الدرس في شرح الأصول الستة 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح مفهوم الاختلاف في الدين وأقسامه الثلاثة: اختلاف تنوع، اختلاف أفهام، واختلاف تضاد. يبدأ بذكر اختلاف التنوع كأول نوع من أنواع الاختلاف في الشريعة.
يشرح نوعين من الاختلاف في العبادات: اختلاف التنوع وهو تعدد الصور لعبادة واحدة دون تعارض، واختلاف الأفهام حيث يختلف العلماء في فهم الدليل الشرعي الواحد. كلا النوعين مقبول ومحمود إذا كان مبنياً على أدلة شرعية.
الاختلاف الثالث هو اختلاف التضاد، ويعني دفع الحق أو التمادي في الباطل، وينتج عن الجهل أو الظلم. يعتبر من الاختلاف المذموم الذي يؤدي إلى الفرقة والافتراق، ويجب إنكاره ومعالجة أسبابه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في الأصل الثاني من الأصول الستة، وهو المقام حول ما يتعلق بأمر الله جل وعلا بالاجتماع والنهي عن التفرق، وهكذا عن الاختلاف. ومتابع إخواني في الله لهذا الأصل العظيم، فمسائله كثيرة ومتعددة ومتنوعة. بل إن من أهل العلم ومن العلماء من دقق في هذا الباب، حتى في مصطلحاته، في مصطلحات هذا الباب. منهم من يدقق، ومنهم من يوجب التدقيق في هذه المصطلحات. فمثلا قد تسمع الافتراق وتسمع الاختلاف، فتجد أن معناهما واحد، مع أن من أهل العلم من يرى ضرورة التفريق بين الافتراق وبين الاختلاف، فلكل معناه. فبعضهم يرى أن الافتراق أشد من الاختلاف، فيرى البعض أن الافتراق ما هو إلا ثمرة الاختلاف، يظهر الاختلاف ومن ثم يأتي الافتراق، فيقولون إن الافتراق عبارة عن اختلاف وزيادة. وذكروا فوارق متعددة وعديدة، ما الفرق بين الافتراق وبين الاختلاف؟ وهذا ليس موضوعنا. وهكذا، بل حتى بين الاختلاف والخلاف، الاختلاف والخلاف، مع أنها مصطلحات متقاربة في حروفها وفي بنيتها، إلا أن من العلماء من يرى التفريق بين الاختلاف والخلاف، كما فعل ذلك الشاطبي رحمه الله تعالى. فيرى أن الخلاف مذموم منهي عنه، وأما الاختلاف ففيه التفصيل، وفيه كذلك درجات، يحمد ومنه لا يحمد. فهذه المصطلحات، إخواني في الله، تدلكم على أهمية هذا الموضوع، وكيف أن العلماء رحمهم الله تعالى قديما وحديثا اهتموا به وركزوا عليه، لضرورة ثمرته التي ستكون لها واقع ملموس في دين الناس، وكذلك في دنياهم. من الأمور التي نبينها، إخواني في الله، ما يتعلق بأمر الاختلاف، كما ذكر ويكرر هنا، لكن بمعنى أوسع، أن الاختلاف منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود. ومن تأمل في كتاب الله جل وعلا يجد هذه الآيات التي تارة فيها ربنا جل وعلا يذكر الاختلاف والمختلفين، فيكون هذا الاختلاف على صورة الذنب، وتارة يأتي القرآن ويذكر بعض المختلفين على صورة الحمد. وقد نبه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى هذه الآيات، وذكر رحمه الله تعالى الضابط في معرفة الخلاف المذموم ومعرفة الخلاف المحمود من خلال الآيات القرآنية. فذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الاختلاف المذموم هو الذي يذم فيه ربنا جل وعلا جميع الطوائف. الاختلاف المذموم هو الاختلاف الذي فيه يذم ربنا جل وعلا جميع الطوائف، كما قال في آيات كثيرة: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة لست منهم في شيء﴾. فهؤلاء من الاختلاف المذموم الذي لم يرضى فيه ربنا جل وعلا على جانب دون جانب. فكل ما في القرآن من الاختلاف الذي يذم فيه ربنا جل وعلا أصحابه وأهله، فهذا من الاختلاف المذموم. وهكذا في قوله تعالى: ﴿ولا، ولا يزالون مختلفين﴾. قال تعالى: ﴿إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾. فهذه صور من صور الاختلاف التي لم يحمد فيها ربنا جل وعلا جانبا دون جانب، أو طائفة دون طائفة. فهذا الاختلاف المذموم. والاختلاف المحمود الذي فيه ربنا جل وعلا يحمد طائفة دون أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾. هنا اختلاف قد وقع، لكن هنا ربنا جل وعلا حمد أحد إحدى الطائفتين، ولم يحمد الأخرى، فحمد أهل إيمان، ومن كان في معناهم. ﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾. فبهذا الضابط، تصديعا، تميز الآيات القرآنية التي فيها ذم للخلاف، والتي فيها مدح للخلاف، أي مدح لأحد الطائفتين التي اختلفتا. هنا تأتي مسألة أبين من هذه المسألة، وهي: كيف تعرف في واقع الناس، في معاملة الناس، في دينهم، وفي المسألة الشرعية، كيف تعرف أن هذا الاختلاف الذي وقع، هل هو من اختلاف المحمود، أم من اختلاف المذموم؟ هل هناك رموز؟ هل هناك سلوك معين؟ هل هناك ضوابط أو معايير محددة يمكن أن تحكم على هذا المخالف أو على ذاك الخلاف أنه مما يذم، أو أن هذا الخلاف وذاك المخالف مما يحمد؟ ذكر العلماء هذه المسألة، وخرجوا لنا بتقاسيم بديعة في هذا الباب. وهذا من استقرائهم من نصوص الكتاب والسنة، ولفعل سلف الأمة، أن الاختلاف ينقسم إلى أقسام. منهم من جعله ينقسم إلى قسمين، ومنهم من فصل وجعله على ثلاثة أقسام. وعلى هذا سنسير، سنذكر الأقسام الثلاثة للاختلاف. ومن خلال هذه الأنواع الثلاث من أنواع الاختلاف، تستطيع أن تميز بين هذا الاختلاف الحاصل والواقع، هل هو من الاختلاف المحمود الذي يمدح صاحبه، ولا ينكر عليه، ولا يحكم بأمر آخر، ولا يتعلق به بغضاء أو شحناء أو هجران، وبين اختلاف آخر يقع فيه النكير، ويقع فيه التوجيه، ويقع فيه الإرشاد، بل ربما قد يصل الأمر إلى أشد من ذلك. طيب، ما هي أقسام الاختلاف التي يذكرها العلماء في هذا الباب؟ قال العلماء: إن الاختلاف ينقسم إلى أقسام ثلاث: إما اختلاف تنوع، أو اختلاف أفهام، أو اختلاف تضاد. هذه أنواع من أنواع الاختلافات التي تقع للناس في دينهم. اختلاف تنوع، واختلاف أفهام، واختلاف تضاد. ويختلف حكم كل مسألة عن الأخرى. نبقى، طبعا، هذا المقام ليس مقام بسط وإسهاب، لكن نذكر أهم الضوابط والأمثلة المتعلقة بكل نوع من أنواع الاختلاف. الاختلاف التنوع وهو أول أنواع الاختلافات، ضابطه: أن تأتي الشريعة بذكر صور متعددة لعبادة واحدة. هذا قد يكون نوع اختلاف، هذا ذكر، وذاك ذكر آخر، وذاك ذكر رابع وخامس وسادس، سواء كان هذا الاختلاف قولا، كالأذكار، أو فعلا، بالسلوك، ركعتين، أربع مزدوجة أو وترية. طيب، هذا الاختلاف ينصب كله ويؤدي إلى عبادة واحدة، إلى عبادة واحدة. هذا النوع من الاختلاف، هذا ليس عليه نكير، بل هذا مما جاءت به الشريعة، والمسلم بالخيار، يفعل هذا، يفعل هذا. وإن اختلفت مع صاحبك، وإن اختلفت مع زميلك، وإن اختلفت مع الناس، لا يضرك. مثاله ما يتعلق مثل القراءات السبع، القراءات السبع قراءات متواترة، أنزلها ربنا جل وعلا على نبينا عليه الصلاة والسلام، وها هي الأمة تقرأ بالقراءات السبع. فمن قرأ بهذا الحرف، وقرأ آخر بآخر، وثاني قرأ بثالث، هذا لا ينكر على هذا، وهذا لا ينكر على الآخر، لأن الكل يؤدي إلى قراءة كتاب الله جل وعلا. فكل من أوصل إلى كتاب الله بصور من صور القراءة، ممن قد تواتر عند الأمة، فهذا لا نكير ولا إنكار على صاحبه، بل جاء من السنة ما يؤيد ذلك. ما ثبت في صحيح مسلم أن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يحكي عن نفسه، قال: استمعت إلى قراءة رجل، وأنه قرأ بقراءة ما أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرأ ما كنت أقرأ بها. قال: فأخذت بيده، بيد هذا القارئ، فأخذت بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره الخبر بأن هذا قرأ قراءة أنا ما سمعتك يا رسول الله أقرأ بها. يعني: تقرئني بها. فقال عليه الصلاة والسلام: اقرأ. وقال مسعود: اقرأ. فلما استمع نبينا إلى هذا وإلى هذا، قال: كلاكما محسن، ولا تختلفوا. ولا تختلفوا، هذا اختلاف في القراءة، هذا على اختلاف، والقراءة قراءة هذا، لكن هذا ماذا؟ من اختلاف التنوع. وحكمه: كلاكما محسن، هذا محسن، وذاك محسن. وعلى هذا، كما جاء، أحد كثير في هذا الباب. وقس على ذلك، سائر العبادات. ما جاء كذلك في صيغ التشهد، فهناك قراءة تشهد كثير، ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، جاء عن الصحابة، هذا بتشهد، ذاك بتشهد، ذاك بتشهد. فمن قرأ بهذا فله ذاك، ومن قرأ بالآخر فله ذاك. هذا من اختلاف التنوع. عندك الأذان، عندك الإقامة، هذا بصيغة، وذاك بصيغة، وصيغة قد تختلف، إما بالشفع، وإما بالوتر، هذا بزيادة، هذا بالنقصان. وإن كان اختلافا، لكن اختلاف تنوع، لماذا؟ لأن الشريعة هي التي جاءت بهذه الصور المختلفة. وهذه الحكمة أرادها الله جل وعلا. ومن هنا، حتى قال من قال من أهل العلم: إن المسلم، أمامه أمام هذه الاختلافات من اختلاف التنوع، عليه أن يتنوع، أن يسير معها. يعني: هذا بعض ينعم على أمر الصلاة في الصلاة. مثاله: من درس في صفة الصلاة، يرى الأدعية والأوراد والأذكار الكثيرة التي تؤتى في الركوع، ويؤتى عند القيام، عند الاعتدال، وعند السجود، أوراد وأدعية كثيرة. فيرى بعض العلماء أن من المستحسن أنك لا تواضب على ذكر واحد، وإنما تنوع كما جاءت الشريعة بالتنوع. تنوع مع الشريعة، خذ بهذا ذكر أحيانا، وهذا بأحيان، وهذا أحيانا، فتتنوع. وهذا لمصلحة أرادها الشرع في ذكر هذه الصور المتعددة، وهي رحمة من الله جل وعلا بذكر هذه الشريعة المتعددة، وكلها تؤدي إلى عبادة واحدة. صحيح قد يقال: إن بعضها أفضل من بعض، في اختلاف التنوع قد يقال: إن بعضها أفضل من بعض، لكن الكل محسن، الكل في ذلك قد أحسن، أنه ما أتى بشيء مبتدع، وإنما أتى بشيء مما جاءت به الشريعة. هذا القسم الأول من اختلاف التنوع، عبارة عن صور متعددة لعبادة واحدة. الصورة نوع، ثم نوع. الاختلاف ما يسميه العلماء باختلاف الأفهام. ما يسميه العلماء باختلاف الأفهام، واختلاف الأفهام يقول العلماء: ضابطه هو الاختلاف في مسألة، الحق فيها واحد، لكن لكل دليله. يعني: اختلاف مسألة، الاختلاف في مسألة، وفيها حق، فيها مخطئ، وفيها مصيب، لكن الذي اختلف في هذه المسألة، لكلٍ له دليل، لكلٍ له دليل. ولكن دليل أحدهما أرجح من الآخر، هنا الضابط. دليل أحدهما أرجح من الآخر. تأتي إلى مسألة، تجد من العلماء من يختلف مع هذا. وجه الاختلاف بين هذا وبين ذاك، لوجود أدلة هذا مع دليل، وتنظر للثاني معه دليل. إذن الاختلاف موجود، لكن هل هذا اختلاف مذموم؟ لا، اختلاف محمود، لماذا؟ هنا محمود، قال: لأن كل واحد عنده دليل، وكل يرى أن دليله أرجح من الآخر، كل يرى أن دليله أرجح من الآخر. فهنا لا عتب على هذا النوع من الاختلاف، بل جاءت الأدلة الكثيرة الدالة على هذا النوع من الاختلاف. يؤجر عليه العبد إذا كان قصد صاحبه من هذا الاختلاف الوصول للحق. قال عليه الصلاة والسلام: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد. فهذا الحاكم، ويدخل في ذلك الولي، ويدخل في ذلك العلماء، ويدخل في ذلك القضاء، ويدخل في ذلك أهل الإفتاء، من أفتى. من اجتهد في مسألة، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد. وهذا قلنا: كما مثل، إذا كان هذا الاختلاف ضمن أدلة شرعية، ضمن أدلة شرعية، هذا معه دليل، وذاك معه دليل، لكن يختلفون بعد ذلك في الأفهام. يختلفون بعد ذلك في الأفهام، فهذا يفهم هذه المسألة، ويفهم هذا الدليل على منحة، وذاك يفهم الدليل الذي معه بمنحة أخرى، فيظهر أثناء التطبيق الفعلي، يظهر الاختلاف في الفعل. فهذا يحكم بالوجوب، وهذا يقول بالاستحباب، هذا يقول بالتحريم، وهذا يقول بالكراهة، هذا يقول بالمشروعية، وهذا يقول باللا مشروعية. فيظهر الاختلاف بين الفقهاء، وبين المختلفين، لا عن هوى، وإنما على حسب أدلة هي بين أيديهم، أدلة شرعية وصلت إليهم، لكن هذا الدليل بفهم هذا العالم جره إلى هذا القول، والدليل الذي عند العالم الآخر جره إلى قول آخر، بخلاف الأول. لماذا؟ لاختلاف الأفهام، لاختلاف الأفهام في هذا. فهذا كما قلنا: صاحب بين الأجر والأجرين. بل هذا قد حصل بين صحابة رضي الله تعالى عنهم. من درس في الفقهيات، وما يذكر العلماء في كتب المطولات عن اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهذا يقول بكذا، وذاك يقول بكذا، إما في الطهارة، وإما في الغسل، وإما في التيمم، وإما في أحكام الصلاة، وإما في بعض النوافل، في مسائل الجهاد، وفي مسائل الزكاة، وفي مسائل الصيام، مسائل كثيرة. تجد: ابن عباس يقول في هذا المذهب، وخالف ابن عمر، أو الجمهور على هذا المذهب، وعائشة على خلافه. ترى الصحابة يختلفون، بماذا؟ اختلافهم، الاختلاف تم بالنظر إلى الأدلة التي بين أيديهم. هذا معه دليل من الكتاب والسنة، لكن رأى أن هذا الدليل يؤيد هذا المعنى. وآخر يرى أن هذا الدليل الذي بين يديه يأتي بمعنى آخر، فيظهر الاختلاف، ولكن اختلاف كما قلنا: يدور ماذا؟ حول الأدلة الشرعية. ويقول العلماء: وهذا مما لا مؤاخذة عليه، لأن المؤاخذة إنما تكمن في القصد، وفي الإصرار، القصد على الخطأ، والإصرار على الخطأ، هذا الذي فيه مؤاخذة. لكن هذا النوع من الاختلاف ليس فيه قصد على الخطأ، وليس فيه كذلك الإصرار على الخطأ. ويدلنا على ذلك ما وقع للصحابة، عندما أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابه بقوله: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾، فهذا دليل شرعي، أمر من نبينا عليه الصلاة والسلام. فهذا أمر، وهو دليل، لكن هنا الصحابة انقسموا قسمين في فهمهم لهذا الدليل. منهم من فهم هذا الحديث على ظاهره، على ظاهره: أن صلاة العصر في بني قريظة، ولو خرج عن وقتها الصلاة، ولو خرج عن وقتها، لابد أن نقيم الدليل على ظاهره. ومن الصحابة من رأى أن المقصود بهذا الحديث ليس بظاهر النص، ولكن الحث والاستعجال، نحاول أن نصلي العصر هناك. فرأى هؤلاء: أن إن أدركنا في الطريق سنصلي العصر في الطريق، لأن القصد من هذا الحديث ليس أن نصلي العصر هناك، لكن الحث. فلما جاءتهم وقت العصر في الطريق، صلوا في الطريق، ثم مضوا. فهنا تم الخلاف، هناك من صلى العصر في بني قريظة مع الخروج عن وقت الصلاة، ومنهم من صلى العصر في وسط الطريق، ثم واصل إلى بني قريظة. فلم يعاتب نبينا هذا على هذا، ولا هذا على هذا، لماذا؟ لأن الأفهام قد اختلفت، هذا يرى الدليل بفهم، وهذا يرى الدليل بفهم آخر. وهذا الذي يوجد عند العلماء، وعند الفقهاء، وعند أئمة المذاهب، وخاصة الأربعة، ومن كان من علمائهم. فهم يختلفون من هذه الحيثية، وهم يعظمون الشرع، ومقصدهم الوصول إلى الحق، لكن يختلفون في الأفهام، يختلفون في تطبيق الأدلة. ومن أراد المزيد، حاول مسألة قد يقول بعض الناس: وهذا عجب، كيف الدليل موجود، والاختلاف حاصل؟ يقول: هناك أعذار كثيرة، أعذار كثيرة قد تتلبس بالعالم، فتمنعه أن يصيب الحق. ويراجع في هذه الرسالة العظيمة التي ليس لها نظير، وهي من أبدع ما ألفه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وبماذا؟ في هذه المسألة. سماها: رفع الملام عن أئمة الأعلام. سماها: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، حيث بين رحمه الله تعالى: أن اختلاف العلماء إنما كان اختلاف أفهام، وأن الذي وقع بين المذاهبين، الاختلاف في الأقوال، إنما على حسب الأدلة. ثم بين رحمه الله تعالى: أن منهم من لا يأتيه الدليل، أو منهم من يأتيه الدليل، لكن وجد فيه معارضا. ومنهم من جاءه نص، لكن وجد أن هذا نص منسوخ. ومنهم من وجد أن هذا النص، لكن النص مؤول. فذكر رحمه الله تعالى من يقارب عشرة أعذار، بها وجدنا أن العلماء اختلفوا في فهم الأدلة الموجودة. فهذا، إخواني في الله، نوع من أنواع اختلاف الأفهام. طبعا، الذي يختلف، وما يقع بين العلماء، فهذا مما يعذرون فيه. فالشافعي خالف مالكا، فهذا مما يعذر فيه، لأن الأفهام أدتهم إلى ذلك. أما أنت يا عبد الله، ومن كان من الأتباع، ومن كان من عامة الناس، فإنه ينظر للدليل الصحيح، ينظر للدليل. فإن اختلف إمام مع إمام، فأنت تنظر: ما دليل هذا؟ وما دليل ذاك؟ فالراجح تأخذ به، الراجح تأخذ به. وليس لك عذر بعد هذا يا عبد الله. أما الاختلاف الثالث في المسألة، وما يسميه العلماء باختلاف التضاد. والتضاد، إخواني في الله، يقول العلماء: ضابطه هو الاختلاف الذي فيه دفع الحق، أو التمادي في الباطل. الاختلاف الذي فيه دفع الحق، أو التمادي في الباطل، هذا من اختلاف التضاد. مسألة، مسائل الدين، تجد بعض الناس يعرف أن الحق مع الجانب الثاني. فما واجبه؟ لا شك أن الواجب إزاء هذه المسألة: أنك تنقاد، وأنك تخضع للحق. إلا أننا نجد أن من الناس من يدفع هذا الحق، يرده، يرد الحق، وهو يعرف في قرارة نفسه أن الحق مع فلان، أو أن الحق في هذه المسألة الفلانية في هذا الباب. لكن يترك هذا الجانب، ويدفع الحق، أو أنه يتمادى في باطله. ينصح بأن ما أنت عليه من أمر الدين، من أمر هذه المسألة التي أنت تسلكها، سواء كان عقديا أو منهجيا أو في عبادة من العبادات، سلوكيا ونحو ذلك، خلقيا، أن هذه المسألة وهذه الطريقة خاطئة. لكنك تتمادى في هذا الباطل، هذا سيولد اختلافا، هذا الذي يدفع الحق، ستكون أنت هو في جانب، وأنت في جانب آخر. وهذا الذي يتمادى في باطله، سيكون في جانب، وأهل الحق في جانب آخر. هذا ولد لنا صورة، بصور الاختلاف، ماذا نسميها؟ اختلاف تنوع؟ لا، اختلاف أفهام؟ لا، هذا يسمى اختلاف تضاد، هذا يسمى اختلاف تضاد. وهذا من الاختلاف المذموم، من الاختلاف المذموم. وقد يقول قائل: وكيف للإنسان أن يدفع الحق، ويتمادى بالباطل؟ ما الذي يؤدي إلى ذلك؟ نبه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم: أن الذي يؤدي، ومن أعظم العوامل التي تؤدي للناس إلى سلوك اختلاف التضاد، الجهل والظلم. الجهل والظلم، هذه من أعظم الركائز التي تدعو الشخص إلى الاستمرار إلى هذا النوع من الاختلاف المذموم، واختلاف التضاد، إما الظلم: أن يكون هذا الرجل الذي على خطأ، أن يكون عنده شيء من ظلم، عنده شيء من فساد النية، عنده شيء من البغي، ومن الحسد، من العلو في الأرض، ومن حب الرئاسة. شيء عنده شيء من ظلم، فهذا الذي يجعله على هذا الحال، يرد الحق، ويتمادى في باطله. أو أنه ليس ظلما، لكن عنده جهل، ما يدري شيئا بدين الله، يناقش، يجادل على أمور لا علم عنده، وإنما هوى، وإنما هوى به، يماري، وبه يجادل، فاستمر على باطله جهلا منه، أو يدفع الحق جهلا منه. وهذا كذلك مما يولد هذا الاختلاف المذموم. فمن شأن اختلاف التضاد: إما يرجع إلى ظلم الشخص، أو إلى جهل الشخص. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وحمل الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾. ظلوما جهولا. فهذا الاختلاف، إخواني في الله، من الاختلاف المذموم، الذي من ابتلي به، فعليه ماذا؟ أن يتوقع شر هذا الاختلاف، وأن ينزع. وهذا الذي يؤدي إلى الفرقة، وإلى الافتراق. وهذا الذي ينبغي أن ينكر على صاحبه، ينكر على صاحبه، ويؤخذ على يده. بل إن لم يكن ينفع الأخذ، يضرب حتى بيد من حديد، حتى لا يؤدي إلى الفرقة بين الناس، والفرقة في دين الله جل وعلا. وهذا النوع، إخواني، قد انتشر عند طائفة من الناس، اختلف عند طائفة من الناس، هذا النوع. لكنهم حملوه على غير محمله، هذا النوع من اختلاف التضاد، كما قلنا: حقه أن يلغى، حقه أن يوضح صاحبه، حقه أن يرجع إلى الكتاب والسنة وإلى الحق. لكن نجد طائفة من الناس تعاملوا مع هذا الاختلاف على غير محمله. فماذا فعلوا؟ مثاله: من نرى من بعض الفقهاء، أو قل: من متعصبة الفقهاء، وأصحاب المذاهب، وأصحاب الآراء، وأصحاب التكتلات، أنهم جعلوا هذا الاختلاف من الاختلاف المحمود. فيرى أن مذهبه، ويرى أن تكتلاته، ويرى أن جماعته، ويرى أن فرقته، ويرى أن فكرته التي أتى بها، ومن كان معه، أنه حق مئة في المئة. على ما فيها من أخطاء، وعلى ما فيها من تقصير، وعلى ما فيها من باطل أحيانا، يتعصب بما هو فيه. وهذا سلوك منحرف، ولا يقف، إخواني في الله، على ما وقع في أزمان قريبة، ليس بعيدا عن ما وقع من الفقهاء، أن تعصبوا بهذا النوع من أنواع الاختلاف. أن الواحد منهم يأخذ بقول صاحبه، يأخذ بعجره وبجره، على ما فيه من أخطاء، وعلى ما فيه من تقصير، وعلى ما فيه من باطل أحيانا، فيأخذه. وأدى هذا إلى ما أدى إلى وجود النزاعات والاختلافات والافتراقات، حتى تفرقت الناس إلى أديان، وإلى ملل، وإلى فرق، وإلى مذاهب. ولا يخفاكم أن كانت في بعض المساجد الجوامع الكبيرة، كانت تقام فيها أربعة محاريب، هذا محراب، وذاك محراب، وذاك محراب، هذا لمذهب، وذاك لمذهب، وذاك لمذهب، ولكل مذهب صلاة، هذا يصلي في الساعة الثانية عشرة، وذلك في الثانية عشرة إلا ربع، وذلك في الثانية عشرة وربع. هذا مذهب مالكي يصلي بإمام، أئمة مع أتباعهم، وهذا مذهب حنفي يصلي مع أتباعه، وذلك مذهب شافعي مع أتباعه، في مسجد واحد، في مسجد واحد. كل هذا من اختلاف القضاء، كان ينبغي أن يلغى، لكن ماذا؟ كل تعصب على رأي شيخه، وعلى رأي إمامه، ومن رآه مرؤوسا عليه، على ما فيه من أخطاء. فكل تمادى، بل سمعنا من الفتاوى الجائرة في هذا الباب، أن بعضهم ربما منع النكاح، ومنع البيع والشراء من الطائفة الثانية. حتى تلكم الفتوى الغريبة التي قد سمعت عمن سمي بمفتي الثقلين، وهذا رجل من أئمة الأحناف، رجل من الحنفية. عن مسألة: هل يجوز للحنفي أن يتزوج من الشافعية؟ فقال: يجوز، لماذا؟ لأنه نزل الشافعية بمنزلة أهل الكتاب، نزل الشافعية منزلة أهل الكتاب، فيجوز للحنفي أن يتزوج الشافعية. أما العكس فلا، أن الشافعي يتزوج من الحنفية فلا يجوز. هذا متى بلغ؟ بلغ إلى هذا الحد، إلى هذا الحد، عندما اتخذ الناس من هذا الاختلاف المذموم، جعله اختلافا محمودا، هو الذي يسيرهم، وهو الذي يمشيهم. فأصبحت هذه التفرقة الموجودة في الأمة. وهكذا عكس من هذا النوع، أن من الناس من جعل من اختلاف التضاد، جعله من اختلاف التنوع. فيرى بعض الناس أن هذه المذاهب الموجودة، وهذه الفرق الموجودة، وهذه الآراء الموجودة، أنها محمودة، ولا فرق بين هذا المذهب وبين ذاك المذهب. وأن كلها عبارة عن شجرة قد جاءت بثمارها، تأخذ من هذا ما شئت، ومن هذا ما شئت، ومن هذا ما شئت، ومن هنا جاءت الفتاوى من بعض العلماء المعاصرين. الذين فتحوا باب التوسع على الأمة من هذه الحيثية، أنهم جاءوا بأنك تأخذ أي رأي ترى أنه ينفعك في واقعك المعاصر، خذه، لكن يكون تبع أحد المذاهب. فيأتي من يأتي إلى شرب النبيذ عن مذهب الأحناف، ويرى من أراد أن يتخذ من سماع الغناء جائزا، أخذ المذهب الظاهرية. وأرأه هكذا، تأتي إلى جميع المذاهب، وتأخذ هذا وذاك وذاك، تأخذ من حق، ومن باطل، ومن راجح مع مرجوح، تأخذ بمأشئت. وهذا كذلك من الضلال، كما قال علماء: من تتبع الرخص فقد تزندق. اختلاف التضاد ما يصل به الحال أبدا كاختلاف التنوع، اختلاف التنوع هذا حاله: أنك تأخذ ما شئت. أما التضاد يلغى، لا يأخذ إلا من الراجح، ما يأخذ إلا من الحق. أما ما كان فيه خلاف، خلاف الدليل، فهذا يترك، يذم. وما ينبغي أن يفتح المجال للناس أن يأخذوا ما شاءوا، وكيف شاءوا. حتى قال إبراهيم التيمي رحمه الله تعالى: من أخذ بزلة كل عالم فقد جمع الشر كله. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى، لما روى هذا الأثر عن إبراهيم التيمي. قال: وهذا بالإجماع، ولا أعلم فيه خلافا، ولا أعلم فيه خلافة، أن تجعل من اختلاف التضاد، يا عبد الله، اختلاف تنوع، أنك تأتي إلى أي فرقة، وإلى أي مذهب، وإلى أي منهج، تأخذ من هنا، وتأخذ من هنا، وكأنه حلال بين. لا، يا عبد الله، فإن هذا لا يصلح. فإخواني في الله، بهذه الأمور الثلاث، وغفل النفس في ذكر هذه المسائل الثلاث، لكن بها نعرف أين يكون الاختلاف المحمود، وأين يكون الاختلاف المذموم. فالاختلاف عندنا على أقسام ثلاثة: إما اختلاف تنوع، وإما اختلاف أفهام، وإما اختلاف تضاد. فاختلاف التنوع هي الصور العديدة، الصور العديدة لعبادة واحدة، فالناس ماذا؟ يأخذوا بما شاءوا، فأمر في ذلك واسع. وكما قال نبينا: كلاكما محسن. وأما اختلاف الأفهام، وهو الاختلاف في مسألة، الحق فيها واحد، لكن يتم الاختلاف بحسب الدليل، بحسب الدليل. فهذا يعذر فيه صاحبه، إن بذل جهده، واجتهد في هذا الباب. فهذا مما يعذر فيه صاحبه. وأما اختلاف التضاد، عباد الله، وهو الاختلاف الذي فيه الدفع الحق، والتمادي في الباطل، ويكون مرده إلى الظلم والجهل، فهذا ليس من الاختلاف المسوغ، بل هذا اختلاف يذم صاحبه. وهو سبب للفرقة بين المسلمين، وعلى صاحبه أن يتق الله جل وعلا، وأن لا يتعصب لهذا الخطأ، وإن كان لصاحبه، أو كان مرؤوسه، وإنما يرجع إلى ما دل عليه الأدلة الشرعية. وبهذا أخذنا موجزا سريعا حول أقسام وأنواع الاختلاف. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.