الدرس في قبس من السيرة النبوية 47، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الهجرة الأولى إلى الحبشة كانت هروبًا من التعذيب والقتل على أيدي الكفار، ولها أسباب أخرى تتعلق بالدعوة والمكاسب الحقيقية للإسلام. اختار النبي أصحابه من القدامى وأصحاب الخلفية الدينية القوية للهجرة.
كان اختيار الحبشة كوجهة للهجرة لحكمة وإلهام من الله، لما كانت تتمتع به من موقع جغرافي مناسب ودين كتابي قريب من الإسلام وسياسة آمنة للمسلمين. كانت تحت حكم ملك عادل.
كان ملك الحبشة عادلاً لا يُظلم عنده أحد، وكان للنصارى هناك قربى بالإسلام أكثر من اليهود. أشار النبي إلى عدله وأهمية هذا العدل في اختيار الحبشة كوجهة للهجرة.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَذَلِكُمْ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، فِي الْمَرْحَلَةِ الْمَكِيَّةِ إبَانِ ظُهُورِ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَعَتْ الْعَدِيدُ وَالْكَثِيرُ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْحَوَادِثِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَقِفَ عِنْدَهَا وَنَنْظُرَ فِيهَا، وَلَوْ نَظَرَ سَرِيعَةٍ، ذَلِكَ لِمَعْرِفَةِ الْأَحْوَالِ الَّتِي نَابَتْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَذَا فِي اسْتِخْلَاصِ الْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ وَالْوَقَائِعَ الَّتِي وَقَعَتْ مَا وَقَعَتْ عَبَثًا، وَمَا وَقَعَتْ هَكَذَا سُدًى، وَإِنَّمَا كَانَتْ بِقَدَرَةِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، أَرَادَهَا لِحِكْمَةٍ عَلِمَهَا مَنْ عَلِمَهَا وَجَهِلَهَا مَنْ جَهِلَهَا. وَمِنْ هَذِهِ الْحَوَادِثِ الَّتِي يَكُونُ حَدِيثُنَا مَعَكُمْ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِهِجْرَةِ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ، الْهِجْرَةُ إلَى الْحَبَشَةِ. مَرَّ مَعَنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِعِظَمِ الْأَذَى الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ قِبَلِ الْكُفَّارِ، إِذْ قَامَ الْكُفَّارُ بِتَسْلِيطِ الْعَذَابِ وَالنِّكَالِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِكُلِّ مَا أُوتُوا مِنْ قُوَّةٍ، حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَضَعَ لَهُمْ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِكْرَاهِ، لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحُبِّ لِمَا أُمِرَ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ. فَحِينَهَا أَمَرَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعْدَمَا رَأَى مَا وَقَعَ لِأَصْحَابِهِ، فَحَزَّ فِي نَفْسِهِ، وَرَأَى أَنَّ الْأَذَى قَدْ اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَلَابُدَّ مِنْ مَاذَا؟ مِنْ حِيلَةٍ، وَلَابُدَّ مِنْ وَسِيلَةٍ أَنْ يُرْفَعَ هَذَا الْحِمْلُ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمَرَهُمْ حِينَهَا بِالْهِجْرَةِ، أَمَرَهُمْ بِالْهِجْرَةِ. وَكَانَتْ الْجِهَةُ الَّتِي قَرَّرَ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ، الِانْتِقَالَ إلَيْهَا هِيَ أَرْضُ الْحَبَشَةِ، أَرْضُ الْحَبَشَةِ. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَصْحَابِهِ: «إنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ، فَالْحَقُوا بِبِلَادِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَخْرَجًا وَفَرَجًا». وَالْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّحِيحَةِ. فَأَشَارَ نَبِيُّنَا إلَى الْذَهَابِ إلَى تِلْكَ الْأَرْضِ، إلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ مِنْ بِلَادِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، أَلَا وَهِيَ الْحَبَشَةُ. هُنَا تَأْتِي مَسْأَلَةُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مِنْهَا: لِمَاذَا؟ مَا سَبَبُ الْهِجْرَةِ؟ مَا السَّبَبُ فِي هِجْرَةِ؟ وَلِمَاذَا قَرَّرَ نَبِيُّنَا وَأَكَّدَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِضَرُورَةِ الْهِجْرَةِ إلَى تِلْكَ الْبِلَادِ؟ الْجَوَابُ أَنَّ الْهِجْرَةَ، كَمَا قَالَ الْكَثِيرُونَ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ كُتُبُ السِّيرَةِ، أَنَّ الْهِجْرَةَ إنَّمَا أُسِّسَتْ وَشُرِعَتْ لِأَمْرٍ ظَاهِرٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ رَفْعُ حِمْلِ النِّكَالِ وَالْعَذَابِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى كَاهِلِ الصَّحَابَةِ، هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ شُرِعَتْ الْهِجْرَةُ، لِعِظَمِ الْأَذَى وَالنِّكَالِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى كَاهِلِ الصَّحَابَةِ. لَكِنْ بَقِيَ: هَلْ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الْوَاحِدُ؟ هَلْ هُوَ السَّبَبُ الرَّئِيسُ لِلْهِجْرَةِ؟ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ قَالَ: نَقُولُ: نَعَمْ، قَدْ يَكُونُ هَذَا السَّبَبُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الْأَسْبَابَ، لَيْسَ كُلَّ الْأَسْبَابِ، بَلْ هُنَاكَ لَعَلَّ هُنَاكَ أَسْبَابٌ أُخْرَى، هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْهِجْرَةِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْبَاحِثِينَ: لَوْ نَنْظُرُ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا، طَبْعًا سَيَأْتِي أَنَّ الْهِجْرَةَ الْأُولَى، وَهُنَاكَ هِجْرَةٌ ثَانِيَةٌ، فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ الَّذِينَ هَاجَرُوا بِأَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَوْ تَنْظُرُ فِيهِمْ، سَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّ الْقَائِدَ لِهَذِهِ الرِّحْلَةِ وَهَذِهِ الْحَمْلَةِ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ. كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ، يَعْنِي بَعْضٌ مِنْ الْكِتَابَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: مَا كَانَ فِي قُرَيْشٍ، مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، عُثْمَانُ بْنُ مَضْعُونٍ، عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، هَؤُلَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهَؤُلَاءِ بَعْضُهُمْ قَدْ مَا أَصَابَهُ الْأَذَى أَصْلًا، مَا أَصَابَهُ الْأَذَى. وَإِنَّكَ لَتَعْجَبُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَدْ جَاءَهُ الْأَذَى مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ، وَهَكَذَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ، قَدْ جَاءَهُمْ مِنْ أَذًى، لَكِنَّهُ لَيْسَ الْكُلَّ. طَيِّبٌ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَاجَرُوا كَعُثْمَانَ، عُثْمَانُ بْنُ مَضْعُونٍ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَجَاءَ أَبُو سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، جَمَاعَاتٌ لَهُمْ مَكَانَةٌ فِي قُرَيْشٍ. طَيِّبٌ، أَيْنَ الَّذِينَ قَدْ أَحَسُّوا بِالْأَذَى؟ أَيْنَ بِلَالٌ؟ مَا هَاجَرَ، أَيْنَ عَنْ عَمَّارٍ؟ مَا هَاجَرَ، أَيْنَ خَبَّابٌ؟ مَا هَاجَرَ، هَؤُلَاءِ كَانُوا أَوْلَى بِالْهِجْرَةِ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَعَلَّ الْهِجْرَةَ لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ الرَّئِيسُ فِيهَا، وَمَاذَا؟ هُوَ الْهَرَبُ مِنْ عَذَابِ الْكُفَّارِ، لَا، لَيْسَ هَذَا سَبَبًا رَئِيسًا. نَعَمْ، قَدْ يَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ الْهِجْرَةِ، أَنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مِمَّا أَصَابَهُمْ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا رَئِيسًا، كَمَا يَقُولُونَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا، مَا أُصِيبُوا أَصْلًا، بِالْأَذَى، مِنْ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِالْأَذَى، لَا زَالُوا فِي مَكَّةَ، مَا خَرَجُوا. وَلِهَذَا اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ أَنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ كَانَتْ لِأُمُورٍ أُخْرَى أَرَادَهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَدْ نَعَمْ، مِنْ أَسْبَابِ الْهِجْرَةِ، مَاذَا؟ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ الْأَذَى، مِنْ أَسْبَابِ الْهِجْرَةِ، مَثَلًا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِفَاظُ عَلَى الْمَكَاسِبِ، الْحِفَاظُ عَلَى الْمَكَاسِبِ. هَؤُلَاءِ هُمْ النُّخْبَةُ، هَؤُلَاءِ هُمُ الْقَدَامَى، هَؤُلَاءِ هُمْ الْأَصْلُ. فَقِيلَ: يَقُولُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَعَلَّهُ اخْتَارَ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ حِفْظُهُمْ فِي مَاذَا؟ وَاسْتِمْرَارُهُمْ فِي الْحَيَاةِ، وَثَبَاتُهُمْ عَلَى الدِّينِ، يُفِيدُ النَّاسَ، يُفِيدُ الْإِسْلَامَ فِي الْغَدِ. وَلِهَذَا رَاعَى نَبِيُّنَا هَذِهِ السِّلَةَ، فَاخْتَارَهُمْ، وَمَاذَا؟ وَأَخْرَجَهُمْ، حَتَّى يَبْقَوْا فِي أَمْنٍ وَأَمَانٍ، فَيَفْرُوا بِدِينِهِمْ، فَلَا يُلَوَّثُوا، لَا بِضَغْطٍ نَفْسِيٍّ، وَلَا بِضَغْطٍ مَادِّيٍّ، وَلَا بِتَهْدِيدٍ، وَلَا بِقَتْلٍ، وَلَا بِتَقْتِيلٍ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَمَا قُلْنَا: هُمُ الْقَدَامَى، مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، عُثْمَانُ بْنُ مَضْعُونٍ، مِنْ الْقَدَامَى. فَهَؤُلَاءِ هِيَ مَكَاسِبُ حَقِيقِيَّةٌ لِلْإِسْلَامِ، فَحِفْظُ هَؤُلَاءِ هُوَ حِفْظٌ لِلْإِسْلَامِ، حِفْظٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، حِفْظٌ لِرَأْسِ الْمَالِ. وَلِهَذَا اخْتَارَهُمْ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مِنْ دُونِ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْهِجْرَةِ. قَدْ يَكُونُ هَذَا سَبَبًا، سَبَبًا آخَرَ، كَذَلِكَ، يُسْتَظْهَرُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ، أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ اخْتَارَ هَؤُلَاءِ لِنَشْرِ الدَّعْوَةِ، لَيْسَ فَقَطْ هَرَبًا مِنْ الْكُفَّارِ، لِهَجْمٍ لِغَيْرِهَا مِنْ الْمَنَاطِرِ. الْحَبَشَةُ سَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّهَا بَلَدٌ آمِنٌ وَأَمَانٌ، وَهِيَ أَرْضٌ مُمَهَّدَةٌ لِلدَّعْوَةِ. وَأَنَّ اخْتِيَارَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ مِنْ الْفُضَلَاءِ، مِنْ الْأَقْدَمِينَ، مِمَّنْ عِنْدَهُمْ خَلَفِيَّةٌ، وَعِنْدَهُمْ أُمُورُ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ، وَالْحُسْنَى، وَالِاسْتِقَامَةِ، وَالسَّيْرِ وَالسُّلُوكِ، مُؤَهَّلَاتٌ دَعَوِيَّةٌ تَنْفَعُ، هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا سُفَرَاءَ، سُفَرَاءَ لِلْخَارِجِ. بَدْءًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ فَقَطْ يَدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، أَمْرٌ مَا، بَلْ يُغَيِّرُ الدَّعْوَةَ؛ لِتَكُونَ فِي مَصَافِ الْمُهَاجِمِينَ. فَأَخْرَجَ نَبِيُّنَا هَذِهِ السِّلَةَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَهُمْ دُعَاةً إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ. وَهَذَا الَّذِي وَاقِعٌ، وَسَيَأْتِي مَعَنَا مَعَ اسْتِمْرَارِ الْهِجْرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ الثَّانِيَةِ، مَاذَا الَّذِي أَثْمَرَ؟ أَنْ أَمِيرُ تِلْكَ الْبِلَادِ أَسْلَمَ، أَمِيرُ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَهُوَ مَاذَا؟ النَّجَاشِيُّ. سَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ، وَهَكَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ بِطَارِقَتِهِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ حَاشِيَتِهِ، أَنَّهُ قَدْ تَأَثَّرَ بِإِسْلَامِ هَؤُلَاءِ، بِدَعْوَةِ هَؤُلَاءِ، فَأَسْلَمُوا. فَلَعَلَّ هَذَا كَذَلِكَ مِمَّا يُسْطَرُ مِنْ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا هَاجَرَ الصَّحَابَةُ إلَى الْحَبَشَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَذَلِكَ: أَنْ لَا نَسْتَبْعِدَ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ أَرْسَلَ هَؤُلَاءِ؛ لِيَتَأَكَّدُوا: هَلْ هَذِهِ الْبِلَادُ بِلَادُ أَمْنٍ وَأَمَانٍ أَمْ لَا؟ لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي مَعَنَا، بَعْدَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَهَبُوا، كَانُوا قِلَّةً، كَانُوا قِلَّةً، بِالْعَشَرَاتِ، عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، أَرْبَعَةَ نِسْوَةٍ، بِحُدُودِ ذَلِكَ، مَا يَتَجَاوَزُونَ بِعِشْرِينَ. فَلَمَّا ذَهَبُوا، فَرَجَعُوا. الرِّحْلَةُ الثَّانِيَةُ كَانَتْ مَاذَا؟ أَكْثَرَ، أَضْعَافًا، أَضْعَافًا، أَضْعَافًا، مَا يُقَارِبُ بِالسَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ رَجُلًا. فَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ ذَهَبُوا، كَمَاذَا؟ كِبَعْثَةٍ، بِعْثَةٍ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ وَاقِعِ الْحَالِ، مِنْ وَاقِعِ الزَّمَانِ، مِنْ وَاقِعِ الْمَكَانِ، هَلْ هَذَا مُؤَهَّلٌ لِنُزُوحِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ فَكَانَتْ مَاذَا؟ كَانَ الْخَبَرُ فِيمَا سَيَأْتِي مَعَنَا فِي الرِّحْلَةِ الثَّانِيَةِ. فَهَذِهِ أَسْبَابٌ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، تُطْرَحُ فِي الْبَالِ، فَلِهَذَا نَرَى أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ، وَمِنْ كَتَبِ السِّيَرِ، إذَا تَكَلَّمُوا فِي مَوْضُوعِ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ، صَوَّبُوا الْأَضْوَاءَ عَلَى أَنَّ الْبَاعِثَ لِهَذِهِ الْهِجْرَةِ، وَمَاذَا؟ هُوَ الْفِرَارُ مِنْ أَذِيَّةِ الْكُفَّارِ، الْفِرَارُ مِنْ أَذِيَّةِ الْكُفَّارِ. فَنَقُولُ: نَعَمْ، هَذَا مِنْ الْأَسْبَابِ، وَلَيْسَ كُلَّ الْأَسْبَابِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُضَافُ إلَى ذَلِكَ، كَمَا قُلْنَا: إمَّا خُرُوجُهُمْ فِرَارًا مِنْ أَذِيَّةِ الْكُفَّارِ، أَوْ أَنْ خُرُوجُهُمْ مِنْ بَابِ الْحِفَاظِ عَلَى الْمَكَاسِبِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْإِسْلَامِ، أَوْ أَنْ خُرُوجُهُمْ دَعْوَةً إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، أَوْ أَنْ خُرُوجُهُمْ مِنْ بَابِ مَا يُسَمَّى بِتَقَصِّي حَقِيقَةِ الْحَقَائِقِ الْمَوْجُودَةِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ الَّتِي عَزَمَ نَبِيُّنَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَحَلَّ هِجْرَةٍ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فِي أَسْبَابِ الْهِجْرَةِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: لِمَاذَا اخْتَارَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْحَبَشَةَ؟ الْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ بِلَادٌ شَاسِعَةٌ وَاسِعَةٌ، فِيهَا الضَّوَاحِي، وَفِيهَا النَّوَاحِي، وَفِيهَا الْقَبَائِلُ، وَفِيهَا الْأَفْخَاذُ، وَفِيهَا الْبَوَادِي، وَفِيهَا الصَّحَارِي، وَفِيهَا كَذَلِكَ بُلْدَانٌ، هُنَاكَ بِلَادُ الْيَمَنِ فِي الْأَسْفَلِ، بِلَادُ الشَّامِ فِي الْأَعْلَى، بِلَادُ الْعِرَاقِ بِالْجِوَارِ، بِلَادِ الْعِمَانِ، وَكَذَلِكَ. فَلِمَاذَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، تَعَدَّى هَذِهِ الْأَمَاكِنَ، ثُمَّ كَانَ الِاخْتِيَارُ، وَوَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْحَبَشَةِ؟ طَبْعًا الِاخْتِيَارُ كَانَ عَنْ مَاذَا؟ عَنْ حِكْمَةٍ، وَعَنْ فِطْنَةٍ، وَعَنْ حِكْمَةٍ، وَهَذَا مِنْ وَحْيِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا فِي حَقِّ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي جَعَلَتْ أَوْ مَهَّدَتْ لِأَنْ تَكُونَ الْحَبَشَةُ هِيَ أَرْضُ الْهِجْرَةِ الْأُولَى، هِيَ أَوَّلُ هِجْرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، لِأَسْبَابٍ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ اخْتَارَ الْحَبَشَةَ؛ لِأَنَّهَا مَكَانٌ مُؤَهَّلٌ لِلْهِجْرَةِ، مِنْاخِيًّا، يَعْنِي مُنَاسِبًا مِنْاخِيًّا، وَدِينِيًّا، وَسِيَاسِيًّا، مِنْاخِيًّا، وَدِينِيًّا، وَسِيَاسِيًّا. هَذِهِ الْأَسْبَابُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي أَهَّلَتْ لِأَنْ تَكُونَ الْحَبَشَةُ مَهْبَطَ الْهِجْرَةِ الْأُولَى لِلْمُسْلِمِينَ. أَمَّا الْمُلَاءَمَةُ أَوِ الْمُنَاسَبَةُ الْجُغْرَافِيَّةُ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: اخْتَارَ نَبِيُّنَا الْحَبَشَةَ؛ لِأَنَّهَا بَلَدٌ يُعْتَبَرُ وَسَطًا، لَيْسَتْ بِالْقَرِيبَةِ الَّتِي تَكُونُ عُرْضَةً لِغَزْوِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ. فَلَوْ أَمَرَهُمْ نَبِيُّنَا هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي الْقُرَى، فِي الْبَوَادِي، فِي الصَّحَارِي، فَإِنَّ أَيْدِي قُرَيْشٍ سَتَصِلُهُمْ، أَيْدِي قُرَيْشٍ سَتَصِلُهُمْ، لَا يُسْتَبْعَدُ عَلَيْنَا أَنْ أَكْثَرَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَاؤُهَا لِقُرَيْشٍ، وَلَاؤُهَا لِقُرَيْشٍ. فَوُجُودُهُمْ قُرْبَ هَؤُلَاءِ فِي الْجَزِيرَةِ، خَطَرٌ عَلَيْهِمْ. وَأَيْضًا إِبْعَادُهُمْ إلَى أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ، مِثْلُ إلَى الصِّينِ، إلَى الْهِنْدِ، تَكُونُ لَهُمْ حَضَارَةٌ فِي تِلْكَ الْأَزْمَانِ، كَانَ هَذَا مَسَافَةً بَعِيدَةً جِدًّا، لَرُبَّمَا مَاذَا؟ قَدْ تَنْقَطِعُ الْعَلَائِقُ دُونَهَا، قَدْ يَمُوتُ فِي الطَّرِيقِ، وَيَتِيهُ الْهَلَاكُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى تِلْكَ الْبِقَاعِ. فَاخْتَارَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَاذَا؟ أَرْضًا وَسَطًا، أَلَا وَهِيَ الْحَبَشَةُ. فَهِيَ لَيْسَتْ قَرِيبَةً بِحَيْثُ تَنَالُهَا يَدٌ، وَلَيْسَتْ بَعِيدَةً عُرْضَةً لِلْهَلَاكِ. فَاخْتَارَ نَبِيُّنَا الْحَبَشَةَ؛ لِأَنَّهَا مَا تُعْتَبَرُ مَنْطَقَةً وَسَطًا، هَذَا الْمَكَانُ، مَاذَا؟ الْمُسَبِّبُ الْمُنَاخِيُّ. وَالسَّبَبُ مَا يُسَمَّى بِالدِّينِ، أَنَّ النَّصَارَى، أَنَّ الْحَبَشَةَ كَانُوا يَدِينُونَ بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، يَدِينُونَ بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ. وَالنَّصَارَى يُقَالُ عَنْهُمْ: أَنَّهُمْ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، عِنْدَهُمْ مِنْ اللِّينِ، عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَوَدَّةِ. وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ إذَا قُلْنَا: إنَّ النَّصَارَى أَقْرَبُ النَّاسِ مَوَدَّةً، مَعْنَى مَاذَا؟ أَنْ نَنْفَتِحَ لَهُمُ الْمَجَالَ، وَتُفْتَحَ لَهُمُ الْقُلُوبُ، وَأَنَّهُمْ إخْوَانٌ فِي اللَّهِ وَفِي دِينِ اللَّهِ. وَإِنَّمَا نَقُولُ: إنَّ النَّصَارَى أَقْرَبُ مِنْا، وَذَلِكَ إذَا قَارَنَّاهُمْ، إذَا قَارَنَّاهُمْ بِغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَدْيَانِ. إذَا قَارَنْتَ النَّصَارَى بِغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَدْيَانِ، لَرَأَيْتَ أَنَّ مِنْ أَخَفِّهِمْ شَرًّا، وَمِنْ أَقْبَلِهِمْ لِدِينِ اللَّهِ، النَّصَارَى أَقْرَبُ. وَهَذَا بِنَفْسِ الْقُرْآنِ أَقْرَبُ. لِمَاذَا؟ لِوُجُودِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ، وُجُودِ الْقِسِّيسِينَ، وُجُودِ كَذَلِكَ الرُّهْبَانِ، وُجُودِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، الْإِنْجِيلِ، كَذَلِكَ، الْإِيمَانِ بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَالرُّسُلِ الْمُنَزَّلِ. فَعِنْدَهُمْ عَوَامِلُ مُشْتَرَكَةٌ، خَفَّتْ مِنْهُمْ حُجَّةُ الْحِقْدِ، الْحِقْدِ كَامِلٍ، لَكِنْ خَفَّتْ حُجَّةُ الْحِقْدِ عِنْدَهُمْ؛ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تَمَيَّزُوا بِهَا عَنْ بَقِيَّةِ الْأَدْيَانِ، مِنْ الْوَثَنِيِّينَ، مِنْ الْكُفَّارِ، مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، مِنْ عَبَدَةِ الْكَائِنَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ، فَهُمْ أَقْرَبُ. وَلِهَذَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، لَوْ تَرَوْنَ أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ النَّصَارَى، أَكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ الْيَهُودِ. انْظُرْ إلَى الْجَالِيَاتِ، وَانْظُرْ إلَى مَسَاءِ الدَّارِ الَّذِي يُفْتَحُ لِلتَّوْعِيَةِ، وَإِلَى نَشْرِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. لَوْ تَنْظُرُ فِي عَدَدِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، لَتَجِدُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ طَبَقَهُمُ النَّصَارَى، يَتَأَثَّرُونَ سَرِيعًا بِالْإِسْلَامِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُمْ أُنَاسٌ عَلَى عِلْمٍ، النَّصَارَى هُمْ عَلَى عِلْمٍ، هُمْ ضَالُّونَ، عِنْدَهُمْ عِلْمٌ، لَكِنَّهُمْ خَالَفُوا عِلْمَهُمْ. أَمَّا الْيَهُودُ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ، أَصْحَابُ أَهْوَاءٍ. وَلِهَذَا فَإِنَّ النَّصَارَى هُمْ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ، مِنْ مُقَارَنَةِ، مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ دُخُولًا فِي الدِّينِ، أَكْثَرَ مِنْ الْيَهُودِ. لَوْ رُبَّمَا تَرَى أَحَدًا، إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الْيَهُودِ، إنْ أَسْلَمَ، إنْ أَسْلَمَ، قَلِيلٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَهْوَاءٍ، بِخِلَافِ النَّصَارَى. فَنَبِيُّنَا عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اخْتَارَ الْحَبَشَةَ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَاذَا؟ مِنْ الْقُرْبِ، وَكَذَلِكَ مِنْ اللِّينِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ. فَعِنْدَمَا ذَهَبَ الصَّحَابَةُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَجَدُوا مَاذَا؟ وَجَدُوا التَّرْحَابَ، وَجَدُوا كَذَلِكَ الْمَكَانَ الْآمِنَ. وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ، وَالْمُنَاسَبَةُ فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ، أَنَّهَا مُنَاسِبَةٌ سِيَاسِيَّةٌ. وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَ هَذِهِ الْبِلَادِ لَا يُظْلَمُ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَإِنَّ بِهَا مَل