يقررها الشافعي رحمه الله تعالى، فيأتي إلى مسألة من مسائل، يقول: فإن صح الحديث في هذا الباب فأنا أقول به. فانظر، رحمك الله، إلى الورع، بل إلى اتباع الحق، وهذا واللائق بأئمتنا رحمهم الله تعالى أنهم يحرصون على اتباع الكتاب والسنة، ليس كان همهم صنع مثل هذه المذاهب حتى يقيدوا الناس بها، وإنما ذلك من صنع الأتباع ومن كان من بعدهم. فالأصل، إخواني في الله، أن اجتماع الناس يكون على أصول الدين، يكون على الدين، وعلى كذلك أصوله وفروعه. تأتي مسألة هنا، نبه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، ونشير إليها في قول المؤلف رحمه الله تعالى: ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه. تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ما حكم هذا التقسيم؟ هذه المسألة، إخواني في الله، ينبغي أن نقف عندها ونفهم. ما هذه القسمة؟ ومن الذي أتى بها؟ هذه القسمة، تقسيم الدين إلى أصول وفروع، هذا التقسيم متأخر، بل منه من صرح أنه محدث، أنه محدث، ما كان معلوما لدى الجيل الأول، ما كان معروفا عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن كان من بعدهم، إما من القرون المفضلة. ما أحد تعارف ومشى على هذا التقسيم، تقسيم الدين إلى أصول وفروع. بل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عبارات في هذا الباب، كما ذكر ذلك في منهاج السنة وفي غيرها من كتبه، أنه صرح رحمه الله تعالى إلى أن هذه القسمة من البدع. فمن ذلك ما قاله رحمه الله تعالى في بعض مواطنه، قال: فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين فرع آخر وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل، لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان. بل هو ما أخذ من المعتزلة، ثم تتابع رحمه الله تعالى في الرد على هذا التقسيم. وهكذا ابن القيم رحمه الله تعالى أنكر أن يقسم الدين إلى أصول وفروع. ووجه، إخواني في الله، إنكار العلماء لهذه التقاسيم، لأن أولا ما أخذ من أهل الكتاب، ومن أهل الكلام، ومن المتكلمين، ومن المنظرين، ومن المعتزلة. والأمر الثاني: أنهم من هذا التقسيم أتوا بأحكام من هذه الأحكام الذي أخذوها بعد التقسيم، يقولون: إن الدين ينقسم إلى أصول وفروع، فمن أنكر مسألة من مسائل أصول الدين فهذا يكفر، ومن أنكر مسألة من مسائل الفروع فهذا لا يكفر. هذا حكم أتوا به. ومن ثم تأتي المسألة الثانية، وهي: ما الفرق إذن بين الأصول والفروع؟ أنتبهوا الآن، أتوا بالتقسيم: الدين ينقسم إلى أصول وفروع، هذا الأمر الأول. وبعد ذلك أتوا بالثمرة من هذا التقسيم، ما هو الثمرة؟ أن من أنكر مسألة وهي من عداد أصول الدين فهذا يكفر، وأما إن كانت المسألة من الفروع فمن أنكرها فلا يكفر. ثم تأتي المسألة الثالثة، وهي: ما الفرق بين الأصول والفروع؟ دب الخلاف بين هؤلاء في التفريق بين هذا النوع وبين هذا النوع. فمن قائل، مثاله: أن المسائل الأصول هي المسائل العلمية، وهي المسائل العلمية، وأما مسائل الفروع فهي المسائل العملية. هذا قول. وقول آخر، منه من قال: أن مسائل الأصول هي المسائل التي دل عليها السمع والعقل، مسائل الأصول هي المسائل التي دل عليها السمع والعقل، وأما مسائل الفروع فهي المسائل التي دل عليها السمع. ما المقصود بالسمع عندهم؟ عند أهل الكلام: الكتاب والسنة، الكتاب والسنة يسمون هذا الكتاب والسنة بالسمع، دليل سمعي. فيقول: هذا الفرق. هذا قول آخر. قولنا القول: فريق من متكلمة من قال: أن أصول الدين هي مسائل العلمية، كل مسائل العلمية، وهي التي عقدها القلب، مسائل القلب والعقل والعلم، هذه مسائل علمية في أصول الدين. ومسائل الفروعية مسائل العملية، المسائل العملية. ومن قال: أن المسائل الأصول الدين هي المسائل التي دليلها من السمع والعقل، وأما المسائل الفرعية فروع الدين، وهي المسائل المأخوذة من السمع فقط. ومنهم من قال، وهو شبيه من الأول، أن من قال: المسائل الأصول الدين هي المسائل القطعية، المسائل القطعية، وأما مسائل فروع الدين فهي المسائل الظنية، المسائل الظنية. طيب، هذه الاقوال، طبعا لا يسع المقام لذكر الخطأ، بل يقول: الباطل الذي وقعوا فيه، لأن هذه مسألة التقاسيم تحت حكم ما هو الحكم؟ أن من أنكر المسائل الأصولية يكفر، ومن أنكر المسائل الفروعية لا يكفر، على قولهم. نأتي إلى ضابط من هذا الضابط المذكورة، ثم نطبق هذا الحكم ونرى أن هذا الحكم باطل، وأن هذه القسمة باطلة. مثاله على قول من يقول: مشهور عندهم أن المسائل الأصول الدين هي المسائل العلمية، ومسائل الفروع هي المسائل العملية. طيب، نأتي إلى هذا التقسيم، نأتي بأمثلة نبين الحكم. طبعا حكمهم عندهم أن من أنكر مسألة علمية، على قولهم، من أنكر مسألة علمية فهذا كافر، ومن أنكر مسألة فرعية فهذا لا يكفر. نأتي الآن نقول: هذا لا يصح، بل هذا باطل، لأنه لا ينضبط، لأن كم من المسائل العلمية التي صاحبه لا يكفر، وكم من المسائل العملية التي صاحبها يكفر. وهذا ماذا يخالف وينسف القاعدة التي أقاموها. مثاله: نأتي لبعض المسائل التي نبه عليها العلماء، وهي مسائل علمية، ومع ذلك صاحبه لا يكفر. مثال، قال العلماء: مثل مسألة هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه أم لم ير ربه؟ هل رأى جبريل عليه السلام في المعراج أم لم يره؟ هذه مسألة أين محلها؟ هل هي مسائل عملية كالطهارة والصلاة؟ أم أنها مسائل علمية؟ هذه مسألة علمية. الذي ينكر هذه المسألة هل يكفر؟ ذكر شيخ الإسلام الاتفاق من أن من أنكر هذه المسألة وغلط أنكرها ما يكفر. على التفصيل بين علي وعثمان، أيهما أفضل من الآخر؟ يقول بهذا، هنا مسألة خلافية، فمن أنكر مثل هذه المسألة، مسألة علمية، ما لديها مسألة علمية، هذه المسألة علمية، محلها في أصول الدين، على قول مبتدعة في أصول الدين، من أنكرها لا يكفر، لا يكفر بها صاحبه، من قال بهذا، من قال بهذا لا يكفر بها. نأتي الآن العكس، وهي بعض المسائل العملية والتي عندما أنها من فروع الدين، وصاحبها لا يكفر، ذكر العلماء كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن من المسائل التي عملية وصاحبها يكفر بها، مثالها: الصلاة، الصلاة مسألة عملية، الزكاة مسألة عملية، الحج أركان الدين، مسائل عملية. طيب، لو أن أحدا من الناس أتى إلى الصلاة وأنكر الصلاة، وأنكر الصلاة، ما حكمه؟ هل يعذر؟ أم أنه كافر؟ كافر. رجل أتى وأنكر الزكاة، أتى وأنكر الحج، فهذه مسائل من أنكرها فإنه يكفر، معنا مسائل ماذا؟ مسائل عملية. انظر الآن نأتي إلى مسائل علمية من أنكرها لا يكفر، ونأتي إلى مسائل عملية من أنكرها كفر. طبعا هذا سيهدم القاعدة التي بنى عليها المتكلمون: من أنكر مسألة عملية فهو يكفر، ومن أنكر مسألة علمية فلا يكفر، بينما الواقع والأئمة دلت على العكس مما يقول المتكلمون، فدل ذلك على أن هذه القاعدة باطلة، أن هذه القاعدة باطلة، وهذا التقسيم، وهذا التفريق الذي أتوا به لا يصح، أنها لا تصح. فلهذا، إخواني في الله، أو لا ترك مثل هذا التعبير، لكن يأتي إشكال هنا، وهو إشكال قوي جدا، وهو: كيف يقال إنكار هذا التقسيم، ونحن نرى من العلماء من أهل السنة من يستخدم هذا التقسيم، مثل من؟ مثل المؤلف ها هنا، ماذا قال المؤلف شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب؟ قال: ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه. فالمؤلف استخدم هذا التقسيم الآن، كذلك بل شيخ الإسلام بنفسه الذي انتقد هذا التقسيم في بعض كتبه استخدم هذا التقسيم كثيرا ما يستخدمه: أصول الدين وفروع الدين، أصول الدين وفروع الدين. وهذا يقع الإشكال كيف؟ كيف لهم ينكرون أصول الدين هذا القسم ثم يقعون في هذا التقسيم في كتبهم وفي تقريراتهم؟ فيقال: علماء، يحمل فعل علماء هنا على مسألة، وهو القول الأول، وهو أقوى الأقوال: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو الذي رأيت انتقاد هذا التقسيم، لما أنكر مسألة التقسيم الدين إلى أصول وفروع، لم يقصد رحمه الله تعالى انتقاد ذات التقسيم، لا، ما أراد انتقاد ذات التقسيم. إنما أراد أن ينتقد المعاني والفروق المذكورة تحت هذه التقاسيم، هذا الذي أراده شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى من فعله أنه يقول: لا بأس أن يقسم الدين إلى أصوله وفروعه، لا بأس، لأنه يقول: علماء، لأن الدين ليس واحدا، الدين في تشريعاته ليس كله على رتبة واحدة. أن الدين يختلف، يختلف الدين في مسائله، منها الكبار ومنها العظام ومنها الصغار، هذا موجود في ديننا، ليس على رتبة واحدة أو منزلة واحدة. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما أراد أن ينتقد ذات التقسيم، وإنما أراد أن ينتقد المعنى الموجود في هذا التقسيم. إذا كان هذا التقسيم مراده أن الأصول هي المسائل العملية والفروع هي مسائل علمية، فهذا باطل، المقصود: القطعية أو الظنية، فهذا باطل، المقصود. فشيخ الإسلام يريد أن ينتقد ليس ذات التقسيم، وإنما أراد أن ينتقد ما بعد هذا التقسيم. وهذا أقوى الأقوال وأقوى الوجوه. لماذا نرى شيخ الإسلام ينتقد هذا التقسيم في وجه، ثم يستخدمه في باب آخر؟ فيقال: إنما أنكره لمسألة أرادها رحمه الله تعالى، وهو المعاني المأخوذة من هذا التقسيم، معاني باطلة، فأنكر وانتقد ليس ذات التقسيم، وإنما أصل التقسيم، وإنما التقسيم بذاته. بعض العلماء يرى أنه جائز، ولا في شيء، دين هناك أصول وفروع، فمن هذا المقصود؟ إذا كان دين ينقسم إلى أصول، فمصحح في التفريق، فعلى قول من يقول بمشروعية، ولا بأس باستخدام هذا التقسيم، فيرى أن الأصول تختص بمسائل التوحيد، الأصول متعلقة بمسائل التوحيد، وأما الفروع ما دون ذلك. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فعندنا مسائل التوحيد، وعندنا ما دون ذلك، فمسائل التوحيد من أصول الدين، وهذا شيخ الإسلام كثيرا ما يعبر عنه، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إذا تكلم عن مسائل العقيدة والمعتقد والتوحيد، قال: وهذا من أصول الدين، فيعبر عن مسائل التوحيد بأنه من أصول الدين. وأما ما دون ذلك، فإنه من مسائل ماذا؟ من مسائل الفروع. ومنهم من يجعل أن الأصول هي مسائل الكبار، المسائل الكبار في ديننا الذي تواترت عليه الأدلة، واستفاض عليه كلام الأمة، دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، من أمور الضروريات الذي ينجي من أنكرها، يكفر بها، هذه مسائل أصول. وأما ما دون ذلك، فهي مسائل فروع. وهذا قول لبعض العلماء في تعابيره. ومنهم من قال: أن بعض العلماء يستخدم هذا التقسيم من باب أن يحدثوا الناس على قدر عقولهم، أن هذا المصطلح قد فشى، وهذا قد انتشر، فلا بأس ماذا؟ أن يستخدم هذا التعريف. وهذا مثل ماذا؟ مثل الأحاديث المتواتر، الأحاديث المتواتر، من درس المصطلح يعمل هذا من التقاسيم، ومن التخاريج والتفاريغ المتأخرة المتأخرة، ومع ذلك جرى عليها عمل الأمة، لأن كم يقع فيها هي تقسيم لا تؤثر، فبعضهم يرى أن هذا التقسيم موجود، فلا بأس أن يجاري الناس باستخدام مصطلحات يعرفونها، لكن على المعنى الصحيح، على المعنى الصحيح. فهذه المحامل الثلاث في حق من يستخدم هذا اللفظة، وتقسيم الدين إلى أصول وفروع، إما أنه يراد به المعنى الصحيح، فالمعنى الصحيح: إما أن أصول مسائل التوحيد، والفروع ما دون ذلك، أو أن مسائل الأصول وهي المسائل الكبار العظام الذي تضافت أدلة عليها، وأن الفروع ما دون ذلك. وأما أن استخدام هذا المصطلح من باب تحديث الناس بما يعقلون وبما يفهمون، وإن كان كذلك، جماعة من العلماء يرى الأولى ترك هذا التعبير، لما فيه من الإيهام ولما فيه من الغموض. فهذه، إخواني في الله، ما يتعلق بهذا الأصل الثاني. وخلاصة كما ترون: ضرورة الاجتماع في دين الله جل وعلا، وأن يكون الاجتماع على كتاب الله جل وعلا وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهي عن الفرقة والتشتت والتفرق، مع ضبط الاختلاف الواقع بين الأمة، وأنه يختلف من صورة إلى صورة. وإن شاء الله بعد هذا الأصل الدخول في الأصل الثالث، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.